أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / التعصب آفة التفكير الموضوعي

التعصب آفة التفكير الموضوعي

سفر العبيدالله

قد أصنفه على أنه من أكبر معوقات التفكير الموضوعي، بل لا أكون مجحفاً إن قلت أنه آفتها، ألا وهو “التعصب” وقد أعرفه على أنه (حالة من التطرف والإنغلاق “الفكري” المزمن يُوقف بها الإنسان “عقله” بإرادته أو بإرادة غيره، تجعله يقبل بجميع ما يرد إليه ممن يتعصب لأجله وإن كان خطأً، وتمنعه من القبول من غيره وإن كان صواباً، ويسير وفق “عاطفة” مذمومة تبعاً لهواه أو هوى غيره).

وتكمن إشكالية التعصب بأن له أنواعاً وأشكالاً متعددة فمنها: القبلي، والطائفي، والقومي، والعرقي، والمذهبي، والحزبي … وغيرها، وسأركز هنا على “التعصب الديني” عند بعض المذاهب والأحزاب الإسلامية فهو في رأيي أخطر أنواع التعصب ولظهوره وانتشاره في زماننا الحالي، ولأنه يمس أغلى ما يملكه المسلم وهو “الدين”.

ويعتبر “التعصب الديني” نتيجة لعدة معوقات أخرى، كالتبعية المطلقة للمذهب أوالحزب بدون اعتراض أو نقد، والتمسك بالآبائية وأن جميع ما كان عليه الأقدمون هو “الحق الوحيد” ولا يمكن مخالفتهم، وأيضاً ينتج هذا التعصب من اتباع الهوى والانتصار للذات وهذا يخالف قول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ ) حديث حسن صحيح.

ومن الآثار السلبية لهذا التعصب هو تشتت وتفرق وضعف المسلمين وابتعادهم عن التكاتف والإتحاد حتى أصبحوا غثاءً كغثاء السيل. وأيضاً الخلاف بين المسلمين الذي تحول من “اختلاف” في الآراء والأفكار والاجتهاد إلى “خلاف” على أساس طائفي أو مذهبي أو حزبي، فكل مذهب أو حزب يرى أن الحق معه وأنه الفرقة المنصورة الناجية. ونتج من ذلك أيضاً أبتعاد بعض المذاهب والأحزاب عن “الوسطية” فهي إما مغالية متشددة وإما مفرطة، وهذا يخالف المنهج الرباني الذي يقول الله فيه }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ{ “البقرة: 143”.

ولبيان وتوضيح جزءاً من هذا التعصب نجد في بعض العصور الإسلامية القديمة أن الشاب المسلم منذ بلوغه سن التكليف وتلقيه أحكام دينه عليه أن يلتزم أحد “المذاهب الفقهية الأربعة” ويكون مذهبه هو مذهب والده ولا يجوز له أن يخالفه ولا يأخذ من المذاهب الأخرى. ونرى أيضاً في واقعنا المعاصر بعضاً من هذه المظاهر كالخلاف بين بعض الأحزاب مثل ما يحدث بين السلفيين والإخوان في مصر حتى ذُكر أن الحزب السلفي يتهم حزب الإخوان بأنه أخطر على الإسلام من العلمانيين، وأن الإخوان سيضيعون هوية مصر الإسلامية!!

لذا حتى نبتعد عن “التعصب الديني” ونسعى لمعالجته فعلينا أولاً أن نتمسك “بوحدة الأمة الإسلامية” وأن تجمعنا كلمة “مسلم” تطبيقاً حقيقاً لا لفظاً موروثاً فقط، وذلك كما في قوله تعالى }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا{ “آل عمران:103″، وعلينا أيضاً أن نعود إلى المنهج الصحيح وذلك بإتباع قدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام، والحرص على أن يكون الرابط بيننا حقيقة “الإسلام” بنظرته الشمولية الذي يسعنا جميعاً، وأن نقبل ونتقبل الآراء والاجتهادات الأخرى ونوسع دائرة “الاتفاق” ونضيق الخناق قدر المستطاع على دائرة “الخلاف” والتي لا تعدو أن تكون “اجتهادات” بشرية قابلة للصواب والخطأ بحسب الزمان والمكان.

 


Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

8 تعليقات

  1. نهى عاطف الخطيب

    ليتنا نتجاوز هذه الآفة ونصل إلى ما ذكرت في خاتمة مقالك ..
    تحية لهذا الفكر الراقي وهذا القلم المبدع.

  2. موضوع رائع وفكر اروع وياليتنا نراه على ارض الواقع
    تمنياتي لمزيد من الابداع والتميز

  3. سفر العبيدالله

    أختي الكريمة نهى
    شكر الله لك، ونسأل الله أن يعيننا جميعاً للبدء في تحقيق جزء من ذلك، فالأمة تحتاج إلى تنفيذ وتطبيق وليس تنظير فقط كما نفعل نحن حالياً.
    أختي الكريمة وفاء
    بارك الله فيك ولك، سنراه بإذن الله وبتوفيقه قريباً، لكن يحتاج إلى وقت وجهد وتكاتف من الجميع، فأحد أهم أسباب نهضة أمتنا الإسلامية، هو البعد عن الفرقة والخلاف وتضييقها قدر المستطاع، وأن يكون الاختلاف في الأفكار والآراء بناء على الأختلاف في العقول والتفكير وألا يكون خلاف في القلوب والنفوس.
    وفقكن الباري

  4. جميل جدا ان نُذكر و نَسّتذكر ونقراء مثل هذه المواضيع لان التعصب داء يفتك بالمجتمعات ووحدتها
    وشكراً جزيلاً لما كتبته بقلمك من ابداع .

  5. سفر العبيدالله

    أخي الكريم رياض … بارك الله فيك، والتعصب أحد أهم مشاكلنا في العالم الإسلامي المزمنة سواءً كان ديني أو قبلي أو عرقي أو غيرها، نسأل الله أن يبعدنا جميعاً عنه … تحياتي لك

  6. يوسف معايعه

    نعم التعصب مقيت وداء قاتل للفكر ومميت للثقافة…ثم هو جمود لا حركة
    نشكر الكاتب

    • سفر العبيدالله

      شكر الله لك أخي الكريم يوسف … والتعصب يغشي العقل ويعمي البصر والبصيرة أيضاً … تحياتي لك

  7. تكمن إشكالية التعصب بأن له أنواعاً وأشكالاً متعددة فمنها: القبلي، والطائفي، والقومي، والعرقي، والمذهبي،

    اشكر الكاتب…هذه مشكلة الامة الان وعند الله منها المخرج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*