أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / منطق العمران بين التأنس والتوحش [2/2]

منطق العمران بين التأنس والتوحش [2/2]

د. هبة رءوف عزت

hiba ezatفالتحولات السكانية والعمرانية وطبيعة الأعراف والتقاليد التي تنشأ، تؤثر على مسارات السلوك الإنساني والاجتماعي، والوعي بالحقيقة والحقوق، وشبكات المصالح ونسيج التضامن المجتمعي، وتغير سياقات الفعل وحدوده، فالأبعاد المتعلقة بالمكان وبالمساحات وما ينبثق عنها من أحوال وعادات مهمة في فهم سبل ومداخل التغيير والنهضة، وكيفية استعادة القيم الفطرية والخيرية في مواجهة منظومات العيش في الحضر وغلبة المادية والنفعية.

ومن هنا كان الوقوف على ما قد يشمله مفهوم «التعقيد المؤسسي» بعلم الاجتماع والعمران من ظواهر، والتمييز بين الريف والحضر والبادية في مناهج التغيير، وفهم الثقافة المحلية والمكانية كمفتاح للتعامل مع تفاصيلها الساكنة في الحياة اليومية، وفي إطارها يتم التراوح بين الإنسانية.. والتوحش، أو الخيرية الفطرية.. والجاهلية.

فقد رأى ابن خلدون مثلا أن «أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر، والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم، والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والحرز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد، فهم غازون آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال… ويستكمل: إن معاناة أهل الحضر للأحكام (أي الخضوع لحكم مؤسسي) مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم».

والقراءة المتأنية لابن خلدون تكشف عن فهم عميق للسنن ولمعنى الدورات التاريخية، وتكشف عن جوهر التحدي الذي يواجهه الإنسان في هذا العالم، فالعصبية تسير نحو الملك وتأسيس الدولة والانتقال من البداوة للحضر، وبها تقوم النهضة، لكن هذه في ذاتها تنزع عن الإنسان خصال الفطرة الأولى الرابطة بالكون الطبيعي، وتضع بينه وبين العالم الواسع وبين نفسه التي بين جنبيه الحواجز والعوائق وتغير النفوس والطباع، وهذا هو التعبير الواضح عن الاغتراب كظاهرة تقترن بعملية التحضر التي لا يمكن وقفها أو تعويقها، ومن هنا كان الدين هو العاصم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الروافع التي تحمي من السقوط في الزلل، وتعين على الحق والصبر عليه. هذه الجدلية الدائرة عبر الحياة الإنسانية والتواريخ البشرية بين شروط النهضة وعوامل السقوط، هي الكدح الذي وصفه القرآن، وهي السعي الذي كتبه الله على بني آدم.. أفرادا وجماعات.

وابن خلدون يدرك المادي لكنه يقرنه بالأخلاقي، ويدرك صلتهما بالسياسي وموازين السلطة: فيقول: «النسب متوقف على الخصال، وكأن شرف النسب يحدده شرف المروءة والأخلاق المتواترة في العوائل، لا الأعراق المتوارثة في القبائل، وعليه يكون مناط الحكم والاحتكام فيها، ولو كان شرف النسب بحد السيف لأصبح «حكم المتغلب» لا غير».

وهو ما يذكرنا بحوار سقراط عن العدالة في الكتاب الأول من جمهورية أفلاطون، أن العدل ليس حكم القوي بل هو دور من يحكم في رعاية مصالح العباد، لكن ابن خلدون أدرك أن القوة وحدها لا تصلح، وأن الواقع النفسي والاجتماعي هو الأساس، وفي ذلك يخالف الفارابي الذي قرن المدينة الفاضلة بطبيعة الرئاسة فيها، وشبه الرئيس في الدولة بالخالق في الكون القائم على رعاية العالم، وهو تشبيه يدفع لتركز فكرة الإصلاح في رأس الهرم، ويخلق منظومة تراتبية في حين أن التصور الإسلامي عند ابن خلدون أكثر حيوية وفعالية، ويستوعب دوائر الاجتماع ومنطق العمران الذي أنتج نظم الحكم وسبل التغيير الممكنة نحو التجديد والنهضة.

يمكننا أن نسرد الكثير من الأفكار والاقتباسات من عالم الفلسفة الإسلامية وكتابات الشوامخ من علماء القرون وفقهاء التراث، لكن الأهم هنا في استعادة الوعي بالبعد الإنساني والاجتماعي في التجديد والنهضة، هو أمران:

  • أولا: استيعاب التاريخ في حركته ومنطقه، وليس في أحداثه ومحاكاتها، وفهم تاريخ العالم، وسنن الله في الأنفس، واستعادة الوعي بالبشرية، فالعقل العربي بقي لعقود طويلة في أسر تصورات نظرية بالغة العمومية عن النهضة، وانفرد المفكرون والمصلحون بالحديث عن النهضة، في حين انشغل الخبراء في المجالات المختلفة بالعمل في مواجهة الهيمنة الغربية على العقل العلمي.. ونظرا لأن الجدل حول العلوم الطبيعية يقل فيه البعد الحضاري ويغلب بعد التسابق إلى الأحدث من الاكتشافات والنظريات العلمية، فقد بقي الجدل الفكري «أيديولوجيا» وليس عمرانيا بدرجة كبيرة.

ويكاد المطالع لكتابات المفكرين العرب في القرن الماضي بطوله لا يجد حديثا عن نماذج النهضة غير العربية، فقد نظر الناس تحت أقدامهم ثم نظروا لأوروبا الاستعمارية بعد صدمة الإمبريالية، وكفى.

لذا سيكون من المهم التوجه شرقا وجنوبا للبحث في نماذج متنوعة من التنمية والنهضة، وتصورات العلاقة بين السياسي والاقتصادي والدولي والقومي، والدولة والمجتمع الغائب، لنستقي دروسا ونتعلم كيف نهضت بعض النماذج وتعثرت نماذج أخرى، وتراوحت ثالثة بين هذا وذاك.

ولعل البدء يكون بمحاور هي:

  1. المحور الأول: البناء الفكري يكون نقطة بداية جيدة، فلا يوجد نموذج للنهضة يمكن أن يستغني عن رؤية واضحة للهدف والغاية، ولا للمنطلق والإرث الحضاري.
  2. المحور الثاني: هو الدور الفاعل للقيادة، الفردية والجماعية والشعبية المحلية.
  3. المحور الثالث: هو تنوع صيغ علاقة الدولة بالمجتمع، وأخيرا علاقة مشروع النهضة بالسياق الدولي وتحديات الهيمنة وبناء التحالفات.
  • ثانيا: الموسوعية والبنية العلمية: فلم يعد يكفي أن يكتب مفكر أو فقيه في النهضة، بل صارت العلوم والخلفيات المتنوعة العلمية والشرعية والاجتماعية واللغوية والتاريخية والقانونية والجغرافية والاستراتيجية، كلها ضرورية كي يتم نسج رؤية متكاملة ومعقدة للنهضة ومساراتها ومستوياتها، وإلا اختلت الأولويات وتعارضت المسارات، ولنا في التحولات الأخيرة في العالم العربي دليل على مشقة السبيل وحتمية التكامل والاجتهاد الجماعي.

وبالنظر إلى ماهية «علم العمران» عند ابن خلدون سنجد أنه ليس ما يُعرف حاليا بـ«علم الاجتماع»، فإن لفظة العمران أشمل وأوسع لاحتواء المعنى الإنساني المقصود، والذي يشمل في سياقاته الزمانية والمكانية المختلفة التعرف على أنماط مختلفة بكل من التعامل والتفكير والمبادئ والعادات والملك والسلطة، أو حتى ما قد يصيب الفرد والجماعة من آفات نفسية، بدنية أو أخلاقية تختلف كلها باختلاف المجتمعات والشعوب محل الدراسة.

لذا تطرق «ابن خلدون» لفكرة «تأسيس العلم»، ففي البدايات ينفتح العقل على معارف شتى ثم يبدأ من بعد في تصنيف فروعها وتخصيص مذاهبها إلى موضوعات، لكلٍ منها أدواته ومناهجه.. ثم العودة إلى المعرفة الموسوعية.

إن «التاريخ» في ذاته هو وعاء احتوى تجارب وتفسيرات البشر في «الأزمنة» و«الأمكنة» المختلفة، ومن هنا تنبع أهميته. وهنا تتجلّى قيمتا «السّير» و«النظر» اللتان تعدان من لوازم «الوعي».. وعندما نتكلّم عن «الوعي» فإننا لا نعني «المعرفة»، لكن نعني «التّنبه» و«الإدراك» لهذه المستويات المفسرة للتاريخ.

بقي أن نؤكد أن هذا المنهج في التعامل مع التاريخ هو اعتبار النفس الإنسانية والذات الفاعلة هي المحرك له، والشروط الموضوعية سياق لازم، ولأن هذا الفهم من لوازم الاستخلاف وبناء النهضة، فهو ضرورة دينية إذن.. لأن مهمة الإنسان الإصلاح في هذه الأرض، ودفع الباطل فيها وإقامة الحق، وهذا لا يمكن أن يتم حتى نجمع بين النظر في الوحي (الكتاب المسطور)، والعقل (الذي محله قلب يقرأ بسم الله)، وسنن الكون (كتاب الله المنظور أو المنشور وسنن الآفاق)، وذلك كله أثناء «سير» و«سعي» متجدد للحفاظ على الفطرية واستعادة الخيرية للفرد والأمة.. ودفع البغي وإفشاء السلام.. وإقامة موازين العدل.. وحفظ قيم التمدن الإسلامي.. لتتحقق النهضة. والله أعلم.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*