أخبار مشروع مجتمعنا

الأصولية من جديد

هبة عبد الجواد

الأصوليةما يحدث في وطننا العربي – وفي مصر تحديدًا – يجعلنا نعود بذاكرتنا إلى الوراء سنوات قليلة، ونتذكر فيها تلك الجولات والصولات التي حاول فيها بعض المفكرين والمثقفين تفكيك بعض المفاهيم التي بُنيت على أسس ضعيفة وأتت كردة فعل.

ولكنهم فشلوا في توجيه وترشيد استخدام هذه المفاهيم في موضعها الصحيح، وخاصة أنها أخذت مكانها في الإعلام وعلى لسان من أطلق عليهم حينها الدعاة الجدد.

من تلك المفاهيم وما حملته من دلالات : حوار الحضارات، حوار الأديان، الوسطية، سماحة الإسلام، لم تكن تلك المعاني أو المفاهيم في حد ذاتها خاطئة ولكنها انطلقت من مقدمات وصعتنا في سلة ضعيفة واهية لأسباب كثيرة ، فقد بنيت تلك المفاهيم في مرحلة المسلم فيها ضعيف متهم بالجهل.

مفاهيم أتت ممن يظن دائمًا أنه في موضع اتهام فصرف جل وقته في الدفاع والهجوم  والرد على الإساءات له ولدينه.

مفاهيم أتت من خارطة إدراكية مستعارة ممن وضع معايير التقدم وأصبح يهاجم الإسلام بالتخلف وبالعنف وبأنه دين يهتم بالشكليات دون التطبيق المدني وبما يحقق حياة كريمة للإنسان في ظل شريعة واضحة لا تحتاج أن تصفها ليل نهار بأنها الشريعة السمحة وأن تؤلف المسلسلات والأفلام والبرامج كي تقنع الجمهور أن ديننا دين الرحمة والتسامح وليس دين العنف والإرهاب واللحية والنقاب.

مفاهيم صُنعت كي تحصر الإسلام في تهم كالإرهاب والتخلف والجهل؛ فهرع الدعاة والمثقفين إلى البحث عن طرق للدفاع عن هذه التهم والدخول في معارك مفروضة علينا.

مفاهيم وضعتنا جميعاً تحت المجهر وكأن جل الإسلام قد انحصر في آداء سئ لشيخ متهور أو سلوك فاسد لرمز محسوب على الإسلام فجعلتنا نحشد طاقتنا الفكرية  سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى الفعل في هذه المساحة.

مفاهيم لم يكن لها دور إيجابي في التواصل مع الآخر بحجم ما حظيت به من اهتمام في الإعلام والبرامج الدينية ، حتى أن معنى  (الآخر) ساهم بشكل كبير في عملية الخلط هذه.

هذه الكلمة التي كنت تحشرها في أي حديث يتعلق بمن لا يتفق معك، فمرة يكون الآخر مختلف معك في الدين، ومرة يكون مختلف معك في الأفكار، ومرة يكون مختلف معك سياسيًا، ومرة يكون مختلف معك ثقافيًا أي من بيئة اجتماعية مختلفة.

فاختلط عليك الأمر، واختلطت عليك معاني الانفتاح والولاء والبراء والتعايش والتواصل والتكفير والمهادنة والتسليم والهيمنة، ومع السيولة في تبادل الأفكار في الإعلام الجديد بات من السهولة تناول هذه المعاني بشكل غير دقيق على مسطرة تبدأ من التماهي بأقصى درجاته إلى الانغلاق بأقصى درجاته.

إن هذه المرحلة التي نعيشها الآن كنتيجة لهذا الخلط في المفاهيم تشهد على أهمية الدور المنوط بمفكري الأمة أن يقوموا به وهي العودة  إلى الأصولية بلا مصطلحات دخيلة وبلا تقسيمات دخيلة وبلا مفاهيم لها تبعات من الماضي سواء أكانت هذه التبعات بسبب ممارسات خاطئة أو بسبب تناولها في ظروف سيئة.

الأصولية التي تهتم بخطاب ديني يُبنى من الداخل إلى الخارج وليس من الخارج إلى الداخل ، خطاب ديني هو تجلي طبيعي لفكر إسلامي رشيد لا يقع بين براثن التماهي ولا الانغلاق ولا بين ثنائية الوسطية والتطرف .. فكر إسلامي منابعه من الفهم الراشد لنصوص القرآن والسنة.

إن هذه الأزمة فرصة كبيرة لأن نعود إلى أصول المعاني التي حُفرت بكلام الله للعالمين في كتابه وسنة الحبيب المصطفى بدون تفسيرات البشر المتراكمة وبدون الغرق في مخرجات الأزمات المتعاقبة على الأمة.

ولتكن المرة الأولى في العصر الحديث الذي نبني فيه خارطتنا الإداركية دون التأثر بمعارك مفروضة علينا ، ولنخرج من دائرة الدفاع المستميت إلى دائرة الدفع بما نريد إلى حيث نريد وكيفيما نريد .. إنه مجرد حلم طريقه طويل ووعر ولكنه مهمة من وضع على عاتقه الإجابة على سؤال : وماذا بعد؟

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. الحقيقة ان الخلط وسلبياته نتيجة الخطأ في تصنيف وموضع تلك المصطلحات… فهنالك خلط ما بين ما هو حضاري وما هو مدني، بل اننا لا نتحدث عن الحضارة التي هي هويتنا ونصنف الحضارة باسم المدنية والمدنية عالمية اما الحضارة فهوية، لو ميزنا هذا سندرك حتما اننا لا نحمل للعالم رسالة منافسة بل رسالة توازن وضبط لمخرجات المدنية التي هي عالمية انسانية لكنها لا تنتج ولا تتبع اساس فكري حقيقة الامر، لهذا نرى الفوضى في العالم/ الاسلام يقدم هذا النظام الفكري الممسيطر على توازن المخرجات ومن الخطأ وضعه كتحديات للغرب او الشرق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*