أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / رواد الفكر / اشتباك المثقف بالسلطة عند إدوارد سعيد [2-2]

اشتباك المثقف بالسلطة عند إدوارد سعيد [2-2]

زهير الخويلدي

الجزء الأول

Edward_Said3- المثقف بين الالتزام والمخاطرة:

“أتحدث عن المثقف أو المفكر باعتباره شخصية يصعب التكهن بما سوف تقوم به في الحياة العامة ويستحيل تلخيصها في شعار محدد أو في اتجاه حزبي معتمد أو مذهب فكري جامد” [12].

يرفض المثقف الانطواء والانعزال والالتجاء إلى الصمت والتجاهل ويكره الارتداد إلى الوراء والنكوص النفسي والاستبعاد الاجتماعي ويأبى الجلوس على الربوة والتمتع بالفرجة كما يفعل البعض ويبادر بالتنديد والمعارضة والمواجهة ويتبنى خيار الاستماتة والثبات وموقف الممانعة عندما يتعرض إلى التضييق والتوجس ويسعى إلى كسر الجدران العازلة المضروبة حوله وتخطي الحواجز وإبداء الرأي والمخاطرة بقول الحق والشهادة على العصر ونصرة المظلومين والمنبوذين وإثارة الحرج وإحداث الإرباك في النسق العادي والاستياء في الوعي المطمئن.

إذا ربطنا المثقف بالكاتب واعتبرنا مثقفا كل من يسمي نفسه كاتبا ويقول أنه كذلك فإننا نختار لفئة الكتاب طبقة المثقفين ونجعل المثقفين يشكلون جزء من الفئات الشعبية ونسمح للكتاب بأن يضعوا خبراتهم على ذمة أصحاب رؤوس الأموال ومديري الشركات وندخل الثقافة عصر الخصخصة. في عصر الأزمات والتصحر الثقافي يتحول أنصاف المتعلمين إلى مفكرين ويتم الخلط بين الأكاديمي والكاتب ويتحول عدد كبير من الناس إلى مثقفين ومحللين سياسيين وتختار الدولة من الأنتيلجنسيا بعض الخبراء والمثقفين لتسويق أيديولوجيا والمشاركة في الدعاية والبروباغندا لها.

كما ينتج عن الرغبة في الجاذبية الساذجة والبحث عن الامتيازات المغلوطة السقوط في التبعية والاغتراب والنفاق والرعونة وإضفاء المشروعية وحجب الحقائق والتغطية على الوضع البائس.

يجد المثقف نفسه في وضعية قصوى فهو مطالب من جهة بالخروج عن الصف والصراع ضد مصالح وتحوش السلطة واستعمال كل الوسائل المنفرة والمشاركة في الحوارات الملغومة ولكنه مهدد بالفشل ومعرض إلى الاحتواء والدمج والإسكات والإخماد والانقراض والطاعة الهادئة.

لا تقتصر مهمة المثقف بإعادة تجميع مكتسبات الماضي وإنتاج الأنساق المجردة بشكل فردي واختراع التصورات والبدائل وإنما بالتدخل الفعّال في الحركة المناوئة للسائد والمشاركة الفعلية في تحسين الأوضاع ومعارضة المألوف وتأجيج النزاعات المربحة بالنسبة للفئات المسحوقة.

“المواقف الرمزية التي يقفها المثقف أو المفكر بمعنى قدرته على التعبير للمجتمع عن قضية ما أو فكرة ما، لا ترمي في المقام الأول إلى تدعيم ذاته أو الاحتفاء بمكانته، ولا هي مقصود بها أساسا خدمة الأجهزة البيروقراطية القوية لدى أصحاب العمل الأسخياء، بل إن هذه المواقف الفكرية تعبر في ذاتها نشاطا مستقلا، يعتمد على نوع من الوعي الذي يتشكك فيما حوله، ويتميز بالالتزام، ويكرس عمله دائما للبحث العقلاني والأحكام الخلقية، ومن شأن هذا أن يلفت النظر إليه ويعرضه الى الخطر معا.” [13] لكن هل يقف المثقف مكتوف الأيدي أمام المحن التي يبتلى بها؟ وما العمل إذا ما تحول المثقف إلى أجير أو موظف في إحدى الشركات أو الأجهزة السلطوية؟ بماذا يتغلب على وضعية التهميش والشعور بالعجز والاحساس بالضياع والغربة في مجتمعه؟

4- مقاومة المثقف:

” يجب دائما على المرء أن يبدأ مقاومته من وطنه ضد السلطة كمواطن يمكنه التأثير”[14]

دور المثقف هو الاخلاص للمبادىء والتمسك بالمنهج والوفاء للحقيقة وضبط معايير الصدق والكذب والتصدي لواقع الشقاء والظلم ومقاومة مظاهر العنف وقوى اللاّتسامح والتعصب.

من هذا المنطلق ليس مهمة المثقف تشكيل الرأي العام وقيادة الجماهير بل الانشقاق على السلطة والتحريض على الفعل السياسي والنقد العلمي وفضح كل أشكال الاغتراب وتعرية كل مظاهر الاستغلال ومساعدة الناس على ايجاد الطرق الكفيلة بالانعتاق والوسائل اللازمة للتحرر والنماء.

صحيح أن ظروف وجود المثقف صعبة وأوضاع عمله مضطربة ولكنه لا يتصرف بطريقة عشوائية ولا يتبنى الفوضوية كنمط للوجود في العالم وإنما يحمل مشروعا مضادا للسائد ويقوم بتنظيم عمله بطريقة عقلانية وممنهجة ويضع نصب عينه تفكيك السلطة المستبدة كهدف أولي.

غاية المراد أن إدوارد سعيد يدعو إلى خيانة الخيانة التي يقترفها المثقفون تجاه قضايا أمتهم وذلك بعدم الاكتفاء بوصف تضاريس الساحة السياسية والقول بوعورة المشهد الاجتماعي وصعوبة الخروج من الأزمة والتأهب للاندماج مع القوى المنتفضة والاشتراك الفعال في المعركة واتخاذ موقف صائب تجاه الأحداث والتحلي بالشجاعة الكافية والصبر الضروري لإتمام إبلاغ الرسالة.

” بالنسبة لنا، اعتبارنا الأخلاقي الأول الآن هو بذل كل طاقتنا لنؤكد أننا مستمرون رغم المعاناة الهائلة والدمار الذي فرضته الحرب الاجرامية علينا” [15]. بناء على ذلك لا يقتصر المثقف على التفهم الصحيح الواقع الاجتماعي المعقد ورؤية الأمور كما تتبدل من طور إلى آخر والكشف عن القوانين التي تحرك التاريخ وإنما مقاومة السلطة التي تتحكم في مجرى الأحداث وتمنع التقدم والسماح لأسلوب غير تقليدي للحياة بأن يولد والزهد في تحقيق الأهداف الشخصية والحرص على انجاح الانعتاق الجماعي من المعاناة ولذلك يرفض الموافقة والاستقرار ويعشق الترحال والإقامة في التخوم والهوامش ويخلخل المركز ويفكر خارج النسق ويتخطى الحدود ويحاول إدخال الاضطراب والزعزعة في الأنظمة المعرفية الثابتة والأطر الاجتماعية الناعمة.

هكذا كانت الرسالة العلمية التي يجب أن يبلغها المثقف الأصيل عند إدوارد سعيد هو أن يبين للعالم الغربي خاصة والبشرية جمعاء أن “الشرق ليس أعجوبة وحسب، أو عدوا، أو فرعا من فروع الغرائب، بل إنه واقع فعلي سياسي يتميز بثقل وزنه وأهميته الكبرى” [16].

عندئذ يدعو سعيد إلى الكف عن تصور العرب بأنهم قومية لا تجيد التفكير ومعادية للعقلانية وتمثل الآخر الهمجي وموضوع إشباع الرغبة المتخيلة وتبديل النظرة الى الاسلام فهو ليس دينا لا إنسانيا وعنيفا وثقافته ليست عاجزة عن التجدد، بل يستطيع تطوير نفسه بنفسه” [17].

كما ينادي بتغيير سياسة العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب وإحداث نقلة نوعية من الهيمنة والإلحاق والاحتواء إلى الاعتراف المتبادل والاحترام وإرساء تقاليد جديدة من الحوار العقلاني والتثاقف التوليدي وتبادل الخبرات العلمية وإجراء الدراسات الميدانية وتبني النظرة الموضوعية بحق. لكن كيف يسهم مجهود المثقف في تنظيم العمل السياسي بطريقة عقلانية؟ وأليس الكل مسؤول عن تحرير العقول والتسلح بالأمل؟ من أين يستمد المثقف التفاؤل والقدرة على التقدم الى الأمام؟

خاتمة:

” إن دور المثقف عموما جدلي ومتناقض وهو أن يكشفوا ويوضحوا الصراع، وأن يقهروا الصمت المفروض بالقوة والهدوء المطيع للسلطة الخفية أينما كانت وكلما كان ذلك ممكنا” [18]

يعتقد إدوارد سعيد أن الثقافة والسياسة بالمعنى العام هما نفس الشيء وعلى اتصال كبير ويتبدلان الخدمات، إذ يمكن النظر إلى السياسة كثقافة والتعامل مع الثقافة كسياسة، فالأعمال السياسية هي أعمال فنية عظيمة وتؤدي وظيفة جمالية للشعب، والأعمال الثقافية هي أفعال سياسية وتؤدي وظيفة تربوية ومهمة نضالية في تدبير الشأن العام وتنظيم العلاقات بين الأفراد. ولكنه بعد ذلك يميز بينها بالمعنى الخاص ويعتبر الثقافة شكل في الحياة يغلب عليها الطابع الأرستقراطي والبرجوازي يمكن أن تفسده السلطة السياسية وينظر إلى السياسة على أنها ظروف وأحداث وتوافقات تميل معظمها إلى الواقعية واليسار الاجتماعي وتكرس شجاعة القول وتفاؤل الإرادة.

رأس الأمر أن المثقف الأصيل هو الشاهد على العصر الذي يستخدم أسلوبا سهلا ولغة واضحة ويستند على معلومات دقيقة وأرقام صحيحة وقرائن ثابتة وذلك بعد تحرره من الأوهام وتبحره في العلم وتوجهه نحو إيقاظ الوعي الديمقراطي عند المواطنين وتحسيسهم بأهمية المشاركة في إدارة شؤون مدينتهم والتدخل في الفضاء العام والتنديد بالهوة السحيقة التي تفصل بين الناس.

غاية المراد أن إدوارد سعيد يسند إلى المثقف مهام التطوير والتدخل الثقافي في الأوضاع الاجتماعي والسياسية ويوكل إليه ثلاثة مهام أساسية هي:

  • مقاومة اختفاء الماضي بإعادة صياغة التقاليد وبناء التاريخ بشكل مهذب وتوظيفه في الصراع . وبالتالي الإقرار بأن “دور المثقف أولا هو أن يقدم سرودا مختلفة ومناظير أخرى للتاريخ غير تلك التي يوفرها المولعون بالقتال لصالح الذاكرة الرسمية ” [19].
  • تشييد ميادين للتعايش والتعاون بدلا من ميادين الاحتدام والتنابذ كحصيلة للجهد الفكري.
  • التأكيد على قيمة المساواة لتحقيق السلام والتكافؤ بين الأفراد في الحقوق وإعادة توزيع الثروات ومقاومة التراكم الهائل للسلطة ورأس المال [20].

هكذا تكمن الوظيفة العمومية للمثقف في الإقامة في الحقل السياسي والاجتماعي المحفوف بالمخاطر وبذل الجهد من أجل فهم ما تعذر فهمه والتجرؤ على الخروج للمحاولة ثانيا. كما أن الالتزام السياسي من قبل المثقف يجعله صادقا مع نفسه مخلصا لأفكاره ومنتميا إلى عصره.

ربما يكون أفضل درس يقدمه المثقف للإنسانية جمعاء هو التذكير بما تم تجاهله وتناسيه ومشاهدة صورة أوسع نطاق مما ترسمه السلطة والإشارة الى طرائق عمل بديلة وفتح المغاليق وفتح الآفاق وإبصار الأحداث “لا في وضعها الراهن بل من حيث تحولها إلى ما تؤول إليه” [21]. لكن هل تملك حضارة إقرأ المثقفين القادرين على اقتلاع مرض التسلط من جذوره؟ ألا ينبغي أن تتم علمنة الداعية والفقيه وخلع القداسة عن كهنة اللاهوت حتى يولد المثقف كقرار ثقافي خطير؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[12]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ص.21.
[13]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ص.55.
[14]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.89.
[15]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.314.
[16]  إدوارد سعيد ، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ص.383.
[17]  إدوارد سعيد ، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ص.454.
[18]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.297.
[19]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.305.
[20]  إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ص.305.
[21]  إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ص.111.

المراجع:
إدوارد سعيد، خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، ترجمة أسعد الحسين، دار نينوى، دمشق، 2011،
إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة محمد عناني، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2005،
إدوارد سعيد ، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عنائي، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة ، 2006 .ص.210.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. هذا جميل…لكن

    رأس الأمر أن المثقف الأصيل هو الشاهد على العصر الذي يستخدم أسلوبا سهلا ولغة واضحة ويستند على معلومات دقيقة وأرقام صحيحة وقرائن ثابتة وذلك بعد تحرره من الأوهام وتبحره في العلم وتوجهه نحو إيقاظ الوعي الديمقراطي عند المواطنين وتحسيسهم بأهمية المشاركة في إدارة شؤون مدينتهم والتدخل في الفضاء العام والتنديد بالهوة السحيقة التي تفصل بين الناس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*