أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / نقد الذات أصل البدايات

نقد الذات أصل البدايات

نهى عاطف

ما لم يدرك المرء نقاط قوته، لن يجيد توظيفها، وما لم يدرك نقاط ضعفه فلن يمكنه علاجها أو تفادي ضررها. فنقطة الانطلاق في سُبل النجاح والإنجاز تبدأ من معرفة الإنسان بنفسه، ونظرة دقيقة عميقة إلى ذاته تمنحه الإلمام بإيجابياته ومزاياه دون مبالغة تفضي للغرور، وتُعرّفه عيوبه ونقائصه بعيدا عن جلد الذات الذي يَقعد بصاحبه عن العمل.

وكي لا يحيد المرء عن المسار الصحيح، ينبغي أن يطرح للمراجعة والمحاكمة والتدقيق والتقييم كل ما لديه من معتقدات ومسلّمات وموروثات اجتماعية وأفكار ورؤى ومواقف وآراء وعلاقات وأخلاق، فما تأكد من صحته أبقى عليه، وما ثبت له خطؤه نحّاه جانبا واستبدله بما رسخ في يقينه أنه الحق.

وبكل من ميزان القوة والضعف، وميزان الصواب والخطأ، يتكون لدينا ما يُعرف بـ “نقد الذات”، والذات هنا يمكن أن تكون فردا أو مجتمعا أو أمة؛ وهو أصلٌ أصيلٌ للبدايات الصحيحة التي تؤدي لنجاحات متتالية للأفراد، وارتقاء ونهوض للأمم، فبه نعالج الأخطاء ونصححها أولا بأول، ونعي حقيقة ذواتنا بعيوبها وميزاتها، فنتفادى الوقوع في أصناف الفشل والإحباط والغرور، والوصول إلى مشاكل مُركّبة ومعقدة يصعب حلها.

وعليه كان حريّ بنا أن نحرص على تطوير هذه الملَكة لدينا، ولتحقيق ذلك لا بد من قبول النقد من الآخرين والنظر فيه والاستفادة منه مع التغاضي عما يحمله أحيانا من هجوم شخصي؛ كما ينبغي الحرص على مصاحبة الناصح الصدوق الأمين وحثه على إطلاعنا على عيوبنا وميزاتنا؛ وهذه لو تمسك بها الحكام والسلاطين لصلحت بطانتهم ولصلحوا هم لشعوبهم؛ ومما يوطّن المرء على نقد الذات أيضا كثرة التأمل ومراجعة النفس بمصداقية وشفافية، ومواجهتها بحقيقتها دون مبالغة أو انتقاص؛ وكذلك كثرة القراءة، فالقراءة هي مرآة الذات.

ولا تخلو قصة نجاح من “نقد الذات”، فهذا عمر بن الخطاب يحققه بشِقّيه في يوم واحد، فيترك الكفر ويدخل في الإسلام، ثم يستثمر ما له من قوة وهيبة فيطلب من رسول الله أن يجهر المسلمون بدينهم، فكانت تلك لحظة فاصلة في تاريخ الدعوة. وكذلك محمد الفاتح إذ أدرك ما له ولدولته من قدرات وإمكانيات، فمضى حتى فتح القسطنطينية.

وإذا تحدثنا عن نقد الذات لا يمكن أن نغفل قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك؛ أو نغفل المراجعات الشهيرة للجماعة الإسلامية في مصر، ومراجعات فضيلة الشيخ د. سلمان العودة، وكذا هو حال كل تائب عن ذنب اقترفه، منذ آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن “نقد الذات” لا يعني أن تقعد عن العمل إلى أن تبلغ مرتبة الكمال، بل هو السعي لبلوغ الكمال، وهو عملية مستمرة مدى الحياة، فتعمل وتراجع وتقيّم وتصحح المسار. واعلم أنك لن تكون موضوعيا في تناولك للأمور وفي طرحك ما لم تكن موضوعيا مع ذاتك، ولن تكون موضوعيا مع ذاتك ما لم تنقدها بشفافية.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

6 تعليقات

  1. المقال موضوعى ..وينم عن رؤية واضحة لأمور

    شكرا أختى الحبيبة نهى

  2. يوسف معايعه

    المقال رائع شكرا اخت نهى

  3. the easay is describing our situation today.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*