أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الدراويش والمنطق

الدراويش والمنطق

Illusion

هبة عبد الجواد

العمة والعباءة، الراية الخضراء في ساحة فسيحة ورؤوس تتمايل بالذكر مع احتفالات ليلة القدر والنصف من شعبان، أو خمار ريفي طويل ولحية مع جلباب قصير، أو صورة على الإنترنت لحبة بطاطا عليها لفظ الجلالة وقصص عن سحر تم فكه على يد الشيخ فلان ومنتديات تنشر أحاديث ضعيفة وموضوعة عن بعض الأعمال الصغيرة  التي تحصد من وراءها حسنات كثيرة.

خطاب سياسي من على منبر ومعركة الكفر والإيمان في صندوق انتخابات  صورة مخلطة من مزيج من كل هذا خلق دعوات  من هنا وهناك بثورة على الماضي وتمرد على التقليد ونبذ الدروشة التي أودت بنا إلى التهلكة أو هكذا رأوها.

صورة مغلوطة عن روح الدين تم اختزالها في تلك المظاهر، أنشأت خطاب يحاول خلع الدين من الحياة وفوبيا متطرفة من كل ما يتصل بتجليات الإسلام في الحياة العامة.
حالة من الفصام والفصل شهدها عصرنا الحالي وثنائية فصلت بين المنطق وروح الدين، ثنائية تشكلت ليس في وقت قصير ولكن في مدة طويلة لأسباب عديدة، منها أسباب تتعلق بمستوى فهم الدين عند الفرد والذي تحول إلى ثقافة عامة عند المسلمين، ومنها ما يتعلق بما نسميه الإسلام الحركي، ومنها بسبب التطرف في نبذ الخطاب التقليدي أو في تطرف الخطاب التقليدي ذاته وتمسكه بقشور بلا مضمون حقيقي:

عند التقليديين:

  • نسبة كل شئ إلى الإسلام بشكل أفسد فهم الحياة عند المسلمين وبات من أيسر الطرق أن تقول الفن الإسلامي، الهاتف الإسلامي، الحزب الإسلامي مما ساعد على تكريس لغة الفصل أكثر وكأن هذا هو الإسلامي وغيره ليس إسلاميًا، وفي المقابل وبعيدًا عن المسميات والأسماء تجد فراغًا وشللًا روحيًا وأخلاقيًا وقيميًا.
  • غلبة الانتماء إلى الشئ (الكيان أو الحزب أو المجموعة أو الحركة) على حساب الانتماء إلى الإسلام كدين وكنظرية للمعرفة ومبادئ وفلسفة مما أنشأ حالة من الاستقطاب والتعصب وخطاب تناحري وساهم في حدة الفصل بين ما هو إسلامي (بصورته عند الجمهور) وبين ما هو غير إسلامي.
  • الخطاب الإسلامي المعاصر مع بدايات نشأة الحركات الإسلامية وانتشار هذا الخطاب في الأوساط  الإعلامية والأوساط السياسية والذي رسخ في الأذهان أن الإسلام دين يقوم على:
  1. الركون إلى الثقة والإخلاص في العمل دون التفكير وإعمال العقل.
  2. تقديس الأشخاص على حساب تقديس الأفكار.
  3. الخلط بين الثابت والمتغير ( المبدأ و المنهج ) .
  4. خطاب شعوري يُغلب العاطفة على حساب الواقع ( الخلافة واستعادة عظمة الإسلام المسلوبة… إلخ).
  • بعض الممارسات السطحية مع نشأة القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات من خطاب يستخدم من الشعوذة والمظاهر الدينية كالتصوف على غير معناه الحقيقي مدخلاً لفهم الحياة والتعامل معها وانتشر حينها  وحتى اليوم العلاج بالقرآن وعلاج السحر وفك الجن والعفاريت عن الإنسان، وحبة الطماطم التي عليها لفظ الجلالة  أو شجرة عليها كذا وكذا مما جعل بعض المستفيدين من هذه السذاجات في حصد.

 عند دعاة الوسطية وخطاب الحوار بين الحضارات والباحثين عن نقطة تجمع بين الخطابين:

  • محاولة تأصيل للمستورد من الخارج، جاء مع بزوغ نجم التنمية البشرية وعلوم الإدارة فكان أشبه بمن يرقع ثوبًا جديدًا بتقطيعه ثم حياكته من جديد فلا هو أخذ الحسن كما يجب أن يُؤخذ ولا هو حاك ثوباً كما يريد، والسبب في ذلك نضب الإنتاج الفكري والثقافي النابع من احتياجات البيئة العربية والإسلامية وخاصة في مجال العلوم الإنسانية.
  • الاقتراب الزائد من الخطاب الغربي مما استفز التقليديين وزاد من تطرفهم وتمسكهم بخطاب إسلامي زاد من حدة الفصل والفجوة بين ما نُسب إلى الإسلام من خلالهم وبين الداعيين إلى فصل الإسلام عن الحياة السياسية والفن والثقافة وخلافه.
  • تمييع مبادئ الإسلام ومقاصده في خطاب هلامي لا يستند إلى مرجعية واضحة وغلبة محاولة تصحيح الصورة الخاطئة عند الآخر على محاولة إنتاج خطاب يعبر عن طرح راشد يعبر عن تجليات روح الدين في الحياة العامة والسياسات المنبثقة عنها سواء على مستوى العمل الحزبي.

عند دعاة الثورة والتمرد على الموروثات بشكل مطلق:

  • الانطلاق من مسلمة أن مرجعية الوحي ونظرة التوحيد تتناقض مع العقلانية والمنطق بسبب ما يطول شرحه الآن من سوء فهم للدين بدأ منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
  • قصر صورة الإسلام في النماذج  المعاصرة من حركات وكيانات وممارسات فردية  على أنها صورة تجليات  الإسلام في الحياة، فانطلقت دعوات التحرر دون محاولة قراءة حقيقية لمقاصد القرآن الداعية للإعمار وهداية البشرية جمعاء وصبغ الحياة بروح الدين دون الحاجة إلى الفصل بهذا الشكل الذي عززه الإسلاميين – بالمعنى الحركي -.
  • أطروحات التجديد الثقافي والفكري أو ما سُميت بـ “التنوير” ودعوات تفكيك الخطاب الإسلامي التي بدأت مع بدايات القرن العشرين والتي كانت تحاول أن تنفي عن نفسها الالتصاق بالمقلدين من التيارات الإسلامية المختلفة أو رموز الإرشاد الديني؛ فأخذ خطابهم الفكري منحى عقلاني جامد خالي من روح الدين ونوع من تأليه العقل الذي لا يناسب فطرة الإنسان ولا حاجاته النفسية والروحية للحياة، مما جعل هذا الخطاب التنويري فشل في علاج الخلل.

وما يتم دائمًا هو محاولة علاج القصور في خطاب أو في حراك عن طريق الميل كل الميل في ناحية دون الأخرى يؤدي في نهاية المطاف إلى أن يصبح الدواء داء فيأتي جيل آخر يحاول علاج القصور بدواء يميله كل الميل إلى ناحية أخرى مرة ثانية وهكذا لا نصل إلى نقطة الاستقامة.

وهذا هو حال من يجيب على سؤال الأزمة ولا يجيب على سؤال من نحن؟ وماذا نريد؟، وهو سؤال ليس بالتعقيد الذي يجابهنا كجيل إلا أن الكم الهائل من الأطروحات التفكيكية والأطروحات التجديدة جعلتنا نغوص من  عمق إلى عمق أودت بنا إلى تساؤلات مفروضة في غير محلها.

إن إعمار الحياة والتفاعل معها بقراءة للدين من منطلق مرجعية الوحي الأصولية، لغة ومعنًا وحكمة ومقاصدًا، دون محاولة صبغها بمرادفات تسهم في اتساع فجوة الفصل بين روح الدين والحياة، والتركيز على إنتاج سياسات لكل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية والفنية والثقافية بتجليات الدين لهو واجب الوقت، دون أن يُوضع في الحسبان الفهم الخاطئ لدى الآخر، ودون أن يتم التركيز على المظاهر والقشور وعلاج النتائج دون ملء الفراغ المعرفي وعلاج الشلل الروحي.

من حق بل من واجب من يدين بدين أن يبحث عن تجليات روح دينه في الحياة، والعلمانية فلسفة يمكن دحضها بفلسفة للحياة تمتزج بها روح الدين، والفوبيا من صبغة روحية تصطبغ بها أطروحة  فلسفية أو منهجية أُعمل فيها العقل والتفكير المستقيم ليست فوبيا في محلها وغير منطقية.

استدعاء معاني الإخلاص والتجرد والتعلق بالله ونبذ الهوى وحب النفس ليست دروشة؛ وإنما هي من مقدمات أن يُعمل الإنسان دماغه كي يعقل الأمور برشد، ويتحرك بإحسان ليعمر الأرض.
والتفكير وإعمال العقل لا ينفي روح الدين وإنما يعززه ورود كلمات (يعقلون) أو (يتفكرون) أو (ينظرون) في القرآن الكريم في أكثر من موضع يدل على ارتباط الإيمان الصادق بإطلاق طاقات التفكير عند الإنسان.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*