أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / المخيّلة.. هي الطرف الثالث

المخيّلة.. هي الطرف الثالث

هبة عبد الجواد

تعمّدت هذه الأيام أن ألتقي بأكثر من تشكيل شبابي, سواء منتمين لكيان أو حزب أو غير منتمين أو ناشطين مستقلين, خرجت بشيء واحد:

  • ربما يجتمع المتصارعون على نفس القيم والمبادئ: الحرية والعدل والكرامة واحترام الرأي الآخر والاستقلال السياسي ومحاربة الاستبداد والفساد, حتى مكان الدين من الحياة أصبح فيه وعي كبير, الأفكار رائعة في الأذهان..
  • لكن.. المشكلة مازالت في المخيلة.

نعم تحركهم مخيلات مختلفة (براديم مختلف), تلك المخيلة التي تشكلت مع مرور الزمن, مع ظروف البيئة وأسلوب النشأة والتربية, وأفكار التوجية الديني, وما بثّه الإعلام والفن, وما قرأه في طيّات كتب الدراسة والصحف والجرائد.

هذه المخيلة هي التي تشكّل الخريطة الإدراكية لكل فرد في المجتمع, وهي في ذات الوقت تشكّل ما وراء الأيدلوجيا المحركة للكيانات والتنظميات.

مجرّد حديث ودود مع أيّ من أبناء الحركة الإسلامية, ستجد أنّه قد تربّى منذ الصغر على مفاهيم كان يقرأها في كتب عن المؤامرة على الإسلام, والغزو الفكري, وتاريخ الماسونية, وبروتوكلات بني صهيون, قرأ عن مؤامرات الآخرين عليه, أكثر مما قرأ عن رؤى مستقبلية وقضايا عصرية من منظور إسلامي.

وجلسة قصيرة مع مواطن بسيط لم ينتمِ إلى أيّ حركة أو تنظيم, ستجد أنّه يتخيل الإسلام في ذهنه أنّه ذاك الإرهابي الذي صوّرته السينما طوال سنوات طويلة, أو أنّه مجرد مجموعة من المظاهر التي تنحصر في عبادات, ويذكر لك مواقف سلبية لأناس متدينين قصّروا في أعمالهم وعلاقاتهم الإنسانية, ويسألك السؤال التقليدي: هل هذا هو الدين؟ ولكنه في النهاية يتأثر بـ”الدين أفيون الشعوب” فإذا خير بين وجهين, يلجأ لاختيار الوجه “المتوضئ المضيء”, على حد قوله.

ثم حوار مطوّل مع شباب يساري أو اشتراكي, ستجد أنّه متأثر بفهمه عن كل من رفع راية الإسلام أنه شخص رجعي جامد لا يفقه في الأمور الحياتية, ويسترجع في ذهنه صورة رجل بعمامة يرتدي عباءة يمتطي حصانًا, يرفع راية مكتوب عليها لا إله إلا الله, وبالتالي يتصور أن هؤلاء ليس لهم أن يقودوا الحياة السياسية وأنّ مكانهم في المسجد فقط.

وإن تناقشت مع شباب مستقل وجيل ما بعد الثورات, تجد لديهم وعي حقيقي, وحرص على نقد كل ما هو جديد, وعدم التسليم بأيّ رأي أيًا كان, الجميع لديهم هذه السمة, لكن في مخيلتهم متأثرون بأخطاء الماضي.. يخشون من المركزية أيًّا كانت, وفي أي مكان, وفي أي زمان, ويرفضونها بشكل مطلق، ويعتبرونها كفرًا بالحرية, فتمثل لهم فوبيا تمنعهم من الاستجابة للوهلة الأولى لأيّ شكل من أشكالها, فيتعامل مع أستاذه في الجامعة والرموز بشكل من السخرية وعدم الاحترام, لأنه في مخيلته أنّ كل من كان في موقع فوقه فهو مستبد وظالم وديكتاتور, وعلى الرغم من أنّ هذا الجيل يرفض التعميم ويدرك تمامًا أنه ليس كل رئيس ديكتاتور, وليس كل حزب أغلبية فاسد, وليس كل إسلامي متخلف, وليس كل علماني ملحد, لكنه في النهاية متأثّر بمخيلة داخل عقله مازالت مؤثرة على قراراته وشعوره.

مجرد نظرة على الأحداث الأخيرة ستجد أن “المخيلة” هي التي تحرّك الأحداث, لماذا لا نسأل أسئلة مثل:

  • كيف يرانا الآخرون, كي نتخيل كيف يتصرفون معنا؟
  • كيف يرى المنتمي للحركات الإسلامية الشاب الثوري اليساري؟
  • كيف يرى الاشتراكيون الإسلاميون في مخيلتهم وكيف يفهمون مواقفهم؟
  • كيف يفهم أبناء فتح تصرفات أبناء حركة حماس؟
  • كيف يتخيل المواطن المصري البسيط حركة الإخوان المسلمين وما يسعون إليه؟

 ثم بشكل أكثر وضوحًا وكمثال, عندما تسمع خبرًا عن “حرق مقر أحد الأحزاب”:

  • ما هو أول تفسير يتبادر إلى ذهنك؟
  • ولماذا هذا الطرف بالذات؟
  • وهل المؤامرة هي التي قفزت إلى مخيلتك؟ أم أنه ربما تكون نتيجة وردود أفعال ناتجة من الطرف الآخر نتيجة مخيلته هو أيضًا؟

 ماهو تفسيرك لخروج الإخوان تأييدًا للرئيس, هل لأنهم كما تراهم في مخيلتك مجرد كتل بشرية تسمع وتطيع أم أنهم مواطنون من حقهم التعبير أيضًا مثلك؟

يقول ستيفن كوفي: دع الآخرين يفهمونك.. هذه لن تحدث إلا إذا فهمت كيف يراك الآخرون, وبالتالي سيكون تصرفك واضحًا جليًّا أمامهم لا يُساء فهمه, ولن تقع في ردود أفعال تزيد الأمر سوءًا.

وبهدوء شديد, اخرج من المشهد تمامًا, ستتعجب:

لأنك ستجد أنّ أغلب سكّان المنطقة العربية يتحدّثون بنفس المصطلحات وبنفس المفاهيم, نريد الحرية, نستنكر الظلم, نند بالاحتلال.. وبقليل من التحليل, ستجد أنّ الإشكالية في فقدان الاتصال لاختلاف المخيلات, فأصبحت اللغة مختلفة على الرغم من أنّ الجميع يقفون على أرضية واحدة من المبادئ والقيم.

نحتاج أن نعيد النظر في خريطتنا الإدراكية:

كيف نرى كل شيء في الحياة, وما هي صورته الذهنية لدينا؟ كي ندرك كيف تتأثر قراراتنا وعلاقاتنا وتصوراتنا عن الآخرين من مخيلة ربما تأثرت سلبًا بالماضي أو تأثرت سلبًا بتجارب انتهت ولم يعد لها أثر, لكنها أبقت صور في خيالك هي في الواقع الطرف الثالث الذي يحركك ويحرك الجميع من حولك.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

2 تعليقان

  1. حقيقة دراسة لطيفة ومختصرة وواضحة…بارك الله فيك

    الانطباعات التي تستقر بعيدا عن الاعقال، عصر الجاهلية الطويل ونظرته الى الظلم الذي يختصر بجملة( نحن نحب الظلم ونحب ان نظلم ولكن نكره الظلم حين يقع علينا) جعل الهدف استحصال المكاسب حقا ام باطلا تحت عنوان ( حقوقي ) ضعف التفريق بين الحرية والفوضى….وليس آخرا عصا موسى التي لايملكها احد ونتصور ان التغيير يعني طفرة وقفز على ما تراكم من الماضي ولو اجتمع الناس وفكروا وتعاونوا على ايجاد الحلول وتفهم بعضهم ــ كما في بحثك هذا ـ لكان التوفيق رفيق شكرا لك

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك أختي هبة، لقد كتبت تماما ما كنت أفكر فيه. فأحداث الحياة اليوميةالتي يعيشها كل من يحيطون بي (أهلي ، أهل زوجي ، الأقارب..) جعلتني ألاحظ مدى فقداننا للإتصال، رغم أن الجميع يريدون الأمور ذاتها إلا أن كل واحد منهم يفسرها لنفسه بلغة وفيما يخص الآخرين يستعمل لغات أخرى مختلفة تماما. وقد وجدت في مقالك الجواب على السؤال “لماذا فقدنا الإتصال بيننا؟” إنها إذن المخيلة، فعلى كل واحد منا أن يفكر كيف يراه الآخرون لتكون تصرفاته واضحة أمامهم تنقل ما يريده هو لكن بالطريقة التي سيفهم بها الآخرون تماما ما أراده وليس أي شيء آخر (وكأنها ترجمة).
    فالشائع إذن بين الناس أنهم يقولون ما يريدون بالطريقة التي يريدون دون مراعاة طريقة فهم الآخر لهم.
    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وصل اللهم وسلم وزد وبارك على معلم البشرية نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*