أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / العزلة الوجدانية والوجودية

العزلة الوجدانية والوجودية

اسلام العدل 

e94c518cffd415acc8c75f9d6583f85aبين الحين والآخر تخرج بعض الصيحات المتناثرة هنا وهناك كرد فعل على ظلم قائم أو وضع قاهر مفادها: “فليذهب هؤلاء الظالمون ومن عاونهم إلى الجحيم .. وليذهب الصامتون معهم غير مأسوف عليهم” ولسان حالهم يردد: “واعتزلكم وما تعبدون من دون الله” في غير موضعها، هذه الصيحات وغيرها تبني جدرًا حول أشخاص يحسبون أنهم علي الحق وأنهم حملة رسالة وقد يكونون كذلك بالفعل إلا أن تلك الجدر تزداد سمكًا وغلظةً يومًا بعد يوم حتي يصبح من الصعب بناء أي اتصال بين المحسوبين علي الحق والمحسوبين علي غير ذلك، إما لسماكة الجدران التي بنيت أو غلظة القلوب التي اعتزلت، وهذا الاتصال ضروري وإن كان صعبًا علي النفس لأسباب عدة؛ أهمها: أن تجاوز الوضع القائم وتغييره لا يتأتي باتخاذ وضع جنين لا حول له ولا قوة معتزل للناس غير داعيًا لهم في الخير ولا مشتبكًا معهم لرد الشر.

وهذه العزلة المدعو لها ليست مذمومة بإطلاق وليست محمودة بإطلاق؛ فهي ككل أمر يجب أن يؤخذ بحقه ويقدم على حقيقته لذا احتاجت العزلة أن يتم الحديث عنها بشئ من الإيضاح يبين متى تصح؟ وكيف تصح؟ ومتى تكون مذمة لصاحبها؟ ولماذا تكون كذلك؟

الحقيقة أن الغالب على العزلة التي يدعى لها بين حين وآخر أنها تكون هربًا من الواقع وابتلاءاته تارة واستعلاءا عليه وعلى مفرداته من بشر وأحداث تارة أخرى، وهذه هي العزلة المذمومة على حاليها، فالأولى تناقض كون الإنسان الراشد بين حالين إما آمرا بمعروف أو ناهيًا عن منكر لا ثالث بينهما والثانية تنطلق من الكبر، والكبر معصية إبليس ومدخله إلى بني الإنسان وكلاهما نقيصة للرشد ومضيعة للإحسان ومذمة في حق العاملين في الإعمار.

والعزلة عزلتين، واحدة على إطلاقها مذمومة بقدر استعلائيتها كما أسلفنا، والثانية محمودة فقط بقدر موضوعيتها. وتنقسم الثانية كذلك إلى قسمين.. الأولي: وجودية، والثانية: وجدانية.

أما العزلة الوجودية فهي عزلة واقعية حقيقة يتم فيها الانفصال عن الواقع شكلا وموضوعا واعتزال الناس وأعمالهم وقت التباس الأمور ببعضها، وكأن صاحبها غير موجود بالمرة  فيلجأ إلى أن يلزم فيها بيته ويكف عن الناس لسانه وهذه عزلة محمودة قدر اقترابها من الموضوعية وابتعادها عن الإدعائية  (فكم من أناس يعتزلون والحق واضح والباطل واضح ادعاءا لأنها فتنة ثم لايلزمون بيوتهم و لا يكفون عن الناس ألسنتهم!) ناهيك بالطبع عن ابتعادها عن الاستعلاء أو عن الهروب من المواجهة أو تحمل المسؤولية أو الصدح بالحق.

أما الوجدانية فأقرب المصطلحات إليها مصطلح العزلة الشعورية، إلا أنها إذا كانت شعورية فهي ليست بعزلة وربما تسميتها بمصطلح العزلة يُحملها من المعاني ما لا تحمل فهي حقيقة ليست من العزلة بشئ علي الإطلاق، فهي ليست انسلاخا من الواقع ومعطياته ولا انفصالًا عن المجتمع بسلبياته إنما هي حالة وجدانية يعيشها الإنسان الراشد يؤسس فيها نماذجه الإدراكية النظرية ويعد لها المجال لتتحول إلى نماذج إدراكية عملية يشتبك بها مع المجتمع من حوله فهي أقرب إلي هدوء ما قبل العاصفة ترتب فيه الأوراق وتعدل فيه الأفكار وتنسق فيه النماذج ويدخل فيها الراشد كل يوم وليلة يحاسب نفسه تارة ويعدل أفكاره حسب المتغيرات ووفق ثوابته ومبادئه تارة أخرى. وبذلك فهي ليست بحال من الأحوال انفصال أو اعتزال إنما ومضة وجدانية في طريق مظلم تعين صاحبها علي الاشتباك مع الواقع برشد والتعامل معه بإحسان.

وعلي ما سبق فيصير الرد على دعوات الاعتزال: إن كل نقمة على ذلك المجتمع لا يتبعها دعوة في سبيل الله هي من الاستعلاء المذموم وإن كل هجر له بإطلاق هو من الاعتزال المذموم ، فإن جمهور دعوة الإسلام كان الكفار والمشركين وعبدة الأصنام فصار منهم خير أمة أخرجت للناس. معادلة صعبة لكنها حقيقة لا تحتمل المغالطة.

 فإذا كان المجتمع كافر بالله دعوناه إلي التوحيد،  وإذا كان كافرا بالإسلام دعوناه إلي التسليم،  وإذا كان كافرا بالإنسانية دعوناه إلي مبدأ التكريم (تكريم الإنسان من حيث هو إنسان)  وإذا كان كافرًا بالعقل دعوناه إلي إعماله (من حيث كونه محور التكريم ومناط التكليف).

ولو وضع الناس أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم واستكبروا استكبارا ما منع ذلك أصحاب الرسالات من المضي.. المضي إلي الأمام في دعوة كل من كان له قلب حتى يأت فتح الله وفرجه أو أن يلقوا الله على ذلك مقبلين غير مدبرين . متمين شجرة الأنبياء والرسل والصحابة والتابعين وتابعيهم غير قاطعين لها أو متملصين من مسؤلياتها وواجباتها.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*