أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في: آخر الفرسان لـ فريد الأنصاري [1/2]

قراءة في: آخر الفرسان لـ فريد الأنصاري [1/2]

الكتاب:
آخر الفرسان (رواية أدبية تحاكي سيرة الإمام النورسي)
المؤلف:
د. فريد الأنصاري (المغرب)
الطبعة الأولى:
2006 م/1427 هـ
عدد الصفحات:
244 صفحة
قراءة:
فريق مشروع #_مجتمعنا

يعرض الكاتب في روايته “آخر الفرسان” سيرةً ذاتية لـ “مكابدة بديع الزمان النورسي”؛ وذلك عبر الوقائع التاريخية لدولة الخلافة العثمانية وصراعِها المرير بين “أشباح الظلام” و تلاميذ “رسائل النور” كما وصفها الكاتب فى الرواية. فتحدث الراوي خلال فصول الرواية السبعة عن المدن التركية من حيث العمران والمؤسَّسات العلميّة منها والسياسية حتى يستطيع القارئ التعايش مع الشخصية وكأنه يعايشها، وأيضا لم ينسى الكاتب الأحداث والوقائع التي حدثت آنذاك والتى بطبيعة الحال كان لها أثر فى حياة “بديع الزمان النورسي”.

7062068

 عرض الراوي فى فصلها الأول الأشباح تهاجم المدينة حكاية رحيله إلى تركيا -أو بلاد التجليات كما وصفها- وعرض فيها وصف للمدن التركية وحكايته مع سفره إليها قائلاً: “إسطنبول تفقد الليلة أضواءها فجأة.. كانت خيول الظلام تكتسح بحوافرها كل الساحات، تملأ كل الشوارع و الدروب.. تقتحم الإدارات، والمدارس، والمستشفيات، وتدمر المعاهد والمساجد.. كل شيء ينهار تحت ضربات إعصار رهيب.. و يعم الظلام المدينة، فلا بصيص لأحد من نور.. أشباح رهيبة تنعق كالبومات في غسق الليل، تلقي بنذير الشر المتردد في كل مكان .. والخوف يلهث بقلوب تقبع خلف الأبواب الموصدة.. ولا من يجرؤ على إيقاد درة من نور.. فلا صدى إلا لصفير الخفافيش و الأشباح ..

كل المآذن خرست، كل المنارات انطفأت، ولا لأحد ممن كان يملأ الأرض قبل غروب الشمس يمشي الآن فوق الأرض..

بديع الزمان وحده كان يمشي تلك الليلة بين المآذن يوزع الشموع على المستضعفين.. ينفخ الروح في القلوب الواهية، و يتيح لها أن تتلقى قبس الحياة من جديد.. عسى أن تستطيع الإبصار في رهبة هذا الظلام.. كان تنقله بين القرى والمآذن عجيبًا.. فكأنما كان يمتطي صهوة برق أو براق.. وما من مسلك يسلكه أو بيت يطرقه إلا ويترك فيه أثرًا من نور ..

كان شخصًا غريب الأطوار، عجيب السلوك.. هو آدمي الشكل والصورة، نعم ولكن.. ربما كان طيفًا، أو ربما كان روحًا..؟ ليس أدري.. يمضي بقامته الطويلة بين الأشجار حتى يتوارى عن الأنظار.. ثم تشاهد أطيافه بعد ذلك في كل مكان ..
عجبًا.. لو رأيت نظرته إذ يرمي بها كالسهم تخترق الظلمات بأشعتها.. فكأنما هو صقر يطل على الفضاءات من عل.. أو كأنما هو نجم ثاقب خرق الحجب ليرجم شياطين الظلام ..
فأي سر رهيب تخفيه عبسة وجهه الحنطي؟ وأي خبر غريب يواريه وهج عينيه العسليتين؟
خمسون عامًا والريح تزمجر أوابدها بين الغابات.. وتقدح النار بسنابكها العاديات بين الدروب، ولم تفتأ الرعود تقصف صواعقها أعالي الجبال.. والناس بين قتيل وجريح أو ناج يهيم على وجهه مستجيبًا لسرعة الريح الرهيبة.. لا يدري أين المفر..؟
وحده كان يمتطي صهوة الموت، ويأخذ بعنان الريح.. يوزع القناديل الصغيرة، وبقية من أمل أخير، بين المستضعفين القابعين خلف الأبواب الموصدة على الأحزان يحتسون مرارة الانتظار.. مند دخول هدا الزمن الكسيح ..

 ثم قال على لسان بديع الزمان: “هذا قدرى  يا ولدي.. فقد نشأت فردًا، و عشت فردًا.. و مت فردًا.. وعسى أن أبعث يوم القيامة فردًا.. و كل ذلك كان من أجل ألا يكون لنفسي حظ من الدنيا.. وأكون من خلوتي هذه لكل الناس.. فهدا زمن الفصل والوصل, حكمة بالغة، من أخطأها غرق في مستنقع الشهوات.. فأنّا له بعد ذلك أن يكون من المبصرين! يا ولدي فتعلم..!
أسرتي من سنة آل البيت، و كما هي حال آل البيت عبر التاريخ.. فقدتهم جميعًا الواحد تلو الآخر، إلا قليلاً قليلا..! الوالدة في التاسعة من عمري، و أخواتي الثلاث في الخامسة عشر من عمري، وفقدت أخوين اثنين منذ خمسين سنة، و لم يبق من الأسرة إلا أخ واحد.. كلهم جميعًا سبقوني بزمن طويل إلى عالم البرزخ.
ولولا هذا اليتم المبكر المحيط بي من كل جهاتي لما كان لرسائل النور في حياتي من أثر..”

 وقال :”أقسم لك يا ولدي، إن أرسخ درس تلقيته في حياتي هو درس الوالدة، على قلة صحبتها لي.. فمن نور كلماتها كانت كل كلماتي.. دروسها المعنوية هي مشربي الأول والأخير الذي ما يزال يضخ القوة بقلبي.. و كأنه يتجدد علي، حتى استقرت حقائقه في أعماق فطرتي، وأصبحت كالبذور في كل كياني.. تنبت بالخيرات و البركات عند كل إبان، و ها أنا ذا الآن بين يديها جالس أتعلم درس الحكمة في خريف عمري الذي ناهز الثمانين كما ترى ..

وما زلت أذكر من كلماتها أنها مذ وضعتني بأحد أيام سنة 1294 هـ – 1877 م، ما أرضعتني قط إلا على وضوء.. ولا حملتني على ذراعها إلا بذكر وقرآن.. ولا أرقدتني إلا بدعاء، فإن فارقتني بليل فإلى تبتل وقيام .. كانت أشبه ما تكون بأم موسى.. و من يدري؟ فلعلها كانت ترى شيئًا.. فالدنيا كانت آنئذ على وشك أن تتعرض لهجوم الأشباح السوداء.. ثم ما لبثت –رحمها الله– أن تركت وديعتها ورحلت إلى عالم البرزخ .. رحمة الله عليك يا نورية.. أي امرأة كنت..!

أما أبي “ميرزا” –رحمه الله– فقد اشتهر باسم “الصوفي ميرزا”، وذلك لما كان عليه من تقوى وورع.. حتى إنه كان يربط أفواه ماشيته بالكمامات، كلما كان عائدًا بها من المراعي، حتى لا تقضم من حقول الناس و لا قضمة واحدة.. تحريًا لخلوص ألبانها ولحومها وأثمانها من شوائب الحرام ..

وتجلى المشرب الثاني من حياتي بعد التاسعة من عمري، كانت حالة غريبة في طريقة طلب العلم، وصفها أحد أشياخي بالجنون.. وتلك صفة أكرمني الله بها أكثر من مرة في ظروف شتى ولأسباب شتى.. ولعلك إن صفت إشراقاتك –يا ولدي– تشاهد بعض تجلياتها.. كانت حالتي الروحية آنئذ متقدة جدًا، وأنا ما أزال أسلخ الأيام من طفولتي.. فساقتني تلك الحالة إلى مراقبة قوية لما يفيض عن أخي الأكبر “الملا عبد الله” من العلوم والحكم ..

ومكثت على ذلك زمنًا.. إلى أن كان يوم وجدت فيه نفسي تكاد تنفلت من بين جنبي.. و لم أعد أطيق المكوث بقريتي الصغيرة “نورس”.. فعزمت الرحيل ..

كان ذلك سنة 1885 م، حيث بدأت بتعلم القرآن الكريم.. ثم وجدت نفسي –لست أدري كيف– في قرية “تاغ” بمدرسة “الملا محمد أمين أفندي”.. إلا أني لم أتحمل المكوث فيها فتركتها وعدت إلى ” نورس” من جديد.. و هي القرية المحرومة من أي كتاب أو مدرسة، فاكتفيت ساعتها بما أتلقاه عن أخي عبد الله من علوم، مرة واحدة في الأسبوع ..

وبعد مدة قصيرة ذهبت إلى قرية “برمس” ومن بعدها إلى “مراعي شيخان”، ثم إلى قرية “نورشن” وبعدها إلى قرية “خيزان”، ثم تركتها ذاهبًا مع أخي “الملا عبد الله” إلى قرية “نورشن”.. ظللت فيها مدة ثم رجعت إلى “خيزان”، ثم تركت الحياة المدرسية وعدت إلى “نورس” مرة أخرى.. ولم يكن يفصل بين ارتحالي من مدرسة إلى أخرى غير بضعة شهور.. لقد عشت حياة علمية أشبه ما تكون بالفوضى.. أو الجنون ..

كانت حالتي الروحية تأبى علي قبول حالة الاستجداء التي تطبع نفسية الطلبة والشيوخ في ذلك الزمان.. و لم يكن طلب العلم آنئذ قائمًا على غيرها: الأوقاف الشعبية والزكوات والصدقات.. و رغم الفقر الذي ولدت فيه ونشأت، فإن نفسي لم تطق تلك الحياة القائمة على ذلك الوضع الذليل بالنسبة لي والحقيقة يا ولدي أن ذلك ما كان مني اختيارًا.. بل كان له سر عجيب في حياتي عرفته فيما بعد.. وإنما قطفت ثماره الطيبة بعد بلوغ الأربعين من عمري.. أي بعد موت “سعيد القديم”، و ميلاد “سعيد الجديد” في حياتي، و حلول تجلياته الوهاجة في كياني الروحي ..

نعم .. ما قبلت الهدية قط من أحد إلا بمقابل أدفعه له أنا أيضًا.. وعلى الرغم من الحاجة الشديدة فما ذكرت أني في يوم من الأيام ذهبت لأخذ الأرزاق من الناس، كما كانت العادة جارية في كردستان، حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الأهالي، وتسد حاجاتهم من أموال الزكاة.. وكان ذلك أحد أهم الأسباب التي جعلتني لا أطيل المكوث في أي مدرسة من مدارس القرى.. كما ضايقني خلق الطلاب العابث اللاهي.. وما كان لكثير من الأشياخ سيطرة على ما يدرسون من علوم.. لقد كنت أشعر بجدية الرجولة تملؤ طفولتي، وتنتصب قائمة في قراري وترحالي.. وكنت أجد عزيمة الفروسية تجمح بي نحو الأعالي.. ما ملت إلى اللهو يومًا ولا وجدت له ذوقًا.. وأصدقك القول: لم يكن ذلك مني.. بل كان أمرًا خارج اقتداري واختياري.. فوارد ما كان يحل بروحي و يجري تصرفاتي على وزانه ..

إلى أن كانت رسائل النور في حياتي فعلمت كم هي في حاجة –لضمان حياتها– إلى الاستقلال عني.. وما كان لها ذلك إلا بما كان لي أنا أيضًا من استقلال عن الناس ..

نعم شاهدت بعدها –حقيقة لا مجازًا– أنه لأجل هذه الحكمة منحت لي هذه الحالة العجيبة، حالة النفور من تلك العادة المقبولة عند العموم، و إن كانت سجية كريمة في أصلها. ولكني شعرت أنني قد خلقت لغير ما خلق له أولئك الناس من المشايخ والطلاب.. فما كانت حياتي تسير بتخطيط مني ولا تدبير.. فرضيت بقوت العيش القليل أدفع به شدة الفقر و ضنك الحياة ..
والحقيقة يا ولدي أن تلك كانت طبقة من طبقات معراجي الروحي، الذي من عناقيده العليا صنعت شرابي، فإذا شئت ارفع إلي كأسك، حتى إذا أحسست بفيضه بين يديك فاشرب.. وذلك أول السير فتأمل..

قال لي: “عندما تركت الحياة المدرسية وعدت إلى كنف الوالد –رحمه الله– في “نورس” كان عمري آنئذ أربعة عشر عامًا فقط.. ثم دخلت مدرسة روحية بنيتها داخل نفسي لنفسي.. أتلقى أحوال الإيمان ومشاهد الإحسان، حتى اخضر الربيع من ذلك العام، وأذن بخروج الأزهار من أكمامها فكان ما كان “..

 هذه القيامة قد قامت الآن.. وإني لأرى الكائنات تبعث من جديد.. وعلى الأرض نبات غريب من خلائق شتى تخرج من أجداثها.. كان الموقف من الهول بما تعجز العبارة عن الإحاطة به وصفًا.. فما كان مني إلا أن ذكرت سيدنا رسول الله -صلى الله عليه و سلم-.. وتساءلت في نفسي: كيف أتمكن من زيارته؟ ثم تذكرت أن علي الانتظار في بداية الصراط.. هنالك ستمر كل الخلائق.. وإذن بمجرد ما أراه أسرع إليه.. هكذا وقع بقلبي.. وإني لكذلك إذ شاهدت عددًا من أن الأنبياء والرسل الكرام.. وأكرمني الله بزيارتهم واحدًا واحدًا على ما هيء لي أن أراه.. وقبلت أيديهم جميعًا عليهم الصلاة والسلام.. ثم ..
ثم ما أن شعرت بأن الإذن بزيارة سيدنا محمد قد وقع نوره بقلبي حتى تجلى شخصه -صلى الله عليه وسلم- أمامي.. بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. أحقًا ما أرى..؟ وهويت على يديه الكريمتين سلامًا وتقبيلاً.. و عجبت من نفسي ساعتها، كيف أن الناس لحظتها إنما يطلبون الشفاعة، وما وقر بقلبي أن أطلب منه لحظتها إلا شيئا واحدًا: العلم.. عجبًا..؟ لقد قصدته بوصفه معلمًا عسى أن يقبلني بين يديه متعلمًا ..
هكذا.. وبعد وقوع القيامة؟ عجبًا.. فما كان من حبيبي عليه السلام إلا أن التفت إلي مبشرًا وقال : “سيوهب لك علم القرآن ما لم تسأل أحدًا”.. فكانت تلك يقظتي الأولى في حياتي يا ولدي.. وعشت بعدها عجائب و غرائب.. فجرت هذه الرؤيا شوقًا عظيمًا في قلبي إلى طلب العلم فاستأذنت الوالد رحمه الله للذهاب إلى ناحية “أوراس” لتلقي العلم من “الملا محمد أمين أفندي “.

ثم توجهت تلقاء “دوغو بايزيد”.. وكان بدء الأحوال العجيبة..

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*