أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / النمو غير الطبيعي لعضلات العقل‎

النمو غير الطبيعي لعضلات العقل‎

gear-brainالسعيد معطوب

يكثر في أيامنا هذه إقبال الشباب على النوادي والقاعات الرياضية بمختلف أنواعها، وما يشد الانتباه هنا هو الإقبال غير المسبوق لشبابنا وبمختلف الأعمار والمستويات العلمية والاهتمامات على قاعات كمال الأجسام، والملاحظ على هذه القاعات أن من يقصدها صنفين أو نوعين من الشباب يتفقان من حيث المكان المقصود، ويختلفان من حيث الأهداف و وسائل وآليات تحقيق أهدافهم:

الصنف الأول:

وهو ذلك الصنف الذي له من الرياضة نصيب، أو قل: أن هذا الصنف يجمع محترفي الألعاب الرياضية باختلاف أنواعها، و هدفهم من ارتياد قاعة كمال الأجسام ليس فتل العضلات والتباهي بها أمام الآخرين، بل هدفهم هو إكمال نصيب من التمرينات الفيزيزلوجية التي تساعدهم على امتلاك بنية قوية تكنهم من التفوق عل منافسيهم في ما يجتازونه من مسابقات ويشاركون فيه من مباريات.

ونلاحظ على هذا الصنف اعتماده المرحلية الدقيقة في بناء العضلات و تنميتها، من خلال اعتمادهم على برنامج غذائي مضبوط وصارم، يعتمدون فيه على كل ما هو طبيعي، وهذا ما يجعل عضلاتهم تنمو بطريقة طبيعية وصحيحة، فتصبح بذلك بنبة الواحد منهم قوية ولمدة طويلة، بل قد يستمر معه ذلك طول عمره.

الصنف الثاني:

يجمع هذا الصنف بين جنباته محترفي الشغب وغيرهم من الشباب الذين لا علاقة لهم بالرياضة لا من بعيد ولا من قريب، ويهدف هؤلاء من خلال ارتيادهم لقاعات كمال الأجسام إلى فتل عضلاتهم وجعلها أكثر حجما وقوة، وامتلاك بنية حديدية كما يدعون، من أجل التفاخر بها على غيرهم من أصحاب الأجسام الهزيلة و الرفيعة.

ونلاحظ على هذا الصنف اعتمادهم على كل ما هو ليس طبيعي (مواد كيميائية هي غيرة صحية في كثير من الأحيان)، من أجل تحقيق هدفهم في أقصى سرعة وبأسرع وأنجع الوسائل، وهذا ما يجعلهم يمتلكون أجساما ضخمة ذات عضلات مفتولة في وقت وجيز جدًا،إلا وأنه و يا لأسف هؤلاء أن ما ظنوه قوة يذهب هباءً منثورًا عند أول شهر يتوقفون فيه على أخذ مواد الخدع والتغرير.

إن المفارقة العجيبة ليس ماكتبت فليس هذا بيت القصيد، فالمفارقة أنه مثل ما وجدنا في المقبلين على قاعة كمال الأجسام صنفين مختلفين، فإن المقبلين على قاعات كمال العقول (إن صح التعبير) صنفين أيضًا، الصنف الأول: فيها يشبه تماما الصنف الأول الذي سبق لنا التفصيل في أهدافه وخصائصه، والصنف الثاني: أيضًا يشبه تمامًا الصنف الثاني فيما سبق لنا التفصيل فيه أيضًا، ولمزيد من التوضيح يمكن القول أن:

الصنف الأول: وهو صنف أقبل على تعلم العلوم والتفقه فيها ومعرفة خفاياها، إيمانا منه أن العلم أساس الفهم والفهم أساس الإيمان، وأن العلم عبادة يتقرب به إلى بارئه وتزداد بها معرفة له، فهو يتقلب بين صفحات الكتب وأيدي الشيوخ كمن يتقلب بين صيام وقيام ونهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وهدف هذا الصنف ليس اكتساب العلوم أو ملئ العقول وفقط، بل هدفهم من ذلك خدمة دينهم ودنياهم، بنقل ما اكتسبوا و ما وصلوا إليه من اجتهادات إلى من هو في أول طريق العلم والتعلم.

ونلاحظ على هذا الصنف المرحلية الدقيقة والتنظيم المحكم في أخذ العلوم والمعارف، باعتمادهم على جمع من الشيوخ وأصحاب العلم والفكر، الذين يأخذون منهم زبدة ما وصلوا إليه من علم وفكر وفق منهجية علمية وفكرية دقيقة وعميقة، واعتمادهم أيضًا على منهج دقيق في القراءة والمطالعة، وهذا ما يجعل عضلات عقولهم تنمو نموًا طبيعيًا مما يمكنهم هم الآخرون وبعد أن تأخد منهم التجربة وكثرة الاطلاع والبحث حظها أن يصبحوا علماء أجلاء أو مفكرين نبهاء في مجالاتهم المعرفية والفكرية.

الصنف الثاني: ويجمع هذا الصنف جموع من الناس اعتقدوا أن العلم أو الفكر ما هو إلا تحصيل شيء زهيد من بعض العلوم والمعارف التي ستفتح لصاحبها حسب اعتقادهم آفاقا فكرية وعلمية تمكنه من مجارات غيره، كأن يقبل أحدهم مثلا على دراسة شيء من المنطق اليوناني أو الاطلاع على بعض أفكار وأقوال فلاسفة العالمين الغربي والإسلامي، فيعتقد أنه بذلك أصبح عالمًا جليلاً أو مفكرًا نابغًا أو فيلسوفًا لا يجاريه أحد.

HIve_Mind-copyوالملاحظ على هؤلاء أنهم يقبلون على العلوم و المعارف ولا هدف لهم سوى التفاخر على من لم يسعفه حظه في الوقوف والاطلاع على ما وقف واطلع عليه، فهم يعتمدون في ذلك على بعض المدارس الفكرية التي تعتمد على مد عضلات العقل مواد علمية وفكرية تجعله يتضخم ويتضاعف حجمه في فترة وجيزة جدا، من خلال اعتمادهم على منهج فكري أساسه التسطيح والتبسيط، ومن خلال إقبالهم أيضا على مطالعة بعض الكتب ذات المستويات الفكرية المتقدمة جدًا.

إنه ومن يستقرأ واقع حالنا اليوم يجد أن ساحتنا الفكرية والثقافية و العلمية أصبحت تعج بعدد غفير من أصحاب عقول ذات العضلات المتضخمة التي لا تغني الأمة ولا تسمنها من جوع، فهي عقول ينخدع بها كل قليل علم وقاصر فكر، أما من كان له من العلم أو الفكر نصيب فلا يمكن لهذا الصنف أن يخدعه أو ينخدع به.

لذلك هي دعوة إلى كل الشباب إلى الإقبال على ما سميته قاعات كمال العقول ذات المنهجية العلمية والفكرية الصحيحة والدقيقة، ليس بهدف مجارات الآخرين أو التفاخر عليهم، بل من أجل خدمة إنسانيتنا بداية وخدمة أمتنا بجعلها ترتاد آفاقًا نهضوية و حضارية جديدة ثانيًا.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

7 تعليقات

  1. كما ان بعض الرياضات ضارة كذلك الشأن بالنسبة لبعض العلوم والمعارف

  2. بارك الله في الكاتب وصف جيد احب ان اضيف بعض من جوانب الاطار: المعلومة ما لم تعقل تبقى معلومة كما جرى لها الوصف… والانسان ما لم يشكل نظرة عن الكون والانسان والحياة لا يكون له توجه فكري واضح المعالم لبناء الشخصية، والشخصية هي عقلية ونفسية وبالتالي فعند ضبطها بعقل المعرفة وتمحيص كل داخل سيكون هنالك معان واهداف للمعرفة عندها يكون الانسان في حراك النهضة من خلال يقظته هذه بوركتم

  3. في ناس بتجمع بين الحالتين .
    ربنا يقوي ايمانا ويهدينا

  4. قال شيخ الإسلام: “من أراد شيئاً لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالماً أو ذا حكمة أو متشرفاً بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى، وإنما يريد الله ابتداءً من ذاق حلاوة محبته وذكره.” انتهى كلامه.

    الله يصلح نياتنا.

  5. سفيان القاسح

    هناك صنف بين الإثنين لم تذكره ، وهو الإنسان المسلم الذي يعي أن المحافظة على الصحة وتقوية الجسم هو من الإيمان وهو يدرك معنى لا إفراط ولا تفريط … ومثل ذلك في القرائة حتى يرتقي في سلم المعرفة لا للتباهي ولا للتخصص .
    ” وإنما الأعمال بالنيات “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*