أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / مفاهيم ومصطلحات / الاحتساب كمفهوم تنموي

الاحتساب كمفهوم تنموي

غازي كشميم

الاحتسابيشهد مفهوم الاحتساب ضمورًا في الأبجديات الإسلامية الراهنة نظرًا لعوامل كثيرة وأسباب عديدة لعل من أهمها: ضمور الفاعلية الذاتية الناتج عن غياب الرؤية الحياتية للفرد والمشروع النهضوي للأمة، إلى جانب تغول دور السلطة السياسية في الحياة العامة الأمر الذي جعل ممارسة الاحتساب لدى كثير من الناس مناطة بسلطة رسمية، أو دينية. ومع تكدس السلبية المجتمعية انتشرت بعض المفاهيم التي هي في حقيقتها تعبير عن حالة الانسحاب من الأدوار الفاعلة تتستر خلف بعض المفاهيم أو التفسيرات الدينية؛ وفي هذا السياق يظن الكثيرون أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام المشهور: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” هو مقسم على فئات المجتمع بالتوالي: الأمراء وأولوا الأمر للتغيير باليد، ثم العلماء والدعاة للتغيير باللسان، ثم عامة المسلمين للتغير بالقلب، مع تداخل أحيانًا بين التغيير باللسان وبالقلب بين العلماء والدعاة وعامة الناس. والحقيقة كما يقرر د.أحمد الريسوني في كتابه (الأمة هي الأصل) أن التغيير باليد لا يقتصر على أولي الأمر، وإنما شاع هذا المفهوم عند كثير من الناس لارتباط التغيير يديويًا بالعنف، وهذا الاقتصار ليس صحيحًا لأنه لم يدل عليه هذا الحديث، بل الحديث دل على مطلق فعل التغيير بالعموم الذي يأتي من ضمن معانيه: التغيير قولًا وعملًا، والتغيير قليلًا أو كثيرًا، والتغيير من أسوأ إلى سيء، كما أن مقتضى الدعوة إلى التغيير تطلب فعلًا وهذا الفعل ليس بالضرورة أن يكون عنيفًا أو متطرفًا؛ وعليه فإن الدعوة للتغيير باليد ثم باللسان ثم بالقلب هي دعوة لكل الناس باختلاف طبقاتهم ودرجاتهم بحسب هممهم، وربما بحسب ما يقتضيه المنكر والبيئة المحيطة به. فإذا ما تبين هذا المفهوم فإن الدعوة من –ناحية المبدأ- قائمة لكل أفراد الأمة لتغيير المنكر في المجتمع بحسب ضوابط المصلحة والمفسدة، مما يحرك الفاعلية في الأمة، ويزرع فيها الحيوية والتجدد والنشاط غير راكنة إلى فئة من الناس تقتصر عليها شعيرة الحسبة.

إذا ما أخذنا هذا المفهوم إلى جانب مفهوم آخر وهو “مفهوم الأولويات” في الواجبات المأمور بها أو المنكرات المنهي عنها. هذه الأولويات التي لا تحددها أمزجة الأشخاص واهتماماتهم بقدر ما يحددها احتياجات المجتمع وما يعانيه من خلل أو نقص؛ لذلك رأينا أن من صور الاحتساب التي شهدها التاريخ الإسلامي الاحتساب على البنائين والحرفيين ومدى التزامهم بأعمالهم ومنع غشهم للناس، إضافة إلى نظافة الأسواق والمساجد ورعاية الصحة والرفق بالحيوان. وفي كل الأطوار كان مفهوم الحسبة وعملها يتطور ويتوسع بقدر ما تتسع وتتطور حياة الناس مما يثبت ما يؤديه مفهوم الحسبة وممارستها من تطوير للحياة العامة للمسلمين وتنقيتها من شوائب التحضر والتمدن الأمر الذي يحتم علينا مراجعة سلم الأولويات في مجتمعاتنا للتبصر بجوانب الخلل والنقص التي أقعدت الأمة في وقتها الحاضر عن الانطلاقة الحضارية والمسيرة التنموية التي تجعلها تنافس الأمم الأخرى.

المفهوم الواسع للمنكر والمعروف

إن الفهم الأوسع لطبيعة الدين ودوره المحفز لإعمار الدنيا وتحقيق منافع الناس ودفع الضرر عنهم، إضافة إلى تحقيق مقاصد العبادات ونشر فضائل الأخلاق يوسع من مجالات عمل الحسبة ويستنهض طاقات الأمة لمعالجة كافة قضايا حياتها ومستجدات عصرها؛ بذلك لا يكون مستغربًا أن من أول وأشهر صور الاحتساب في التاريخ الإسلامي الاحتساب في الأسواق التجارية ومراقبة البضائع الاستهلاكية كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام حين عين سعيد بن سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح، وكذلك عمر بن الخطاب مع الشفاء حين ولاها مراقبة السوق والاحتساب فيه، وهذا يشبه إلى حد كبير ما أصبح يناط اليوم بجمعيات حماية المستهلك. كذلك هو مفهوم المعروف إذ يتعدى إلى كل ما فيه صلاح الأمة ونفع البلاد والعباد ابتداءًا بالأمور التعبدية ومرورًا بقضايا المعاملات والأخلاق وتنمية الحس المعرفي والعلمي وليس انتهاءًا بقضايا التقنية والتكنولوجيا التي أصبحت تشكل صناعتها العمود الفقري لنهضة الأمم ورقيها. والحال كذلك ينطبق على مفهوم المنكر الواسع الذي لا يقف عند حد منكرات الأخلاق وارتكاب المنهيات بل يتعداه إلى منكرات الاقتصاد والسياسة وأخلاق المجتمع ومعالجة الاختلالات الفكرية وأنماط السلوك المجتمعية الخاطئة.

وفي النمط الحديث من الدولة المعاصرة يتطلب ذلك عمل أطر تنظيمية وتشريعات وقوانين للتنظيم لا للتقييد والاحتكار من قبل الدولة أو أي هيئات رسمية أو غير رسمية، وتحفيز الناس على ممارسة شعيرة الاحتساب وحرية إنشاء مجاميع أو مراكز تساهم في سد الثغرات الموجودة في المجتمع أو للنهوض به من خلال أفكار إبداعية خلاقة مما يمكن أن يؤطر ضمن “مؤسسات المجتمع المدني”. كما يمكن أن يشجع أصحاب رؤوس الأموال على الاحتساب بإنشاء جمعيات أو مراكز لرعاية شؤون الحياة المختلفة مقابل تسهيلات يحصلون عليها من الدولة.

بهذه المفاهيم يمكن أن ينطلق المجتمع إلى آفاق أكثر رحابة وتطور لتكييف المفاهيم الإسلامية ضمن مشاريع تنموية ونهضوية حقيقية تجعل المسلم في فاعلية دائمة وتحفز مستمر.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. يمكن أن ينطلق المجتمع إلى آفاق أكثر رحابة وتطور لتكييف المفاهيم الإسلامية ضمن مشاريع تنموية ونهضوية حقيقية تجعل المسلم في فاعلية دائمة وتحفز مستمر.

    شكرا للكاتب غازي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*