أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / علاقة حالة الحضور بفلسفة الزمن البطيء

علاقة حالة الحضور بفلسفة الزمن البطيء

علي بو حامد

الزمنيعيش الناس حياتهم باحثين عن السعادة ومنقبين عن أسرارها ومكامنها، منهم من يراها في المال ومنهم من يراها في الأولاد ومنهم من يراها في الزوجة أو المرأة بشكل عام.. ولكن المتأمل أو المتبصر الحقيقي لا يرى السعادة إلا في “الإيمان” ذلك الإيمان الحقيقي لا الإيمان النمطي الجمعي الذي تُرِي منه ما يريد الناس منك أن تريه..إنما هو ذلك الإيمان التجريبي.. الذي يرى في خير أعطي له سعادة وفي شر حدث له سعادة أيضا، إنه الرضى بالقضاء والقدر والقناعة المطلقة في تخطيط الله و تصريفه..يقول الحديث الشريف: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).

وليعيش المؤمن لحظات السعادة عليه أن يمر بجسر عميق المعاني سامق الروحانية يسمى “جسر الحضور”، ونذكر هنا مثالا عن حالة الحضور  بالخشوع في الصلاة، والخشوع هو الترجمة العملية لمفهوم الحضور عندما يتعلق الأمر بالصلاة والعلاقة مع الخالق، فكلنا مرّت عليه صلوات شعر بها لحظة لحظة وعاشها بخشوع كامل واقتراب شديد..ومرت علينا صلوات أخرى لم نتذكر منها إلا تكبيرة الإحرام والسلام؛ وهذه الأخيرة حالة يعيشها الكثير منا في الغالب –للأسف-؛ حيث أصبحت صلواتنا مجرد حركات طقسية أو رياضية خاوية، مفرغة من جوِّها الروحاني التعبدي الحضوري؛ الذي يتواصل فيه العبد مع ربه ويستشعر فيها فعلا بنفخة الروح فيه، مزيلا كل أحمال وأدران الدنيا؛ مبتعدا عن كل تفكير دنيوي أو لذة زائلة..

كيف نعيش حالة الحضور؟

ضربنا مثالا في بداية حديثنا بالصلاة ، لذلك سنتكلم ابتداء عن كيف نعيش حالة الخشوع في الصلاة ثم نتطرق إلى حالة الحضور العامة وكيفية الاستمتاع بها في كافة مناحي الحياة وربطها بمفاهيم التأمل، السعادة، الاستمتاع والجمال.

1-      استحضار الخشوع في الصلاة:

مشكلة المشاكل في غياب الخشوع في صلواتنا هي “السرعة”، التي طغت على حياتنا بالكلية لدرجة تسمية عصرنا الحالي بعصر السرعة، نعم هو عصر السرعة الذي أفادنا ويفيدنا في تطوير عالمنا وتسخير الطبيعة ومكوناتها لخدمة الإنسان، ولكن ماديا فقط، أما روحانيا فقد عملت هاته السرعة على تعطيل مفاهيم الاستشعار بفعل الأشياء لدينا.. ومنها الصلاة فتجدك تؤدي صلاة رباعية مثلا في دقيقتين تتلو فيها السور بسرعة البرق حتى تكاد تقفز على آيات معينة، وتركع وتسجد كأن شيئا ما يطاردك ..ما إن تكاد تكبّر حتى تجدك في التشهد الأخير لتسلّم!!

ولتجد وتستشعر وتستمتع بالخشوع في الصلاة عليك أن تنسى حال وقوفك بين يدي الله كل أعمالك الدنيوية وكل مشاكلك وهمومك وتركز فقط في صلاتك، لا تجعل زمنا محددا لإنهاء الصلاة ..حاول أن تلغي الزمان -وإن استطعت- ألغ المكان واستمتع بتكبيرة الإحرام وأنت تقبل على الله ..وأنت تقرأ الفاتحة وتخاطب رب الأرباب وهو يرد عليك ..استشعر ذلك عش واستمتع بالزمن البطيء فقضاء الوقت مع الله يمر بسرعة فائقة إن أنت استشعرت حقيقة الحضور ..فلا تشعر أبدا بطول الوقت فهذا أحد السلف يقول عن “ابن الزبير”: ركع ابن الزبير  يوما فقرأتُ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وما رفع رأسه.. إنها الطمأنينة وحضور القلب وخضوع الجوارح وخشوع النفس والروح مع الصلاة..يقول الله تعالى عن الصلاة : “وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين”. إذا أردت حقيقة أن تعيش الخشوع في صلاتك حاول أن لا تسلّم مهمة الصلاة لعقلك الباطن وركز جيدا على كل حركة أو كلمة تقولها ..إن الأمر يبدو صعبا، وهو كذلك في البداية لكن اصبر وحاول مرات ومرات وستفلح في ذلك في الركعة الأولى فقط ..ثم في ركعتين ثم في ثلاث ثم في كل الصلاة ..

لا تترك الآلة تتغلب على الإنسان فيك، لا تترك العقل اللاواعي يسرق منك صلاتك إنه عدو التركيز والمتعة والخشوع ..

2-      حالة الحضور  في حياتنا:

يشتكي الكثير من الناس غياب مفاهيم استشعار الجمال وقدرة التأمل وحتى فقدان الرغبة في الحياة، وهي كلها حالات مختلفة الخطورة لغياب حالة الحضور لديهم، هذا الغياب سببه مشكلتان:

“التعود – والزمن”

  • مشكل التعود: التعود لا يعتبر مشكلة مطلقة فهو مفيد في أحايين كثيرة؛ وهو وسيلتنا للتكيف مع البيئة والمكان وحتى الأشخاص؛ ولكن إن جاوز التكيف مستواه الإيجابي المعدِّل للسلوك البشري في نطاق التقبل والمسالمة تحول إلى مشكلة عويصة تعكر علينا صفو حياتنا لتحولها إلى روتين ممل تغيب فيه الرغبة في الأمل والسعادة والمتعة واستشعار الجمال..والخروج من هذه المشكلة لا يتم إلا بمعاودة اكتشاف المتعود عليه سواء كان شخصا أو مكانا أو شيئا.
  • مشكل الزمن: دائما أقول أن الزمن في حد ذاته ليس مشكلة وإنما عيشه وقضاؤه قد يخلق تلك المشكلة..ونقصد هنا السرعة في قضاء الأشياء والكلام مع الأشخاص وتأمل الأفكار والطبيعة والأماكن..هنا المشكلة..فعندما لا تعطي الشخص حقه في التركيز والتعاطي معه ، ولا تمنح نفسك وقتا كافيا لتأمل الطبيعة وجمالها فأنت تخلق مقاومة للزمن تعكر عليك حالة الحضور التي يجب أن تعيشها لتحظى بالمتعة والسعادة والشعور بالجمال. والحل يكمن في التركيز الواعي الكلي الحضوري مع كل شيئ أو كل شخص تريد أن تعيش معه حالة المتعة الدائمة والسعادة المستمرة.

إذا علمت أن جميع المستنيرين والمستبصرين من علماء ومفكرين إنما أصبحوا كذلك لأنهم استطاعوا الوصول للاستمتاع بالزمن البطيء الذي يرادفه فلسفيا الزمن السريع ولكن رياضيا يناقضه.. فإنما رادفه حين امتزج وتراكب الزمن البطيء بمفهوم الحضور،  وناقضه عندما تنافر وغاب مفهوم الحضور عن الزمن البطيء.

إنه إذا كنت تجلس مع شخص تحبه ترى الوقت ينقضي بسرعة كبيرة جدا رغم قضائك وقتا معتبرا معه فتستشعر الساعة دقيقة فقط وربما أقل، إنه بالفعل معنى استشعار الزمن البطيء، يقول “ايكارت تول” “إذا قاومت الزمن شعرت به وإن تسالمت معه ونسيته تلاشى عندك    مفهومه “.. وهو ما يؤكده الدكتور صلاح الراشد عندما يتكلم عن سر المتعة والحضور بتأكيده قاعدة ” هنا والآن”..

وحتى نصل خلاصة الموضوع نقول بما أنك إن تركت وقتك للعقل اللاواعي انتهى بسرعة لتدخل الفعل الآلي والتلقائي للاوعي، وإن أنت أبقيته وحجزته في العقل الواعي انتهى بسرعة مع ميزة المتعة والحضور الإضافيتين؛ فلماذا تختار السرعة اللاواعية مجردة دون متعة وهي بغيتك في الأساس.. فقط ابذل مزيدا من الجهد لتصل حالة الحضور الحقيقي ويتحقق عندك مفهوم الاستمتاع بالزمن البطيء المتلاشي في الأساس..

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. إذا علمت أن جميع المستنيرين والمستبصرين من علماء ومفكرين إنما أصبحوا كذلك لأنهم استطاعوا الوصول للاستمتاع بالزمن البطيء الذي يرادفه فلسفيا الزمن السريع ولكن رياضيا يناقضه..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*