أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / منطق العمران بين التأنس والتوحش [1/2]

منطق العمران بين التأنس والتوحش [1/2]

د. هبة رءوف عزت

 hiba ezatنحتاج اليوم أن نتوقف طويلا أمام فكرة ابن خلدون عن مدار التاريخ وتحولات الاجتماع، قبل أن نتحدث عن تغيير مأمول أو نهضة منشودة في واقعنا العربي والإسلامي، وإذا كان تأسيس المُلك على العصبية ومراحل صعود وهبوط الدول هي أهم ما انشغل به الباحثون في فكر ابن خلدون؛ فإن هذا المقال ينطلق من فكرة مركزية غابت عن البحث والتحليل، ألا وهي منطق دوران المجتمعات «بين التوحش والتأنس»، وهو ما ذكره القرآن من تغير الأنفس بالإعراض عن المنهج واتباع الهوى الذي يورث سلب النعمة.. أو رفع البلاء بتغيير الأنفس وإصلاح القلوب.

ويذهب هذا المقال إلى الحاجة الماسة للانتقال في التفكير في النهضة من أولوية السياسي /الدولة/ المؤسسي إلى مبدئية العمراني/الإنساني/النفسي، في فهم مفاتيح التغيير ومناط التحولات التي شهدناها ونشهدها في مجتمعاتنا العربية الراهنة، وذلك في ضوء بعض مداخل مقدمة ابن خلدون.. ثم ينظر في درس المنهج وأهمية تجديد التفكير في مداخل التغيير.

يقول ابن خلدون:

اعلم أن حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر، بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال». وهنا يشير ابن خلدون إلى حقيقة التاريخ بلفظة «الاجتماع الإنساني»، فهو يشير إلى أن قراءته أشمل وأوسع من النظرة المعتادة لـ«التاريخ» باعتباره رصدا للأحداث السياسية، أو التاريخ العسكري وسقوط الأمم، أو علوّ شأنها، بقدر ما يعني في جوهره «أحوال الاجتماع الإنساني» ككل، بما يطرأ على أفراده من تغير في مبادئهم الإنسانية وأخلاقهم وأثر ذلك على النهضة والسقوط. بما يذكرنا بحديث رسول الله [حين سُئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم.. إذا كثر الخَبَث»].

وفي استخدام ابن خلدون لتعبير «التوحش والتأنس» دقة بالغة في وصف التغيرات التي قد تطرأ على الأحوال الاجتماعية للأمم، حيث إن التمسك بالمعايير الأخلاقية هي عملية متغيرة تميل إلى الصعود والهبوط، متأثرة بما يجدّ على الواقع من أحداث وظروف، وليست نعتا ثابتا أو وصفا لصيقا، لا يتغير لأية أمة مهما بلغت، فقد قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقال الله: إنهم بشر ممن خلق، وقرن خيرية أي أمة بالعمل، ثم قال: وإن تتولوا.. يستبدل..

وفي التاريخ أمثلة كثيرة لأمم انتكست فيها القيم الأخلاقية، فارتكست حضاراتها، لذا نحتاج لفهم أعمق لما كان يعنيه ابن خلدون بأهمية دراسة علم الاجتماع الإنساني، تفاديا للصور النمطية المثبتة عن المجتمعات، كأن توصف بالتمدن والحضارة رغم تنامي معدلات التوحش والعنف الاجتماعي، أو توصم إحدى الشعوب بميلها إلى العبودية أو اللاأخلاقية رغم تطورها وتنامي الالتزام بالفضائل الدينية والمدنية لديها.. فنسقط بذلك في مستنقع العنصرية البغيض.

كان ابن خلدون يرى مثل روسو الذي جاء بعده بقرون أن الخير في الإنسان مقترن بتكوينه الفطري الأول، وبنمط حياته البدائي الطبيعي. وأي بعد عن خصائص وصفات البراءة الأصلية للفطرة الإنسانية في تاريخها الأول، قبل تأسيس الدول والكيانات المؤسسية الهرمية، يؤدي حتما إلى إصابة الطبيعة البشرية -الخيرة أساسا- بآفات تأسيس المُلك وسكنى الحضر والبعد عن الطبيعة، ومن ثم يأتي تحول الطبيعة الإنسانية إلى طبيعة أنانية، وتغطي الفطرة النقية طبقات من التعقيدات التي تحجبها عن أصلها وذاتها، ثم تفسد الأخلاق وتضعف القيم، وعندما تصير هذه ظاهرة اجتماعية في مجتمع أو حضارة فلا يتناهون عن منكر فعلوه، فإن التفكك والانهيار يصبح المصير المحتوم لهم.

وساهم ابن خلدون في تحليل الأخلاق في سياق نظرته للعمران، فربط بعضها بالمناخ والجغرافيا، وفي تفسيره لعلم النفس الاجتماعي والبنية النفسية للمجتمع تحدث ابن خلدون عن اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع، وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان الخلق وأخلاقهم، فالظروف المحيطة بالإنسان تؤثر على رؤيته للقبيح والحسن، فتُعِين أو تخذل الفطرة الأولى، وهو أمر غفل عنه الكثير من العاملين في حقل الدعوة في سياقنا المعاصر، فظنوا أن محض إرادة الفرد تغير سلوكه، غافلين عن الشرط الموضوعي، وعلاقات القوة والسلطة المحيطة به، لذا كانت غاية الإسلام تغيير الفرد بالتوازي من تغيير أبنية القوة والسلطة وموازين الأحكام وشبكات المصالح ومعايير المكانة الاجتماعية، بخلق مساحات للمجال العام وكسر اقتران المكانة الاجتماعية بالعصبية القبلية، أو الجنس، أو اللون، وإعادة توزيع الثروة، وبث روح جديدة بالتآخي بعد الهجرة، وتأسيس دولة مدنية على دستور سياسي وأخلاقي.

وتميز تحليل ابن خلدون بأنه ميز بين أمزجة البشر وقدراتهم، لأن ذلك مدخل مهم لمعرفة قدراتهم النفسية وحدود تعاملهم مع الواقع ومداخل تغييرهم ومخاطبتهم وتفعيل وعيهم، وهو ما يتسق مع المنهج القرآني الذي خاطب أصناف الناس بأساليب شتى، والمنهج النبوي الذي راعى نفوس البشر وخصوصية الفردية في كثير من المواقف، من تنوع الإجابات على نفس السؤال لمعرفته بحال صحابته، إلى وصفهم بصفات وسمات متنوعة لإدراكه لنقاط قوة وضعف كل واحد منهم، إلى معرفة نفسية أبي سفيان في الفتح وأنه رجل يحب الفخر، فمنح داره مجال الأمان.. وهكذا.

يقول ابن خلدون: “إن النفوس البشرية على ثلاثة أصناف: صنف قدراته تنحصر في المدارك الحسية والخيالية. وصنف يتسع نطاق إدراكه عن الأوليات التي هي نطاق الإدراك الأول للبشر، لفضاء الوجدان، وهذه مدارك العلماء الأولياء أهل العلوم الدينية والمعارف الربانية. أما النوع الثالث فهم المصطفون الذين هيأ لهم الله أرواحهم وأبدانهم لتلقي الوحي الكريم، وهم الأنبياء”.

كما راعى اختلاف أثر التجربة واللحظة التاريخية على منهج التفكير حين تحدث عن اختلاف الأجيال، واختلاف الأفهام لاختلاف طرق العيش والحرف والصنائع فقال: «اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش… ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعاونوا في الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها، وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر، ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت، واستجادة المطابخ، وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها، من الحرير والديباج وغير ذلك، ومعالاة البيوت والصروح».

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. أحمد العوضي

    مقال رائع …. كم نحتاج هذه الفترة الحرجة وسط هذا الضجيج والصخب لصوت عاقل يهمس بمثل هذا القول الحكيم عن أحوال الأمم وهذه النظرة العميقة للتاريخ وكيفية إستقراء الواقع والتأثير فيه

    أنتظر بفارغ الصبر المقال المكمل 🙂

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*