أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / مجتمعات العدل والحرية

مجتمعات العدل والحرية

م. محمد صالح البدراني

1361471290_grudge_against_societyمجتمع العدل والحرية، تأملت هذا العنوان كثيرًا ودار بخلدي هل الحرية أولا أم العدل؟

ولعل ما يطرق الذهن من مشاهد محسوسة وواقعية هي ما نراه من مجتمعات تنادي بالحرية، لكنها لم تصل العدل ولا العدالة منهجها، رغم أنها تبدو حرة.
إن الحرية اختيار ونسبية فقد تكون الحرية بمعنى أنك خارج مبنى السجن، وقد تعني أنك لا تلتزم بأية التزامات، وقد تكون حرية في التفكير والتدبير، أو حتى تمكنك من قرارك أو إمكانية الطفل أن يلعب مع أقرانه بقراره دون محددات الوالدين.

نلاحظ أن هنالك معاني ترافق محورين هما ببساطة المعلوماتية والتوازن الذهني مع الغرائز، والاثنان مرتبطان بنفسية تشكلها المعلوماتية، فنجد أن المعلوماتية تقع في جانبين من الإنسان في التخطيط والتنفيذ.

العدل كقيمة تعني مسيرة وهي تلخص بكلمة التوازن؛ فالتوازن عدل لكنه ليس مرتبطا بالحرية تماما فهنالك حالات عدة تمتلك التوازن ومستقرة على أوضاع عديدة، إنما إمكانية التطور والاتساع تقتضي حراكا وهذا يعني تحرر العناصر والأبعاد وبالتالي فنحن نربط الحرية مع العدالة هنا؛ وهنا أيضا علينا أن نميز بين العدالة والمساواة، فالمساواة ظلم رغم رنين الكلمة الجميل لأنها في الذهن تعني العدالة وليس المساواة بجوهرها.

فأنت لا تحقق العدل عندما تمنح الناس مبلغا واحدا، لكنك تحققه إن سددت احتياجات الجميع، بالمقابل إنك لن تكون عادلا إن أعطيت الجميع أجورا واحدة وأنت ترى أن هنالك عاملا جادا وآخر متهرب متلكئ.
هذا سيخلق خللا في المجتمع وفي إحداث فسادا إداريا وماليا مع أنه أمر بسيط قد لا يظهر إلا لبعض الناس لكنه ينتقل كفكرة وتتراكم مصداقيتها مع ذات الفكرة من نقص آخر لتصبح مشكلة واهتزاز في ميزان العدل مع أنك حققت المساواة.

والعدل لا يتحقق بالعفو – رغم أن العفو صفة إنسانية محببة – لكن استخدامها في غير محلها تعني كما تعني المساواة من ظلم، والنتيجة هي ارتداد المجرم وتمسكه بمنهجه وضياع التوازن والحق وفقدان الحرية.

من هنا نلاحظ أن العدل يسبق الحرية ليس سبقا زمنيا وإنما سبق الأولوية، فمن المؤكد أن الثورة تعني نوعا من المخرجات المعبرة عن الحرية بيد أنها بدون تحقيق العدالة الانتقالية تفتقد معناها وتفتح أبواب الردة لأنك أيها الثائر ظلمت الأمة حين تسامحت بما لا يتسامح به وتركت أبواق التضليل تصدح وتخدع شعبًا غضًا طريًا لا يجدك قويا؛ لأنك فعلا لم تك قويا بالحق وآليت تسامح الناسك على همة العامل بل ظلمت التائب حين ساويته بالمتربص الضال. ولا أنت نزعت الخوف حقا من الناس بل افترضت كل ذلك، فإزالة الخوف ليست دخولك المعركة مع جند بعتاد وإنما حسن التصرف إن حمي الوطيس.

للعدالة أولوية على الحرية

للعدالة أولوية على الحرية، وهما ليس معا إلا في مراحل متقدمة، ومعالم الحياة في أي مجتمع هي تجمع من عوامل عدة لا تنطلق من نقطة واحدة لكنها تتجمع لتسير معا في مرحلة الاستقرار، فلا ينبغي أن نقارن البدايات في مجتمع مع المسيرة في مجتمع آخــر مستقر (لاحظ الشكل*)، ولأن تعريف المجتمع نفسه يعطيك فكرة عن هذا، فهو: مجموعة من الناس تلتقي على قيم وقوانين نافدة متفق عليها ضمن فكرة واحدة تشكل أساس ثقافة المجتمع.

14

هل بإمكاننا أن ننشئ مجتمع العدل والحرية؟

نعم بالتأكيد.. وهو أمر ليس باليسير لهذا نرى ومن السياق القرآني أن الله يعظ الناس في طريق الصواب لكنه -عز وجل- يأمر مع العظة بالعدل والإحسان والترابط الاجتماعي وينهى عن ارتكاب المعاصي والأشياء المنكرة البسيطة التي نوهنا عن مثالها من قبل، وكذلك ينهى عن البغي، ومن البغي سلب الحرية. ثم يذكرهم بأنها عظة وستتذكرونها من نتائجها -وقد تذكرناها-، ونلاحظ الأمر الإلهي في موضع آخر هو أن الله يأمر بأن تؤدى الأمانات إلى أهلها بلا ريب ولا واسطة، وإذا حكمتم أن تحكموا بالعدل.

العدل متكرر في الأمر وكما بينّا أن العدل ليس المساواة، وإنما من تطبيقاته نرى التوازن في المجتمع وهذا يعمل على تحسين نفسية المجتمع وينضج من عقليته، فبالتالي تكون له خياراته، والخيارات هذه هي الحرية في ماهيتها.. وليس من أمر أوضح من الخيارات كتعبير عن الحرية وكما هو اتفاق أفراد تكون الحرية بالتالي وفق هذه الثقافة العامة والخيارات نجدها في الجانبين الفكري والمدني (الحضاري والمدني) وهذه من معالم الصحة في المجتمع.

إن غرائزنا وأهواءنا هي التي تجعلنا قابلين لاحتلال واستعباد نفوسنا من الطغاة، الحلم بالعيش الهادئ الرغيد دون سعي، وإنما إلقاء اللوم على العاملين، كثرة التنظير الذي يشحن ويتفرغ في المجالس دون عمل يتبعه أو قبول لتصحيح، ملخص هذا سهولة غير متاحة مع رغبات وأمنيات قد تكون متوازنة وضرورية بيد أنها لا ترتقي إلى الأهداف؛ لأن الهدف يحتاج إلى بلورة عقلية وعمل، ولا ننسى النظرة إلى العاملين من خلال الخوف على استقرار الوضع الحرج غير المرضي عنه، وهنا نلاحظ ارتباط العدل مع ضرورة الحراك والحراك يعني الحرية، فأمة مستعبدة تحلم بالتحرر في نومها وليس يقظتها، ذلك أمر ليس بالمنال.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*