أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في: آخر الفرسان لـ فريد الأنصاري [2/2]

قراءة في: آخر الفرسان لـ فريد الأنصاري [2/2]

 ثم تحدث فى فصله الثانى عن مكابدات بديع الزمان فى طلائع دعوته أو كما أسماها مكابدات سعيد القديم.

وفيه يقول الراوي على لسان بديع الزمان: “فما من علم بدأت بمطالعته إلا و شرعت في كتابته على دفاتر روحي، بما كان يملأني من شوق إلى العلم، و بما كان ينتابني من شعور بحرماني من الكتابة الجيدة و الخط السليم. و كم من نقمة في طيها نعمة.. وما كان ذلك من أمري.. ولكنه قدر سيق إلي.. أو .. سقت إليه، بحكمة ربانية عالية.

اطلعت على مكايد الأعداء التي بدأت تحاك ضد الأمة الإسلامية.. فاقتنعت يقينًا أن أسلوب علم الكلام القديم قاصر عن رد الشبهات والتشكيكات المحاكة اليوم حول الدين، فهب بقلبي عاصف خوض بحار العلوم الحديثة أيضًا.. وطفقت ألتهم ما يعترض طريقي منها.. من تاريخ وجغرافيا، ورياضيات، وجيولوجيا، وفيزياء، وكيمياء، وفلك، وفلسفة .. الخ، حتى اكتمل لي منها أسس كلية، و تصورات شاملة. وكان ذلك أثناء مدة قصيرة جدًا، بالنسبة لما يدرسون وما يبرمجون.. جرى ذلك على عادتي الروحية: بلا معلم ولا أستاذ، وإنما بما يفيض على روحي من فتوحات ربانية، ما كنت لأدرك مغزاها إلا بعد.. دائمًا ..

فمثلاً حفظت عن ظهر قلب خلال أربع وعشرين ساعة كتابًا في الجغرافيا، قبل أن أناظر في اليوم التالي مدرسًا للجغرافيا وألزمه الحجة في دار الوالي “طاهر باشا”.. و كان الإلحاد الأسود قد بدأ ينفث ظلماته الرهيبة على الأرض.. فكانت العلوم الحديثة التي طالعت كافية لتفتح لي آفاق الولوج إلى عالم العصر الجديد، لكن عبر بوابة القرآن الكبرى.. فكان ما كان من أمر بديع الزمان.. وما كنت في الحقيقة يا ولدي سوى عبدًا استعملني الله بمحض فضله في خدمة رسائل النور.. فكل سر التجليات راجع إلى مدى الإخلاص المستبطن في قصد الخدمة.. ذلك يا ولدي فتدبر..

 أما الفصل الثالث اسطنبول بين الأولياء و الأشقياء فقال فيه: “لقد سحقتني آلام أمتي البئيسة”.. فقد أحرق العدو كل حقولها.. وإنما أنا الآن أحرث وأزرع من جديد. ذلك هو واجب الوقت يا ولدي فتعلم ..
قلت :زدني ..؟
قال: اسطنبول سيدة العاشقين.. نعم.. ولكنها مطمع الشياطين أيضًا.. ولم تكن ترضى في مهرها بغير أعراف الخيل تخوض عباب البوسفور.. و لكن أين الأمير؟ أين سليل الجلوات والخلوات، وعابر البحار والفلوات يقدح سنابك الخيل بشرر التكبير في مقدمة الفاتحين.. والخيل تنخرط أعناقها في عرق التهجد مع المحبين ركعًا سجدًا في ميادين الوغى، يبتغون فضلاً من ربه ورضوانا، إلى أن يسفر الفجر الصادق على البلاد؟ فما كان للظلام الموحش –يا ولدي– أن يبقى إلا قليلاً.. لو قدحت ذرة نور واحدة.. فتدبر ..!

ولكن، انكسفت أنوارها –وا أسفاه– بين ضعف الصالحين وكيد الشياطين.. وبقيت وحدي ألهث بين الدروب، أطرق المنازل الصغيرة لأوزع الشموع على الفقراء، و لكنهم –وا حسرتاه– لا يفتحون الأبواب.. ومنذ ذلك العهد وأنا أبكي، حتى تمزق شريان قلبي ..

 وقال الكاتب عن بديع الزمان: “تحول للتدبر والتفكر ولدراسة القرآن الكريم كليًا واستخدم في ذلك جميع العلوم الدنيوية التي قرأ فيها لتشد من أزره، ثم تقدم بعريضة إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني باقتراح إنشاء مدرسة الزهراء لنشر الوعي والعلم وإيقاظ الأمة وجرها إلى طريق النهضة ولكن حاشية السلطان كانت خليط عجيب من العملاء الأجابن والجواسيس وأصحاب المطامع والانتهازيين فأحاطت ببديع الزمان المكائد من كل مكان نظرا لحقدهم ودسائسهم.. فكان أول ما كان هو إيداعه مستشفى المجانين.
أخرجوه من المشفى بعدما ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه سليم العقل، ثم عرضوا عليه راتبا  كي يسكت ولكنه لم يقبل.

كان له عدة مناظرات مختلفة مع العديدين، منهم (محمد بخيت المطيعي) مفتي الديار المصرية والذي قال عن سعيد النورسي: بأن هذا الفتى لا يناظر لأنه ينطق بالحق، ومناظرة مع اليهودي (عمانوئيل كراصو) والذي كاد أن يُسلم لولا أن ختم الله على قلبه، وحديثه عن (جون تورك) الحركة السياسية المناهضة للحكم في الدولة العثمانية والتي قال عنها سعيد النورسي: أنها حركة أخطأت لأنهم ظنوا أن الأمة شيء وأن الإسلام شيء آخر”.

 انقلب العسكر على الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني عام 1909 وولوا شقيقه وولي عهده السلطان محمد رشاد والذي كان على الرغم من ثقافته ضعيفًا من الناحية السياسية بالإضافة إلى كونه شيخًا كبيرًا ناهز الخامسة والستين من عمره، حاول بديع الزمان خلال الفتنة مع الجنود ونجح في إعادة ثمانية طوابير من المتمردين إلى الطاعة بخطب مؤثرة جدا، الأمر الذي تسبب في إطالة عمر الخلافة العثمانية سنوات أخرى ولو شكلا.

ترك بديع الزمان اسطنبول إلى مدينة “وَان” مختليًا بنفسه في محاولة لإعادة تقييم الوضع وما تحتاجه الأمة في هذه المرحلة، وتوصل في خلوته إلى أن واجب الوقت هو التربية والتعليم، ومن بعدها سافر إلى بلاد الشام بحثًا عن باقي علماء الأمة، في الوقت نفسه عادت فكرة مدرسة الزهراء إلى عقله مرة أخرى وبقوة فتحدث مع السلطان رشاد على تمويل المشروع إلا أن شرارة الحرب العالمية الأولى كانت شرارة الغاء الفكرة خاصة بعدما زحف الدمار والخراب على كل شيء.

 وفى تجليات الموت  الواردة فى الفصل الرابع قال لي :”كان الجنود الأرمن يذبحون أطفال المسلمين في عدد من المناطق.. وكان بعض جهلة المسلمين يقابلونهم بالمثل، فيذبحون أبناءهم أيضًا.. إلى أن كانت حادثة عجيبة.. دحرنا العدو عن أحد مواقعه دحرًا، ووقع بين أيدينا عدد كبير جدًا من أطفالهم.. كان جنودي يحاصرونهم من كل الجهات.. وكنت أتفرس في الفزع الصارخ من تلك الوجوه الصغيرة البريئة.. كانت الطفولة تستغيث ربها.. و تجأر إليه فزعًا من الموت الرهيب.. هذا النور الصغير الصافي المتدفق مثل جدول البستان، من عيون لا يد لها ولا رجل في إيقاد أوزار الحرب وفتنتها، كيف تكون هي أول من يصطلي بنارها وكلها أمل في الحياة؟ أي شيطان هذا الذي أملى على الإنسان اغتيال الجمال المشرق في هذه الوجوه اللطيفة؟
وصرخت من أعماقي نفسي: كلا.. كلا.. كانت الجبال تميد من حولي وتتمطى متأوهة، وهي تبتلع أهداء صوتي الجارح الحزين .
ثم التفت من على صهوة حصاني وناديت في الجنود بأعلى صوتي :لا تتعرضوا لهؤلاء الأطفال بشيء.. أطلقوا سراحهم جميعًا ..
سمعت صوتًا و كأنه يستدرك: ولكن .. ؟
فصرخت وكأني لم أسمع شيئاً :جميعًا .. جميعًا.. ويلكم.. إن قتل الأطفال في الدين حرام.. حرام.. ثم سقناهم محروسين آمنين مطمئنين إلى أمهاتهم خلف الخطوط الروسية.. وقلنا لهم بلا خطب ولا كلمات: هذا ديننا – أيها الروس – فليتكلم دينكم.. و رجعنا شاكرين ذاكرين.

وكان حوارًا إيمانيًا عجيبًا.. أخرس وحوش الحرب اللئيمة.. كان ذلك درسًا قيمًا وعبرة بليغة للأرمن، مما دفعهم إلى الإعجاب بأخلاق المسلمين، فتخلى جنودهم عن عادتهم السيئة في تذبيح أطفال المسلمين.. و كان عهدًا حقيقيًا بيننا، بلا وثيقة ولا بروتوكول .

 ثم حكى لنا الراوي فى فصله الخامس عن مكابدات سعيد الجديد قائلا على لسان النورسى أنه قال لي :”دار الحكمة يا ولدي كانت في حياتي برزخ تحولات كبرى.. عندما عينت بعضويتها كنت يومئذ على تخوم سن الأربعين.. و كان لذلك في نفسي قصة أخرى ..

الأربعون .. هذا البرزخ الزمني الرهيب.. أيقظ في قلبي شعورًا قويًا بالموت.. و إحساسًا شديدًا بالفناء.. صحيح أن الأربعين هي لحظة القوة والشدة من عمر الإنسان، ولكن.. أليست لحظة البدء أيضًا لخطوة الانكسار من مخطط عمره المحدود؟ أليست هي بدء العد العكسي في اتجاه النهاية؟ تلك هي القضية إذن.. وذلك هو الأرق الشديد الذي داهمني فجأة، ثم لازمني ليلاً نهارًا.. فمن يخلصني؟
نظرت إلى هذا العصر الغريب وظلماته الرهيبة.. فشاهدت السالكين إلى الله على طرق شتى، كانت شموعهم جميعًا تتبدد في حلكة الظلمات الشديدة.. وكنت وحدي أضرب بنور القرآن في مسلكي فردًا..
نعم يا ولدي ففي زماني هذا وجدت أنني قد سلكت طريقًا غير مسلوك، في برزخ بين العقل و القلب “..
قال لي :”لا تحسبن أن ما أكتبه شيء مضغته الأفكار و العقول.. كلا.. بل هو فيض.. فاض على روح مجروح وقلب مقروح، شلال نور تلقته مواجدي الحرى من القرآن الكريم رأسًا.. فلا تظنه حالاً تتذوقه القلوب حينًا ثم يزول.. كلا.. بل هو مقام أنوار متوهجة أبدًا، وحقائق إيمان ثابتة سرمدًا. إنها ليست لي.. فأنا لست بمدع.. وإنما هي شمس القرآن انعكست على عقل عليل، وقلب مريض، ونفس حيرى.. فانبعث من رماد “سعيد القديم” : “سعيد الجديد”، يبشر العالم بالنور.. ذلك قدري يا ولدي، فانظر.. هذه آية الطريق لك معلمة ..

 وعن تجليات الحزن الجميل فى الفصل السابع والأخير

نصف قرن من الزمان والنورسي يقاسي شتى أنواع المعاناة من أجل شيء واحد، و هو حرية الكلمة.. نصف قرن وهو يهرب تغاريده من شجرة إلى شجرة، و من تلة إلى أخرى.. نصف قرن وهو يجاهد كيد الاستبداد وأشباح الظلام.
منذ العهد الأول، أيام الحكم الصوري للسلاطين وسيطرة الاتحاديين على قرارات القصر، حتى العهد الجمهوري والمواجهات المباشرة معهم هم أنفسهم، و لكن باسم الدولة و القانون ..

وما كان بديع الزمان يسعى إلا لإلقاء البلاغ القرآني، و نشر كلمة النور.. ألا ما أسوأ أن تتحد الغربان ضد عصفور صغير من أجل أنه غرد على غير هواها، فطاردته بشراسة رهيبة خمسين سنة من الزمان.. فناضل العصفور من أجل ذلك وجاهد حتى أذن الله للشمس بالشروق من جديد، فتعبت الغربان وما تعب العصفور ..

أنقرة، اليوم تختم دائرة الشمس، و ترسم الشعاع الأخير.. كان الطلاب متحلقين حول قطرها الوهاج، وكان الشيخ يتقطر جبينه عرقًا.. فهذه آخر الومضات، هو الآن يطرزها بشفتين مرتعشتين، لتكون آخر فسيفساء لرسائل النور، ومصابيح تنير آخر الطريق بقوة، عسى أن يبقى بريقها قويًا في أعين الجيل، حفظًا له من الانجراف وراء الخدع المقبلة..

كانت الكلمات تتنزل مثل الشحنات الكهربائية على المجلس المتلقي بخشوع:

إخواني الأعزاء ..

إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البناء وليس العمل السلبي الهدام.. إننا مكلفون بالتجمل بالصبر، والتقلد بالشكر، تجاه كل ضيق و مشقة تواجهنا.. وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الأمن والاستقرار الداخليين. نعم، إن في مسلكنا قوة، إلا أننا لم نقم باستعمالها إلا لضمان الأمن الداخلي، أو في مواجهة الهجمات الخارجية. إن أعظم شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل في شؤون الربوبية، أي فيما هو موكول إلى الله ..

إخواني .. إن مرضي قد اشتد كثيرًا.. و لعلي لأموت قريبًا، أو أعجز عن الكلام مطلقًا. فلا تهاجموا العلماء الذين ظنوا بعض إلجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع.. لا تصادموا هؤلاء المساكين.. فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل ..

إننا لا نلتفت إلى الدنيا. فإن نظرنا فمن أجل مساعدة أهلها، ولذلك فإننا نسامحهم حتى ولو ظلمونا. وقد ثبت أن الديمقراطيين منهم من لا يعادون الدين، فعلى إخوتي في الآخرة أن يمتنعوا عن الهجوم على أخطائهم، وليعدوها من قبيل أهون الشرين، وليقوموا بالعمل الإيجابي دائمًا؛ لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا. و ما دام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل متسامحون قليلاً، فانظروا إليهم كأهون الشرين من أجل التخلص من أعظمهما. لا تمسوهم بسوء.. بل حاولوا أن تنفعوهم..

إخواني.. ربما أموت قريبًا.. فخذوا حذركم.. إن لهذا العصر مرضًا داهمًا، ألا وهو الأنانية وحب النفس.. وإن أول درس نوري تلقيته من القرآن الكريم هو: التخلص من الأنانية.. فلا يتم إنقاذ الإيمان إلا بالإخلاص الحقيقي.. وما دام الإخلاص التام هو مسلكنا فلا بد من التضحية والفداء.. ليس بالأنانية فحسب، بل حتى لو منح لكم ملك الدنيا كلها وجب عليكم تفضيل حقيقة إيمانية واحدة على ذلك الملك.. !

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*