أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مختارات / الإسلام.. ليس تراثًا

الإسلام.. ليس تراثًا

م. محمد صالح البدراني

عندما يحاول الإنسان الحديث عن المستقبل من أجل البحث في رأي ما أو عرض فكرة تجده يذهب إلى الماضي، والبعض يذهب ليفسره بهواه أو ليدعم هواه، والآخر يذهب إليه معتقدًا أنه النموذج المثالي الذي فقدناه. بل ويستحضر إخفاقات أحداث التاريخ وكأنه يبررها، أو ليظل حبيس العيش فيها. وأمامنا المذاهب والنحل وما يقوم به مقلدوها من حسن أو سوء العمل. ولو تفكرنا معا، أننا لا نملك أن نعدل في الماضي والتاريخ وأحداثه ولسنا عنه مسئولون ولا بشيء منه ملزمون، إنما هو لاستخلاص الدروس والعبرة لا للاتباع.

إن من يقدس الماضي معتبرًا أن القرآن وسيرة رسول الله أو سنته هي الماضي فعليه أن يصحح رؤياه؛ لأن القرآن أنزل لإدارة حياة الإنسان في كل زمان، وأجدادنا كانوا مكلفين كما نحن اليوم مكلفون. هم بشرعظمت قيمتهم بعمق فهمهم والتزامهم فكانوا خير عباد ونعم سلف، لكن لا يهدينا المباهاة بصالح ما نرى من عملهم, ولا يقربنا من الله ما ننتقد من أخطائهم، وإنما حبهم بر برسول الله r وتأسي به وتصديق لنبوته. أما هذا فلا يحل لنا مشكلة الواقع المتمثلة في حاضرنا، ولا يعيننا في خلافة الأرض وإعمارها، أولئك أمة فعلت ما اجتهدت به لزمانها وأحسنت تكليفها بما استطاعت، وكان لها حسنها وأخطاءها فلا عصمة لبشر إلا لرسول الله r يهديه بقرآنه ونحن مكلفين كما كانوا هم كذلك. والقرآن كلام الله اليوم وغدا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها، وهو لزماننا بما حوى من كنوز بلاغته, ومغدق من معرفة تبدى، وكلما توسع الإنسان بالعلوم والتجربة ازداد البيان بيانًا؛ فليس لآياته تفسير واحد ثابت جامد وإنما هو كالينبوع دومًا ماءه متجدد، فإن قصرت فاعليته فلأننا المقصرون, وإن جمدت كلماته فلأننا الجامدون.

إن من الخطأ الدارج القول أن نعود للإسلام، بل الصواب أن نستأنف الحياة في المجتمع الإسلامي، لذا فحين يدعى لاعتماد الشريعة الإسلامية فهي دعوة للإسلام في حاضرنا والبحث في مستقبلنا؛ لأنه بيان ( لقوم يتفكرون، لقوم يعقلون، لقوم يتذكرون، لقوم يعلمون، عاملون ….. هدى للمتقين).

إن أبناء الأمة المختلفين اليوم المحكمين للتاريخ وآراء البشر ليسوا إلا كعطشان على حافة نهر لكنه يغترف من أثر اختلط بطين الأرض، ولا ينبغي هذا حتى لأعمى البصر.

لم يملك السابقون من سهولة استحصال المعرفة ودراستها ما من الله علينا به اليوم, وما نحتاجه الإخلاص والثقة، فعلام هذا التقليد الأعمى الذي لا يعبر إلا عن العجز والاستسلام..!، وهو ليس إلا معلم من معالم منظومة تنمية التخلف الواصفة للتخلف المدني والانحدار الحضاري. والأكثر من ذلك الزعم بأننا إلى النهضة سائرون وفي ركبها فاعلون، بيد أننا لا نتفكر ولا ننقي أدوات النهضة. ومن لم يقلد التاريخ راح تائهًا فحار بين تقليد الغرب والشرق، أو جعل من عجزه صراخا في وجه العاملين.. أندعى للتفكر فنقلد..! أندعى للتعقل ونستمرئ الغفلة..! أندعى للتذكر ونترك أنفسنا في سهو..! أندعى للعمل ونترك ذواتنا في سبات..! فلم تعد المذاهب مدارس علم وتفسير بل أضحت عصبيات وباتت أديانا، وكل أمة تستشهد على صحة رأيها وكأنه التنزيل، يعلو صوت العقل فيها هيام الهائمين وتنطق الرويبضة في أمرهم بلا تفكر ولا سند الذكر الحكيم.

إن الله الرحمن دائم الوجود –  U-  دائم الوجود معنا وأحفادنا الى أن تقوم الساعة، لايغفل يومًا عن شأن الكون والأرض إلى أن تقوم الساعة { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ [1] هُوَ فِي شَأْنٍ } “الرحمن/29 ” {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } “الرحمن/30” من كلماته تستمد الحياة, كل الوقت هو موجود لا يترك ولا يفتر ولا يعكف ولا يباشر، القابض على الكون بتمامه لا أجزاءه ولا حياة سوية بغير هذه الكلمات.

نحن نرى اليوم ولا نحتاج لعمق نظر لنرى ما سببته غفلة الأمة وتمزقها واتباعها للأهواء، وكيف انحطت هذه الأمة لينحط الإنسان في هذه الأرض بما حوت، فنراه في علمه عابثا, في صناعته مدمرا, ظلم الإنسان للإنسان تقوده قوى الطغيان، تارك لله, متبع للشيطان. وما يبلغ الإنسان إلا بالإرادة، وما يصل بعلمه للصواب إلا بروحها، وما يحقق معنا من وجوده إلا بإرادة الرحمن. والعقل ليس سلطانا إلا بالإيمان ومعرفة الشريعة وفهم الرسالة، وإلا فالعقل سيبقى خادما للفانية, مبدعا في الزائل, مبتدعا, فما هو الهدف من فانية لندمر الباقية..!

إن لم يتفكر الناس ويأخذون خيارهم عن علم ويقين ومعرفة لغاية الوجود من إرادة الرحمن ويدركوا أن الله مراقب لخياراتنا وإهانتنا لما كرمنا الله من أجله, باستخدامه في الطريق الخاطئ، مقلدين في جاهلية مستأنسين, وكل ذي رأي معجب برأيه، فلن نؤتى إلا الجدل. وسيكون أفضل فعل البشر حينها أن يبدع في هباء منثورا، لن يتجاوز ما علمه الله ,ولن يفلح بما خالف الله فيه، ولا يعذر الجاهل جهله في زمن تأتيك فيه المعلومة بكبسة زر ولا تضطر للانتقال والارتحال إليها، وتلك والله نعمة وحجة لو تفكرنا بيقين.

إن الأمة التي تؤتى الجدل إنما هي بيئة منظومة تنمية التخلف – ومنها واقعنا – فتخلفها المدني وانحدارها الحضاري إنما هو معالم تستشعر لتعالج بجدل عقيم في كرازة مجالس، فإذا ما انفضت نسي، وإذا ما عادت تلك المجالس أعيد تكرارا، وكل معجب برأيه ولا يرى له من تعديل، بل ويسوق له الدليل أثر الدليل؛ ذلك أن الأمة فقدت العمق في النفوس ــ البارز منها ــ وأساءت استخدام العقول ــ معظم الفاعل منها ــ وأضاعت بالنتيجة مهمتها فتبلدت الأحاسيس وضعفت الأمة وسنن الكون لاتجامل الحالمين.

فما حياتنا اليوم إلا وقتا ضائعا إن لم نستيقظ، وما أجسامنا إلا أجسادًا ولكنها تسير وتخترع وتعمل الكثير، ونعلم كل شيء إلا البيان المنير, ذلك النبأ العظيم الذي يعطي للوجود معنا, ومن معينه العقول تستنير.

إن التراث من تاريخ الأمة، وما انتجه البشر في الفكر والمدنية  فيها. أما الاسلام فرسالة الله الخالدة لهذا الإنسان مادامت الأرض،  ودليل  الحياة الصواب عليها.


[1] اليوم هو أصغر وحدة زمنية لإتمام الأرض دورتها حول نفسها وتبدل الأحوال بها ظلام ونور وحر وقر وحياة وسبات، مستمرة فيه بعضها لهذا وبعضها لذاك.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

3 تعليقات

  1. الاسلام منهج…مبادىء…فكر…ثقافة لكل البشر..نبع صافي مورد عذب
    جزيت خيرا با مهندس الكلمات

  2. تسنيم ربيع بدران

    شكرا جزيلا ع هذا المقال ليت الكثير منا يقرا هذا المقال ليعرف انا هذا الجدال الدائر حول الاسلام او من ينتمون اليه جدال فى هباء منثورا وان الله قد وعد هذه الامه ان يمكن ليها دينها برغم انف الحاقدين
    هذا المقال قاعدته ((الاسلام منهج حيـــــــــــاة ))

  3. جزيتما خيرا على التلخيص والاضافة…. لايسعد من يكتب اكثر من قارئ ذكي وتلك حسنة الدنيا لعمل تتوجه به لرضا الله فكم رب العالمين كريم اللهم لايتحرمنا حسنة الآخرة من فضلك وكرمك نعم المولى ونعم النصير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*