أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / من التجميع للبناء

من التجميع للبناء

أسحار النتشة

إنّ وضع النّقاط على الحروف وإعطاء المسميّات مدلولاتها الجليّة يكاد يكون من أهم الطّرائق المؤدية إلى المعرفة الدقيقة والفهم العميق والسلوك السليم، لذا كان حريّا بنا أن نميّز بين مفهوميّ البناء والتجميع ليأخذَ كل منهما مجراه الصحيح في مسار حياتنا.

إنّ المالَ لا يكونُ مالا إلّا إذا تم تداوله وإنفاقه والإفادة منه وكذلك المعرفة، فكم من قارئ نهم، وباحث عن المعرفة أفنى عمره بقراءة شذراتٍ عشوائية من هنا وهناك دون استفادة فعلية منها في واقع السلوك، ودون وصول لهدف محدد أو غاية منها منشودة! وهذا هو التجميع، مراكَمة للمعرفة من كل حقل زهرة ومن كل شجرة بذرة دون زرعها لتثمر أو سقياها لتزهر! وقد قال حكيم لرجل يستكثر من العلم ولا يعمل به : يا هذا، أفنيت عمرك في حمل السلاح فمتى تقاتل؟!

المعرفةُ بحد ذاتها ليست غاية، وليست معلوماتٍ نظرية مجرّدة جافة، وإنما هي وسيلة لابدّ منها لتوصِلَ إلى سلوكٍ عمليّ يحقّقُ أهدافا وغايات، فقيمة المعلومات بتثميرها وتفعيلها على الأرض وليس ذلك منوطا بمقدارها كمّا وإنما كيفا! ومن هنا يمكننا أن نستقيَ تعريفَ البناء الفكري، إذ هو في مجمله تحصيلُ المعرفة بمنهجيةٍ واضحة المعالم تتيح استثمار هذا التراكم وترجمته إلى سلوك عملي يحقق غايات مرجوّة.

وليس البناء كالتجميع، ولابد من الحذر من الخلط بين المفهومين إذ أنّ التجميع في أحسن صوره يؤدي إلى البناء الفكري، فالبناء نتاجٌ لتجميع منهجي يتفاعل مع المحيط لينتج واقعا عمليا، فالبناء إذن أكثر شمولية واتساعا من التجميع. وغياب التجميع المنهجي يُفقد الميزان الذي يقرر الأولويات ويقدّم الأهمّ على المهم، ويُغَيّبُ معايير الأخذ والرد والقبول والرفض فيَحرمُ الإنسان نفسه من خير كثير ظنا منه –لسوء معاييره في الاختيار- أنه شرٌّ وما هو بشرّ! ففي الفكر الأوروبي الحديث-على سبيل المثال- الغثُّ والسمين، لكنه تقرر في عقول بعض المتعصبين منا لغياب المنهجية التي تتبنى الأخذ والرد والتفاعل ولانجرارنا نحو التبعية دون نقد أو تفكير – تقرر في عقولهم أنّ كل ما هو غربي هو وباءٌ منحلٌ يفسد علينا ديننا ومعتقداتنا! أما الميزان الصحيح للحكم على الأمور فيأخذ المعلومات ويتدارسها وينظر إليها نظرة فاحصة ناقدة فيقبل ما استحسن منها ويرد غيره.

ولكن.. من جمال ديننا أن باب التوبة عن الأخطاء مفتوحٌ وباب الرجوع عن الذنب متاح، وكذلك الأفكار، فمن أراد تصحيحَ مساره بعد انغماسه في التجميع فله ذلك، باتّباع منهجية تقوده إلى ترتيب أفكاره وإعادة موازنتها ومحاولة استغلال الموارد الفكرية المتاحة له قدر الإمكان بأفضل الطرق وأحسن الوسائل لتحقيق الكفاءة والفاعلية، والغوص في أفكاره طبقة طبقة لغربلتها و التمحيص عن مصدرها ؛ فلا ينال ذروة الغاياتِ .. إلا عليمٌ بالمقدمات[1]

ولابد كذلك من البحث عن الثغرات وسدّها ، و إرساء منهجية جديدة لجمع المعلومات والتنور بالعلم من مصادره الصحيحة، أي أن استثمار التجميع يكون باختصار “بتقييم الأفكار وتقليم الأشجار و تطوير الأفكار وتنميتها وإعادة النظر فيها وتمريرها بفلترة العقل النقدي، فالعلم ينمو بالحذف والإضافة وكذلك الأفكار”[2].

أما البناء الفكري السليم من أساسه فيبدأ بإنشاء المنهجية السليمة و”عندما نبدأ بالحديث عن المنهجية نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح”[3] ولبنائها لا بد من الإيمان بقيم و مبادئ تكون ركيزة وقاعدة لها -وهي في البناء الإسلامي فهم القرآن والسنة والأصول- ووضع هذه المبادئ كضوابط لكل نشاط ،وتفاعل هذه المبادئ مع الحياة لتفرز عادات وأساليب ثابتة وخطوات مدروسة تأخذ بنا نحو تحقيق غاياتنا التي انبثقت عن مبادئنا[4].

وبعد بناء المنهجية يبدأ التجميع السليم لينتج لنا سلوكا قويما تماما كما يحدث في الحاسب الآلي، فالعمليات فيه تندرج ضمن خطوات ثلاثة: مدخلاتٍ ومعالجة ومخرجات، فالمدخلات هنا هي المعرفة التي تتشكل من المعلومات والتربية والثقافة وغيرها، أما وحدة المعالجة فهي تمرير هذه الحصيلة المعرفية من خلال المنهجية التي تم بناؤها وموازنتها وتحديد مدى توافقها معها فنستثني ما يعارضها ونقبل ما يوافقها، أما المخرجات فهي فكرٌ مبنيٌ على أساس سليم يُترجم إلى سلوك قويم.

وختاما، فإن السير بلا غاية ضياع، والعلم بلا عمل هباء { كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}[5]! والتخطيط السليم سلمٌ للوصول، وكما قيل قديما: إن لم تكن تعرف أين تذهب فكل الطرق تؤدي إلى هناك!


[1] لأحد الشعراء

[2]  د.خالص جلبي

[3] الشيخ بسام جرار

[4] من كتاب نقد العقل المسلم

[5] آية 39 في سورة النور

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. يوسف معايعه

    فلا ينال ذروة الغاياتِ .. إلا عليمٌ بالمقدمات

    مقال رائع ومفيد ويحتاج الى الدقة في القراءة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*