banner ad

التنظيمات البشرية |3|.. مرحلة التفكك والوفاة

د. يحي نعيم

مرحلة الوفاة والتفكك (الدوران في فلك الأشياء)

ينتهي التنظيم البشري إلى طور الوفاة والتحلل, عندما يفقد مقومات بقائه, ومشروعية وجوده المرتبطة بأدائه لوظيفته وتحقيقه لأهدافه التي تأسس من أجلها. وفي التنظيمات الإسلامية تحديداً, فإن مصيرها يؤول إلى الوفاة والتفكك, عندما تتمزق فيها روابط الأمة المسلمة “المذكورة في المقال الأول”, أو تَفرُغ من معانيها ومضامينها الحقيقية (عجز عن التجسيد) ,  وعندما تعجز عن تحقيق الإحاطة والرسوخ في حمل رسالة الإصلاح ونشرها وإسقاطها على الواقع في ميادين الحياة المختلفة (عجز عن الحمل والبلاغ والتنزيل), وعندما لا تُراوح المكان, وتفشل في تحقيق أهداف التمكين في مدى زمني معقول ومنطقي. (عجز عن تحقيق الأهداف والتمكين للرسالة)

تنظيم إسلامي في طور الوفاة والتحلل = تنظيم فاقد  لـــ (مقومات البقاء +  مشروعية الوجود) =  تنظيم (عاجز عن تجسيد  الرسالة ومبادئها+ عاجز عن حمل الرسالة ونشرها وتنزيلها بصورة صحيحة على الواقع + عاجز عن تحقيق الأهداف والتمكين لمشروع الرسالة الإصلاحي)

ويحدث ذلك عندما يتوسد القيادة من ليسوا بأهلها, من أصحاب النفوذ والخطابة على النحو الذي جرى توضيحه في المقال السابق, فيأخذون بناصية التنظيم إلى الانحراف عن الدوران في فلك الرسالة إلى الدوران في فلك الأشخاص, وشخص القيادة التنظيمية تحديداً, ليدخل التنظيم بذلك في مرحلة الضعف والمرض, التي تم تفصيل أعراضها ومظاهرها في المقال السابق أيضاً..

ولأن هذه القيادة المفتقدة للأهلية عادةً ما تتسم “كنمط قيادي” بالصلف والعناد, وشدة الاعتداد بالرأي, والتعالم, والتعالي على النقد واعتباره تهديداً لمكانتها وفضح لضعفها– الأمر الذي يدفعها لمخاصمة أصحابة بل والفجور في الخصومة في بعض الأحوال- فإنها تعمد إلى التستر على هذه الأمراض وإنكارها, أو التظاهر بإصلاح ما تعجز عن مداراته منها, من خلال إجراءات شكلية قد تخفف من ظهور الأعراض, ولكنها لا تمتد لجذور المشاكل بالعلاج والمداواة. ويترتب على ذلك تفاقم هذه الأمراض وتزايد مضاعفاتها, وتقلص دوائر الولاء لدى أفراد التنظيم من القيادة العامة المركزية إلى القيادات الوسطى فالقيادات الصغرى المباشرة, إلى أن تنتهي لدوران الفرد حول نفسه,  وعندها تتحول صلة الأفراد بالتنظيم إلى “نفاق” ومجاملات لا صلة ولاء وانتماء, فيرتبط أحدهم بالتنظيم بقدر ما يحقق أهدافه ومنافعه الشخصية, ففلان التاجر يطمح في رواج تجارته, وفلان الطبيب يرجو  أن تكتظ عيادته بأبناء التنظيم وذويهم, والآخر المعلم يطمع في تكثير سواد الطلبة بدرسه, وهكذا..وهنا تتمزق روابط وعناصر الأمة, وتنكمش في بؤرة الأنانية الفردية, لتصبح المعادلة على النحو التالي:

“تنظيم إسلامي في أدنى مراحل الضعف والمرض = تنظيم إسلامي يدور غالبية أفراده في فلك أنفسهم = ولاء الفرد لنفسه (الإيمان – الهجرة والمهجر – الجهاد والرسالة – الإيواء – النصرة) = أفراد أنانيون + هجرة فردية + جهاد فردي ورسالة فردية + إيواء فردي + نصرة فردية”..1

“وفي هذه المرحلة يصبح المكان الذي يجد الفرد فيه قضاء مصالحه هو المهجر الذي يشد إليه رحاله, ويصبح العمل لتأمين رغباته ومصالحه هو مظهر الجهاد الذي يفرغ فيه الفرد طاقاته العقلية والنفسية والجسدية, ويتحدد مفهوم الإيواء في توفير الإقامة المريحة الزاخرة بالمصالح الشخصية, ويتحدد مفهوم النصرة في منافحة الفرد عن مصالحه الخاصة دون سواها, ويتحدد مفهوم الولاية في الأنانية الفردية وتقديمها على أي شيء آخر”2…ثم تكون مشاركته في أعمال التنظيم مشاركة خالية من الروح والباعث القلبي, بل قد تُشكل الأنشطة التنظيمية المختلفة عنده عبئاً, إذا عطلت مصالحه الخاصة, أو حالت دون رغباته الأنانية.

وبلوغ التنظيم هذا الطور معناه تمزق العلاقات, وتعطل فاعلية عناصر الإيمان والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة في تجسيد الرسالة, وحملها, والعمل للتمكين لمشروعها الحضاري. وهو ما يعني الدخول لمرحلة الوفاة والتفكك..

وهنا يلزمنا توضيح نقطتين من الأهمية بمكان  قبل مواصلة الطرح وهما:

أولاً: “أن سلسلة الانحسارات المتوالية التي يمر بها التنظيم تتم بدرجة متفاوتة عند الأعضاء, فقد يكون أناس على دائرة الولاء للفكرة, في الوقت الذي يكون آخرون على دائرة الولاء للأشخاص, وآخرون على دائرة الولاء للأشياء”3, وتصنيف المراحل هو تبعاً للغالبية المهيمنة على سلوك التنظيم ومساره, والتي تملك التأثير في توجهاته. وهي تتمثل في مرحلة الصحة والعافية فيمن يدورون في فلك الرسالة, وفي مرحلة الضعف والمرض فيمن يدورون في فلك الأشخاص , وفي مرحلة الوفاة والتفكك فيمن يدورون في فلك الأشياء.

ثانياً: ”ليس حتمياً أن تتوالى الانحسارات حتى تنتهي بالتنظيم إلى مرحلة الوفاة, فقد تحدث حركة مراجعة وتجديد ترد للتنظيم قسطاً من العافية, أو تمنع زيادة التدهور, أو تنقله من مرحلة المرض إلى الصحة من جديد”4.ولكن هذا يتطلب إما أن تتحرك شريحة قوية من القواعد في صورة تياريه, للضغط على القيادة لإحداث مراجعات جذرية على المستوى الفكري والحركي, أو أن تتعرض القيادة لصدمات إفاقة تجنح معها للمبادرة الذاتية للتصحيح, وللأسف كلا الأمرين في التنظيمات الإسلامية شديد الصعوبة والندرة, فعادةً ما تقوم القيادة غير ذات الأهلية بتجفيف منابع الخلاف والاضطراب بداخلها, من خلال الإرهاب الفكري, والاغتيال المعنوي, والفصل التنظيمي للعناصر المقلقة, وبالتالي ففرصة تكون شريحة التصحيح وتحولها لشريحة ضغط داخلي تكاد تكون معدومة, وعادة لا يتجاوز الأمر حد الجهود الفردية المشتتة, التي لا تملك قدرة فعلية على التغيير في المسار والتوجهات. كما أن هالة القدسية والعصمة التي تضفيها القواعد على القيادة في التنظيمات الإسلامية, تحول دون مبادرة الأخيرة بإعلان التوبة والمراجعة الفكرية والحركية لما تراه في ذلك من إنتقاص لقدرها أو إثبات على ضعفها, ولذلك عادة ما تعمد إلى تأويل لنصوص الدينية ولي عنق الأحكام الشرعية والاسقاط الخادع لأحداث السيرة والتاريخ على واقعها, لتبرير مواقفها وتصريحاتها, التي عادة ما تكون متناقضة ومرتبكة, كانعكاس طبيعي لضعفها في فقه الرسالة ومسائل التخطيط الاستراتيجي.

وعليه..فإذا كان الغالب المتوقع في ظل قبضة غير ذوي الأهلية من رجال القوة والخطابة على زمام الأمور,  هو تضييع الأمانة, وانحراف التنظيم عن الدوران في فلك الرسالة إلى الدوران في فلك الأشخاص, واستمرار هذا التدهور والانحسار إلى أن ينتهي الحال بالدخول في طور الوفاة والتفكك..فما هي إذاً أعراض ومظاهر هذا الطور الأخير, وما هو المصير الذي ينتظر هذا التنظيم وأعضائه؟

في المقال اللاحق تكون الإجابة بإذن الله…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1, 2, 3, 4 = د. ماجد الكيلاني (الأمة المسلمة – مفهومها – مقوماتها – إخراجها)

شارك

اقرأ أيضا:

  1. التنظيمات البشرية |4|.. أعراض مرحلة الوفاة والتفكك
  2. التنظيمات البشرية.. بين الصحة والوفاة
  3. التنظيمات البشرية |1|.. مرحلة الصحة والعافية
  4. التنظيمات البشرية |2|.. مرحلة الضعف والمرض
  5. التنظيمات البشرية.. |6| خاتمة وتوصيات

التصنيفات: الفكر السياسيمختارات

المفتاحيات:

خلاصة RSSالتعليقات: (2)

أضف تعليقك | رابط التعقيبات

  1. يوسف معايعه قال:

    شكرا د. يحي على المقال..مزيدا من التقدم ان شاء الله
    وعليه..فإذا كان الغالب المتوقع في ظل قبضة غير ذوي الأهلية من رجال القوة والخطابة على زمام الأمور, هو تضييع الأمانة, وانحراف التنظيم عن الدوران في فلك الرسالة إلى الدوران في فلك الأشخاص, واستمرار هذا التدهور والانحسار إلى أن ينتهي الحال بالدخول في طور الوفاة والتفكك..فما هي إذاً أعراض ومظاهر هذا الطور الأخير, وما هو المصير الذي ينتظر هذا التنظيم وأعضائه؟

  2. مسلمة قال:

    تابعت سلسلةمقالات حضرتك عن التنظيمات البشرية ويحزننى أن أجد كل الأمراض التى أشرت اليها حضرتك ماثلة فى التنظيم الذى أنتمى اليه (الاخوان المسلمون)وأن تفكك التنظيم ووفاته أمر قد بات وشيكا ولله الأمر من قبل ومن بعد

أضف تعليقك