أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / بناء الفكر.. بناءٌ للحضارة

بناء الفكر.. بناءٌ للحضارة

عبدالله أبوغالي

إن الإنسان كائنٌ مكرمٌ منذ بدء خلقه، فضَّله الله وأسجد له ملائكته، وحمَّله أمانته، واستخلفه في أرضه: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” ثم جعل أمة الإسلام خيرها وربط خيريتها بامتثالها لأوامره وقيامها بالأمانة المنوطة بها: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” وقد سخر الله للإنسان الأرض وما حوت والسماء وما طوت: “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً” ونصيب الإنسان من تلك الخيرية والممكنات الكامنة متعلقٌ بوعيه الذاتي الناشىء عن بنائه الفكري.

ولا يخفى على عاقلٍ أن الأمة قد ابتعدت عن النهج الذي جاء به القرآن مخاطباً الإنسانية في أول ما نزل بـ “اقرأ” والتي كانت بمثابة دعوةٍ لإعمال الفكر وتوجيهه للقراءة والفهم، فغدت الأمة مواجهةً لمنحدرٍ فكريٍ وعر حولها من أمة منتجة للعلم والحضارة والنهضة، إلى أمة مستهلكة بالدرجة الأولى، أعملت بها ثقافة الغرب المادية أنيابها نهشاً، وغزتها فكرياً بآلةٍ إعلامية فتاكة، أخرجت الأمة من السباق الحضاري، ومن دورة النهضة إلى دورة الركود والخمول، فلا نصيب لها من الخيرية لابتعادها عن شروطه!

إن المتتبع لمسارات الحضارات والأمم ليرى أن نهضة أمةٍ مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً ببنائها الفكري والذي يمكننا أن نعرفه بأنه عملية تحصيل وتراكم المعرفة لتفرز أخلاقاً وحكمةً وخبرةً ومهارةً في التعامل مع تلك الممكننات، وكأيِّ بناءٍ فالبناء الفكري له أسسٌ ينطلق منها ولبناتٌ تكونه، فأساس البناء الفكري هو تراكمات المعارف والعلوم التي يجمعها الإنسان بعد خروجه إلى هذا العالم بعد أن كانت منظمومته المعرفية صفراً “وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا” ويمكن أن نسمي هذه المرحلة بعملية التجميع; يجمع فيها الإنسان الوحدات المعرفية والخبرات العملية من مختلف الحقول والعلوم ويراكمها لتكون أساساً تستند عليه بنيته الفكرية، وتلك التراكمات مرتبطةٌ بمدى سعيه الحثيث بالقراءة والعلم والفهم.

ولا تتوقف عملية البناء الفكري عند التجميع، لأن الوقوف عندها أو الخلط بينها وبين عملية البناء منزلقٌ خطر”فالمعلومات التي تنتمي إلى حقولٍ معرفيةٍ متباعدة، تتقاطع، وتتصادم، ولكثرتها فإنها تجعل البنية العقلية لدى الشخص العادي عاجزةً عن استخلاص أي شيءٍ كلي”(1) بل تنتقل للمرحلة الأهم وهي عملية البناء، والتي تنظم الجمع وتستثمره وفق منهجيةٍ واضحةٍ للوصول إلى هدفٍ مرجو، فتصبح عملية جمع الأفكار أكثر تنظيماً وانتقاءً، وتأخذ دورة الإضافة والحذف والتنقية والغربلة للأفكار دورها، فعملية البناء الفكري عمليةٌ مستمرةٌ ممتدةٌ بامتداد عمر الإنسان، فبناء الفكر يعلو طابقاً فوق طابق، وكل فكرةٍ تضيف إلى البناء لبنةٍ صغيرة، أو تحل محل لبنةٍ فاسدة حتى تصبح المنظومة الفكرية بناءً متكاملاً أكثر ترتيباً ووضوحاً، وببناء الفكر، تُبنى الأمم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. أ.د. عبدالكريم بكّار. المسلمون بين التحدي والمواجهة – حول التربية والتعليم. بيروت : دار القلم، 2005. صفحة 118.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

5 تعليقات

  1. الاستشهاد جميل جدا، التصاعد في المقال ثم ذكر الآية “وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا” لاستخراج النتيجة كان في غاية الروعة، بما ساهم في إيصال الرسالة

  2. يوسف معايعه

    وصلت الرسالة الى من يعقل

    نشكر الكاتب

  3. المهندس يوسف

    السلام عليكم

    أخي العزيز
    ذكرت في مقالتك ما يلي: “إن المتتبع لمسارات الحضارات والأمم ليرى أن نهضة أمةٍ مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً ببنائها الفكري والذي يمكننا أن نعرفه بأنه عملية تحصيل وتراكم المعرفة لتفرز أخلاقاً وحكمةً وخبرةً ومهارةً في التعامل مع تلك الممكنات”

    الكلام المذكور صحيح بأن النهضة للمجتمع والفرد لا تكون إلا بفكر عن الكون والإنسان والحياة، والفكر الأساسي حتى يحقق النهضة لا بد أن يحل العقدة الكبرى للإنسان عن أصله ومصيره وهدفه الأعلى في الحياة، ثم ينبني على هذا الفكر الأساسي أفكار فرعية تعالج مشاكل الإنسان في الحياة، وإذا كانت القاعدة الفكرية مقنعة للعقل وموافقة للفطرة كانت صحيحة وصالحة للنهضة، وكان لا بد أن ينبثق عنها نظام يعالج جميع شؤون الحياة (أي مبدأ) فيؤدي إلى النهضة الصحيحة.

    لكني من خلال قراءتي لمقالتك أجدك تذكر أن الفكر الناهض يكتسبه الإنسان كما ذكرت “يجمع فيها الإنسان الوحدات المعرفية والخبرات العملية من مختلف الحقول والعلوم ويراكمها لتكون أساساً تستند عليه بنيته الفكرية”

    وهنا اتوقف عند هذه المقولة، واستدرك عليك بالقول بأنك اغفلت إغفالا تاما دور الأنبياء والرسل والشرائع السماوية في الأفكار والعملية الفكرية حيث أن الله تعالى هو الذي علم آدم الأسماء كلها فعلمه اللغة والمعلومات السابقة اللازمة للتفكير، ثم علم الله تعالى باقي الأنبياء وآخرهم محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا العلم علمه الأنبياء للناس فاكتسبه الناس ليس بالخبرة والتجربة فقط -كما يدعي الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي- بل من خلال الرسالات السماوية وتعليم الله للإنسان قال تعالى “الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم”

    وقد لا ألومك في ما ذكرت في مقالتك، وأنك أغفلت دور الإسلام في الفكر والنهضة والحضارة الإسلامية، لأننا ما تعلمنا ذلك بشكل واضح ونقي في مدارسنا والتي تعلمنا العلوم مفصولة عن الدين، بعد دخول العلمانية إلينا من خلال الاستعمار.

    لكن علينا أن ننتبه دائما إلى أن نفكر وننهض بمنطلقات فكرية إسلامية خالصة بعيدا عن تقليد الغرب الكافر وترديد مقولاته حول الفكر والغات والتعليم دون تمحيص.

    كل هذا حتى تكون شخصيتنا الإسلامية متميزة بفكرها وهويتها وحضارتها.

    ولكم تحياتي

    • عبدالله أبوغالي

      وعليكم السلام وفيضٌ من رحمات الله وبركاته،

      سيدي الكريم،

      أشكر لك تعليقك ونقدك وحُسن صياغتك، وأعتذر عن التأخر في الرد، حيث أنني لم أعد لزيارة المقال إلا بعد أن ذكرني بها أحد الأحبة.

      قد يكون لاعتراضك مخرج بأن “الوحدات المعرفية” قد تكون من مختلف حقول العلوم الشرعية، وحين نتحدث عن النهضة فإننا نستقرئ نهضة الأمم بمختلف أديانها ومعتقداتها.

      إن أهمية الشريعة باديةٌ بمقاصدها الكلية التي جاءت لصيانتها، والتمسك بها هو أس أي حراكٍ نهضوي “إسلامي”، وإلا فقدت الأمة “خيريتها”.

      لك خالص التحية وأطيب الدعاء.

  4. مقال رائع يشكر الكاتب عليه … عملية التحصيل والتجميع في البناء الفكري يرافقها الحس النقدي وآلياته المعينة حتى لايجمع الغث والسمين من العلوم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*