أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / خرافة: العنف قوة!

خرافة: العنف قوة!

تقية محمد

577114_354329027982258_1125786487_nمن أبرز الالتباسات التي اجتاحت مفاهيم العقول قيادات وشعوب تلك المتعلقة بمعنى القوة.. حيث أنها بالأذهان تلخصت في الغالب بالعنف وكمال الأجسام بل والضخامة وكبر الحجم. إلا أنه من الممكن تعريف القوة بمنآى عن العنف والحجم وشدة الجسم. على اعتبار أنها وسيلة من الوسائل المؤدية إلى إيجاد تغيرات في سلوك الآخرين أفرادا أو جماعات من منظور اجتماعي.
إذ اعتبرها بعض المفكرين من العوامل الرئيسية في إيجاد تغيرات اجتماعية ولولاها لكان من الصعوبة بمكان تحقيق تلك التغيرات. و التغيير الحق لا يكون إلا بالبناء لا بالهدم, فمتى تهدمت النفوس ودرر الدواخل الإنسانية لن ينفع بناء بعدها إلا بشكل يعاكس تطلعات ذاك الذي حطم كنه ما في المحطمين.

العنف شئ والقوة شئ آخر تماما, إذ كان الخلط بينهما على الدوام. والفرق يكمن بالضرورة في كون القوة  إطار شامل لمجموعة مظاهر وصور. في حين أن العنف ما هو إلا مجرد مظهر شاع على أنه قوة إلا أنه بعيد كل البعد عنها لاختلال شرط  إنساني فيه: فمتى تحدثنا عن القوة وجب استحضار معنى الفضيلة معها، ومتى غابت هذه الأخيرة انحاز معنى القوة إلى معاني الشراسة والسطوة والنهب وغيرها من الصفات القريبة من عالم الحيوان وقوانينه التي تحكمه  أكثر منه إلى عالم الإنسان.

ثم شتان بين من يتحرك نتيجة لانفعاله و من يتحرك برشد.. هذه القيمة المميزة للإنسان عن غيره. والنتائج في الحالتين معلومة طبعا وألفناها بيننا فرادى وجماعات.

ثم من جهة أخرى لا يمكن حصر القوة في رد الفعل فقط, على اعتبار أن هذا الأخير ما هو إلا دوران في فلك الآخر وبالتالي قد يكون من القوة الحكيمة عدم الرد على مستقو بعنف أو دناءة لأن مجاراة من لا يفقه عن الخلق شيئا والمصر بعناد على دنائته لن تفيد معه ردود فعل إلا من جنس ما يقدم. فإذا مضى الطرف الثاني معه في السوء و الدناءة بدأ هو الآخر في الابتعاد باستمرار عن دروب عالم الإنسان.

تقابلا مع العنف, وما علق بالأذهان من مظاهر التعظيم باعتبارها قوة, فإن الحياة أثبتت بجدارة على أن القوة حركة داخلية مجردة أكثر من مادية ظاهرة, وهذه الأفضلية مبنية على قدرة الأولى على الصمود أمام المتغيرات وطابعها إن كانت حقيقية: الاستمرار حد الثبات الصامد.
نضرب هنا مثلا للفرق بين قوة الأفكار والإيمان بها من جهة والقوة الجسمانية وشدة العضلات من جهة أخرى. كما هو معلوم أنه لطالما خلدت الفكرة صاحبها  بل وأثمرت في أجيال من بعده بالرغم من ضعفه حركيا, ولنا في الشيخ الشهيد – بإذن الله – أحمد ياسين العبرة الحقة, إذ لطالما حير فهوم بني صهيون وعمالقتهم من حيث العنف العسكري وكمال الأجسام وامتلاكهم آليات التخطيط والتدبير وغيرها من وسائل واهية.. لم يعش رحمه الله يومًا حياة العبيد بل غادر إلى دار البقاء شامخا على أطيب حال يود المرء منا أن يكرم بتلكم الخاتمة!

القوة هاهنا كانت بالنسبة إليه حركة مبدأ وهدف وحياة, كانت حماس النفس ممتزجا بنقاء الروح وعفة المقصد وطهر الوسيلة وعبقرية العقل.. قوة يعيشها في نفسه أولا مستمدا إياها من القوي الأعلى إذ لا تضاهي قوته سبحانه القادر قوى الخلق المخلوق ولو اجتمعت.

رجوعا إلى العنف باعتباره عجز وليس البتة قوة.  فمهما بلغ صاحبه وأدرك, يبقى عاجز تمامًا عن تقديم ركائز التطور والتقدم على اعتبار أنه لم يرد في التاريخ قط أن يكون العنف محركا نحو الخلق والإبداع والإنتاج مع التجديد باستمرار وبالتالي لا يمثل مصدر شحنة مستجدة سواء لدى العنيف أو خارجه.
في حين أن الجموع التي وجه إليها ذلك العنف, قد تنتقل من حالة الخنوع والخضوع وردود الفعل إلى الفعل واستباق خطط وتخمينات “السيد المعنف” المصدر للعنف، وبالتالي تكون القوة حليفة المستضعف أكثر منه إلى المستبد .

في نفس السياق

مما يثير الشفقة الممزوجة بالتعجب والاشمئزاز,  الاعتقاد بأن القوة تكمن في تعنيف الجموع وقتل  الألوف والتنكيل بهم واللعب بنفوس الضعيفة قلوبهم والهشة عقولهم على اعتبار أن مكسبهم أزلي أبدي وأن الخلود حليفهم وهم موقنون تمام اليقين بأنهم كليًا على خطأ في سيرهم وأنهم لا يملكون حق ذلك. لكن استقواءهم  بالعدة والعتاد الماديين ووهم اصطفافهم في مصاف أسلافهم أو أصنامهم في المحافل الدولية من الحاضر التائه الذي نعيشه, أعمى بصائرهم فلم تعد تشتهي النظر إلا إلى وجودهم هم وأمثالهم ومواليهم.. متناسين بذلك سير الأولين وحتمية حركية التاريخ وانقلاب تلك التي يعتبرونها بأعينهم موازين عليهم.. ثم مستهترين بأن لا غالب إلا الله ولا خلود إلا له سبحانه وأن لا قدرة ولا قوة ولا إرادة إلا لبارئ الروح في الخلق والقادر على سلبها كيف ومتى يشاء ونحن بذلك مسلمون ولحكمته سبحانه مذعنون !

 والضعف, ليس دائمًا مذمومًا.. فمتى توفر الجد والعزم كثيرًا ما يكون حيلة ووسيلة استقواء أو تمهيدًا لدخول مرحلة بناء  قوة  ثابتة صامدة في أتم سكون وهدوء بعيدا عن الشوشرات وزيف الإشهارات الذي مفادها في الغالب التعالي.. قوة الضعف  هاته هي حلقة وصل بين مرحلتين, ربما يبدو في ظاهرهما التباين وفي باطنهما التسلسل والتكامل. إذ أن الثانية ما هي إلا امتداد للأولى. فالضعيف غالبا وطبيعي أن يتعامل مع القريب من مستواه في جوانب عدة, أي أنه كثيرا ما يكون في حركة تذبذب وتواصل مع ضعيف مثله حول الحاجيات والكماليات التي تخصهم وضد الضغوط التي يمارسها الطرف المستقوي عليهم بغير وجه حق. فيحدث تحرك في دواخلهم ويحدث التفاف وتكتل وتوافق حول مكمن ضعفهم وضد من سلبهم حقهم بغير حق.

في هذا السياق

حتى يمكننا الحديث حق الحديث عن القوة, وجب شرط التماسك بين المستضعفين والثبات حول المبادئ المستوحاة برزانة وواقعية  آخذة بعين الاعتبار الإمكانات الراهنة ومتوقعة احتمالات مستقبلية من بينها احتمال العدول عن خطوات انتهجت مسبقا وإمكانية العودة إلى الثكنات رجوعا هادئا وازنا إيجابيا بعيدا عن الاستسلام واليأس والاسترخاء.
وعليه, تكون الرزانة والعزم والإخلاص والتركيز والإصرار هي موطن “أعتى” قوة.. أصلها جميعا الدواخل وكمالها سبل ترجمتها في الخارج من ذهاء عقلي وإخلاص للمبادئ وحفاظا على الخلق.. بذلك هي تفوق التغول المبني على القوى المادية من بطش ومال وعنف!

 والضعف.. هو في ظروف ومواطن كثيرة سنة الله في خلقه ولا خلاف عليه, فكيف يكون حصره بمن هزل جسده أو انخفضت مكانته الاجتماعية وعلاه آخرون من “الأسياد” في معالم القوة من كل صنف؟ الضعف الإنساني طبيعة في الخلق, ضعف أمام سنن الله في الحياة, ضعف أمام عظمة الله البالغة المتجلية في ظواهر الطبيعة ومظاهر الحس والرقة.. وإذا أظهرت الأديان مواطن جزع المرء وضعفه ففي غالب الأحيان من باب ملامسة الجرح ومنبعه ومعرفته حتى تتسنى معالجته أو معايشته.. وديننا الإسلام لم يكون يوما دوره التخدير بل التهذيب و الهداية إلى الحق بالعقل و الحس وغيرهم ..

ولنضرب هنا مثلا بالصبر كقيمة على ميزان القوة, فهو قوة متى كان متآلفا مع تحمل ظروف القسوة والضغوط على أنواعها من أجل بلوغ الغايات ومتى كان سبيلا لنصرة القضايا وإن كلف الأمر الروح.. وما الصبر من موقع العجز عن الرد والرضوخ بصبر.. فهو هنا إذن استسلام والاستسلام غير الصبر. معناه أن يفشل المرء منا في صموده في استئثاره بقوة ما؟ معناه أن يبحث عن بديل تتجلى فيه قدرته التي كرمه الله بها وخصه بها دون غيره.
هنا على سبيل المثال يقول الكاتب الفلسطيني “غسان كنفاني”: “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية”. والمعنى المستخلص هنا له أبعاد كثيرة. فتغيير المدافع يكون بتغيير الخطة, ومن هو أهل في العمل العسكري ليس بالضرورة مكانه بالدفاع الذهني والإستراتيجي.. وعليه, لم يكن الصبر منطلق شلل الإرادات وخضوع العزائم والهمم وإلا لن يكون قيمة إنسانية عالية منبع قوة بالغة حقيقية.
هنا يحضرنا كلام الله الحكيم سبحانه في سورة يوسف: “فصبر جميل”.. هنا تريث كان رده إلى الله -جل علاه- الذي هو مصدر أعمق وأنبل وأشد قوة أزلية مطلقة من رامها بإخلاص وصدق التوجه لله طلبا إياها أغنته عن الخشية من أي مصدر آخر لها.. ولنا في المعتقلين وأشكال صمودهم من صيام وقيام وحكمة تنبض بنبضهم لعبرة!

ذاك هو حال الكثير من القيم التي بموجبها يعد صاحبها قويا بعيدا عن قدرته على البطش والتعنيف.. قس على ذلك مكمن القوة في كل من الحكمة والحلم والتواضع. فالحكمة على سبيل المثال فيها من القوة ما يمكن أن يتفوق على حروب, إنما في متاهات عصرنا الحالي الذي شوهت فيه المفاهيم وجب طرح السؤال التالي: من هو الحكيم بل أين هو؟ ثم إن وجد من يسمع لنداءاته ويعمل عقله وروحه معها فيقوم ثم يستقيم ويرجع عن سلوك الخطأ !

الحكمة في وسط معتل احتمال فاعليتها في العلاج ضئيل مقارنة مع نسبة طمرها المحتملة !

 إذا كانت القوة توزن بقدر إلحاق الأذى وتعميقه  فمالذي يمكن قوله عن ضبط النفس؟ و لماذا وجد الحلم والصبر كصفة أخلاقية إنسانية مميزة؟ ثم من جهة أخرى هل يمكننا الحديث من منظور عمق الأذى وإلحاق الضرر لدى طرفين متباينين من حيث العدة والعتاد؟

“وجادلهم بالتي هي أحسن” آية من سورة النحل, توحي بعمق تأثير الحكمة بدل العنف, وبأن قوة التأثير في كسب النزال الجدلي لم تكن بتاتا العنف.. وإذا قوبلت قوة البرهان وتراص الفكر وعمق الحجة وربما حتى موطن المشاعر والعطف والرحمة قوبلوا بعنف فإن المعركة محسومة لصالح الإنسان حتى وإن سيطر العنيف على المشهد.. إذ أنه برهن على مدى انتمائه لعالم الحيوان أكثر مما كرمه الحق القوي سبحانه به.  

الصبر قوة, المبادئ قوة، وقوتها هاته تكمن في مدى الثبات عليها والعيش بها.. تتلاشى متى غاب الثبات. فالثبات إذن أقوى من المبدأ نفسه وهو مستوحى من قيمة الإخلاص.. صح قول القائلين في  قولهم: لو أن إخلاص أهل الحق للحق كإخلاص أهل الباطل لباطلهم لتحركت الموازين بقسط.. 

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

3 تعليقات

  1. القوة إذن هي حراك القيم ووضوح الاهداف ، أمــا العنف فهو التخبط والعصبية… هي الفرق بين عقل للامور ووزنها وبين هياج الغرائز وتدميرها……………….بارك الله فيك وبتوضيحك المفيد

  2. حفظكم الله أستاذنا و متعكم بنعمة العافية و أدامكم ذخرا لنا .. بكم نهتدي و منكم نتعلم و بتشجيعكم نرتقي بإذن الله و الله المستعان ..

  3. *عالم الحيوان ملىء بالنماذج التى من الممكن ان نتعلم منها القوه بمعناها الايجابى مثل صبر الحمار على اذى صاحبه , و ثبات النحل فى تصديهم لاى عدو يفكر فى هدم خليتهم , وذكاء النمل فى الحصول على الطعام ….الى اخره
    *وكذلك من الممكن ان نتعلم من عالم الحيوان ..القوه بمعناها السلبى “بألا نفعل مثلهم” مثل صراع الثيران ع السلطه , و صورة المفترس والفريسه …الى اخره
    “وبالتالى عالم الانسان يشبه عالم الحيوان …بايجابياته وسلبياته , والاكثر من ذلك اننا نتعلم منهم فى ايجابياتهم وسلبياتهم “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*