أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / هل قراءة الروايات مضيعة للوقت؟

هل قراءة الروايات مضيعة للوقت؟

محمد علي عطية

Books_by_McHornetإذا كنت تُحب قراءة الروايات فاقرأ هذا المقال, وإذا لم تكن تحب قراءتها أو لم تجربها من قبل, فعسى أن يتغير هذا بعد هذه السطور.

من منا لم يكن يستمتع بالاستماع إلى الحكايات وهو طفل؟

وهل الرواية حكاية تنقلك إلى عالمٍ من صنع مؤلفها, فتنقل لك إحساسًا, وروحًا, و فلسفة, و أفكارًا, وعلمًا, ومتعة فقط؟

ولكي تصل الصورة فلا غنى عن أمثلة, فلنبدأ برحلة طفل مع قراءة المجلات الهزلية وقصص المغامرات؛ فمغامرات عم دهب التي قرأتها منذ صغري كانت إحدى مصادر معلوماتي  ولم تكن مجرد ترفيه, لقد جلت حول العالم مع عم دهب, وعرفت منه عن (حمى الذهب) في نهاية القرن التاسع عشر في شمال كندا وألاسكا, حيث كان ينقب عن الذهب في روافد نهر يوكون وفي الكلوندايك.. عرفت هناك أضواء الشمال, وأن الناموس قد يكون من الكثافة لدرجة أن يغطيك كالبطانية.. عرفت أن جنوب أفريقيا كانت كذلك أحد مصادر الذهب  والماس حين ذهب إلى الترانسفال  وسط حشائش السافانا.. وقد عرفت مصطلحات (السحر الأسود) و(الفودو) و(الزومبي) كان من مغامراته.

تخطو خطوة أخرى تصطدم فيها بعالم من الأسماء الأجنبية: ديكنز برواياته القاتمة التي تنقلك إلى عصر الثورة الصناعية بكل ما فيه من ظلم اجتماعي ونزعة مادية, وهوجو بمآسيه في (البؤساء) و(أحدب نوتردام), ودوما بفرسانه الثلاثة وكل ما يصاحبهم من مغامرات  ودسائس البلاط, وتولستوي بحربه وسلامه, وديستوفيسكي بجريمته  وعقابه,  والطواف حول العالم مع جول فيرن, والرحلة بآلة الزمن مع إتش جي ويلز, وأجواء القرصنة في (جزيرة الكنز), وفروسية القرون الوسطى في (إيفانهو).. إلخ!

وقبل أن نسترسل في الحديث نقف عند تصنيف الروايات, فهناك من يصنف الروايات إلى روايات تاريخية, وعاطفية, ومغامرات,  وفلسفية, وخيالية سواء كانت قائمة على أساطير, أو قائمة على العلم وهي روايات الخيال العلمي التي تتخيل المستقبل.

الحقيقة أني كنت أجد دومًا مشكلة مع التصنيفات؛ فالرواية بالنسبة لي هي مركب من كل التصنيفات السابقة مع اختلاف النسب, وغلبة نسبة معينة هي التي تجعل القاريء يصفها بأنها عاطفية أو تاريخية أو أيًا كان.

يقول نجيب محفوظ : ” إن الكتابة الروائية عن التاريخ أنواع, هناك روائي يكتب عن التاريخ رواية من أجل أن يعود الناس إلى فترة مضت من الزمان أو شخصية عاشت من قبل.  في هذه الحالة يكون للتاريخ أكثر من سبعين في المائة, وللفن أقل من ثلاثين بالمائة.
وهناك الروائي الذي يأخذ من التاريخ الإطار فقط. ويقدم من خلاله بعض القضايا المعاصرة. أما النوع الثالث فيُكتب حين يصب الروائي تأملات فلسفية من خلال العودة إلى التاريخ“.

وأعود للملحوظة التي ذكرتها قبل, وأضيف أن كل رواية هي تاريخية بحد ذاتها. ليس معنى الرواية التاريخية هو أن تقرأ رواية تدور أحداثها في عهد الفراعنة أو في الأندلس أو في أوروبا القرون الوسطى.

إن الرواية التي كُتبت منذ أربعين سنة لتصف واقعًا لم أعشه هي تاريخ بالنسبة لي, كما أن الرواية المعاصرة هي تاريخ بالنسبة لمن بعدي.

وهنا نأتي للحديث عن مزية الرواية نفسها؛ قد تكون قراءة رواية أفضل من قراءة كتاب تاريخ يصف نفس المرحلة؛ لأن أغلب كتب التاريخ تُركز على الأحداث السياسية وتكتب تاريخ الملوك والساسة, لكن ما نسبة الكتب التاريخية التي تغوص لقلب المجتمع فتصف لك الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية؟

يمكنك أن تقرأ من الكتب عن الحقبة الملكية في مصر, ثم التجربة الناصرية في الخمسينيات والستينيات, لكن نجيب محفوظ هو الذي سيغوص بك في أعماق الحارة المصرية, وإحسان عبد القدوس هو الذي سيعرفك على نمط حياة الطبقة المخملية, ويغطي لك يوسف السباعي جانبًا من هذه و تلك, ويبكيك خيري شلبي على أحوال المهمشين.

لن تجد في كتاب التاريخ إلا حقائق مجردة في قالبٍ جامد – بفرض أنها حقائق – لكن الرواية دون غيرها هي التي ستغطي الجوانب الإنسانية التي لا يمكن صبها في قالبٍ جامد.

لا أحد يقول إن قراءة الروايات هي بديل عن قراءة التاريخ بالطبع, الفكرة هي أن الرواية الجيدة التي أحسن كاتبها صياغتها, وبذل جهدًا بغوصه وسط عشرات الكتب ليضع تخيله لنمط الحياة ورسمه لشخصيات هذه المرحلة, هذه الرواية التي تخاطب القلب هي مكملة للكتاب الذي يُخاطب العقل, بل وقد تدفعك من الأساس إلى فتح العديد من المراجع الأصلية للاستزادة.

إن الفائدة من قراءة الرواية ليست مجرد فائدة معلوماتية, فليس هذا هو أساس الرواية أصلا, فكما أن الرواية مركبة من أغراض مختلفة بنسب مختلفة, فكذلك الفائدة مركبة, من إحساس, ومفردات ولغة, ومعلومات, وخيال, وحتى فلسفة. لكن استعراض نماذج لروايات يحتاج مواضيع مستقلة ولا يتسع المقام لها هنا.

وأسوأ شيء للقاريء هو أن يستغرق في القراءة في جانبٍ وحيد دون أن يمر على جوانبٍ أخرى، وبعض القراء ينظر نظرة دونية لبعض القراءات وبالأخص الروايات, لكن الواقع هو أن كل مادة مكتوبة يستطيع القاريء أن يخرج منها بفائدة, حتى لو كانت الفائدة الوحيدة هي ألا يقرأ لكاتبها مرةً أخرى.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. Thanks for your personal marvelous posting! I certainly enjoyed reading it, you will be a great author.I will ensure that I bookmark your blog and will often come back sometime soon. I want to encourage you to definitely continue your great job, have a nice day!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*