أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / من الأفغاني إلى جيل اليوم [1]

من الأفغاني إلى جيل اليوم [1]

هبة عبد الجواد

إطلالة تاريخية

يمكنك ببساطة أن تتنقل بين صور وذكريات مابعد انطلاقة ثورات الربيع العربي مباشرة وتقرأ ملامح الوجوه حينها ، وجوه رومانسية الثورة والتغيير الجذري ، وخطاب لن نعود إلى الوراء مهما حدث ، وعيون الاتصال والترابط رغم التنوع الذي يصل إلى التناقض والتنافر الفكري .

ثم تنتقل بالزمن بعد 3 سنوات ويزيد  لترى تلك الوجوه مرة أخرى وتقرأ مرادفاتهم وما ورائها ، وهذا التباين وحدية الطرح والتناحر الفكري بين أصحاب التيار الواحد الذي انشق على نفسه وأصبح تيارات وتشرذمات فكرية مختلفة ، فأصبح لدينا اليوم جدل جهادي سلفي وجدل تكفيري وسطي وجدل ليبرالي إسلاماوي وجدل ثوري إصلاحي وجدل اشتراكي دولاتي (كناية عمن يقدس الدولة) وجدل سلفي سلفي .

الجدل والتلاقح الفكري في منتهى الأهمية وليست المشكلة في هذا التنوع الهائل بل هو مطلوب ودليل على عدم الجمود  إلا أن قراءة تأريخ مقدمات تلك التشرذمات والانقسامات الفكرية التي تحولت إلى تصدعات أنتجت جدل أكثر بكثير مما أنتجته من أثر حقيقي على المجتمع / الدولة الأمة .

سؤال لماذا نحن متخلفون ولماذا تقدم غيرنا؟ هو السؤال الذي تبدأ معه محاولات الإصلاح أو التجديد أو التغيير ، وعقد النقص والانبهار بالآخر  وتوافد الأفكار الغريبة جراء الانتقال من وإلى الشرق والغرب والنظرة نحو صعود الحضارة الأوروبية سببت هذا الشرخ في البنية الثقافية وأصبحت ردة الفعل هي المسيطرة على الحراك الثقافي في هذه المرحلة .

البداية

كانت البداية مع الصدمة الحضارية التي  أوجدت تيارين ، تيار منبهر بالغرب وبتقدمه يرى في محاكاته مخرجًا من التخلف والانحدار وتيار خوفه وخشيته على الدين جعلته يزداد تمسكاً بتقليد السلف ومحافظة على التراث الديني ، ثم بدأت محاولات بينية تتمسك بالأصول وتدعو إلى المعاصرة والإحياء يمثلها الأفغاني (1839م -1897م) ومحمد عبده (1849م – 1905م)  رغم وجود اختلاف بينهما فبينما جاهد الأفغاني من أجل الإصلاح السياسي ، ناضل محمد عبده من أجل الإصلاح الديني والتعليمي (يمكن التأريخ لبدايات دخول الحداثة على العقل العربي مع الطهطاوي مع بداية البعثات وعودته إلى مصر ) .

حاول الأفغاني وعبده أن يمثلوا حالة متوازنه للتحدي حينها الذي واجه الأمة منذ  القرن التاسع عشر ، مابين  الحركة الوهابية و المهدية مثلاً الذين استندوا إلى التقليد ، وبين دعاة الإصلاح حينها من زعماء حركة التنظيمات في الدولة العثمانية المستندين على القيم الغربية .

ومع  التدخل الأوربي العسكري والثقافي واندلاع الحرب العالمية الأولى ، أصبحت المنطقة العربية في وضع جديد وتحديات من الداخل والخارج استمرت معها  الرغبة في البحث عن حلول إصلاحية ، فظهرت مع بدايات القرن العشرين انقسام للمدرسة الفكرية التي يمثلها الأفغاني وعبده إلى مدرسة رضا التي تأثر بها حسن البنا وغيره وأخرى انتجت خطاب قومي أو تنويري من أبرزهم قاسم أمين .

4282a30052e3785d1b76d02dad1fc611ثم بدأ عصر التنظيمات والحركات التي تتبنى بعض تلك الأطروحات وتدافع عنها فأنشأ حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين وأنشأ أبو الأعلى المودودي الجماعة الإسلامية في الهند ، كما تكونت وتشكلت بعض الكيانات والمنظمات التنويرية وأنتج الخطاب التنويري أيضاً أطروحاته على شكل أعمال أدبية وثقافية وفنية وحراك متمثل في هيئات ومنظمات وتبني  عناوين بارزة مثل حرية الإبداع وحقوق المرأة .

وزادت وتيرة وحدة الصراع الفكري بين ما أطلق عليه بعدها مصطلح “الإسلاميين أو التيار الإسلامي” وأعلامه رغم تنوعه داخلياً وبين الكيانات والحركات الأخرى وأعلامها، مع شعلة النار التي أوقدتها أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر وبدأ اطلاق لفظة ” الإرهاب الديني ” وتعزيز مفهوم “الإسلاميين ” وبالطبع نتيجة لذلك ظهرت مصطلحات أخرى مثل “الإسلاموفوبيا” .

ومع تأثر الأنظمة العربية بالهيمنة الغربية واستراتيجيات الحرب على الإرهاب ومع ممارسة الاضطهاد بدأ تنشط كيانات أخرى مثل جماعة الجهاد الإسلامي والتكفير والهجرة في مصر في ذات الوقت الذي علا فيه صوت السلفيه في الخليج وظهر في مقابله موجة من رفضها وبدأ الخطاب الرافض لها في الظهور .

انطلقت بعدها ظاهرة “الدعاة الجدد ” وأغلبهم  رجالات من أبناء تلك التيارات الإسلامية تبنوا خطاباً إسلامياً وسطياً يعتمد على وسائل الإعلام التقليدي والإعلام الجديد وتبنوا خطاباً به بعض المرادفات مثل “التعايش” و”حوار الحضارات ” و ” الوسطية ” و ” التسامح ” في ذات الفترة التي بدأ فيه نشاط واضح للتعريف بالإسلام ونشط حراك بلغات مختلفة في هذا الأمر وخاصة إبان موجة الإساءة بالرسوم الكرتونية ، كان لهؤلاء الدعاة الصيت الأكبر في دول الخليج ومصر أما دول المغرب العربي فعُرف عنها الاتجاه للتنظير بمختلف التوجهات نظراً للمستوى الثقافي والتعليمي في المجتمع المغاربي والاستقرار النسبي هناك رغم أن تونس تشهد صراع إسلامي علماني حاد إلا أن الطرح الفكري هناك أكثر تماسكاً وقوة وخاصة في المغرب .

وخلال هذا كله  لا يمكن إغفال كم هائل من الأطروحات الفكرية الثريةوالتي كان لها دور كبير في قفزة فكرية  وبداية تشكيل  البنية الثقافية للجيل الحالي  من التيارات المختلفة تنوعت فيما بينها من هؤلاء الرواد من تبنى الطرح التفكيكي مثل عبد الوهاب المسيري ومن هؤلاء من حاول إرساء استراتيجية “الإسلاميات التطبيقية” كمشروع فكري وأهمهم محمد أركون (1928-2010) ومن هؤلاء من تبنى أطروحات تقويمية لنهضة عربية مثل عبد الإله بلقزيز و محمد عابد الجابري (1936 – 2010م) ومن تبنى مشروع اشتراكي علماني مثل فرح أنطون (1874 –  1922م) .

كما أن خطاب ولغة سيد قطب كان لها أيضا تأثير كبير في الكثير من جيل الإسلاميين الجدد ، وهناك رواد التأصيل الإسلامي المعاصر مثل إسماعيل الفاروقي صاحب طرح إسلامية المعرفة والدكتور يوسف القرضاوي ، وما أنتجته الكثير من المراكز والهيئات البحثية سواء التي تتبنى خطاب الإسلام الحضاري أو خطاب تقدمي قومي كان لها أثر نوعي في نخبة من الشباب لم تصل إلى الحد الذي يمكن أن يرسم ملامح حِراك مغاير إلا أن هذا كله مجتمع أصبح جزء رئيس من التكوين الفكري والثقافي للجيل المعاصر له .

ومع مرحلة الثورات العربية بدأت الصدمات تنهال على الجيل الحالي وبدأت الكثير من المسلمات تنهار وفي مقابل ذلك بدأ يؤطر لنفسه قناعات كرد فعل مما رآه من فشل ذريع لما كان يؤمن به في السابق محاولاً التحصن بأي شئ حتى لو كان رفضه لكل شئ.
0bf6b35c1ae046917ca5d0aab1b826ba

نحن اليوم كجيل نتاج تراكمات  الماضي وتبعاته وما نحمله من تصورات له أبعاد نفسية وإجتماعية قبل أن يكون مجرد أفكار مجردة في العقل ، ومانرفضه وما نقبله اليوم نتيجة لتفاعلاتنا القريبة مع الواقع وما حفر في أذهاننا من مسلمات.

حتى أن القدرة الهائلة  للجيل الحالي اليوم على هدم تلك المسلمات والتطرف أحياناً في رفضها والبون ما بين ما كنا نؤمن به اليوم وما كنا نرفضه بالأمس ، وقدرة أفراد المجتمعات بشكل عام على تبني وجهات نظر وآراء وإن تناقضت مع التفاعل السياسي مع الوضع الراهن دليل قوي على تلك الهزات المعرفية والاجتماعية والنفسية التي تعرضنا لها .

علينا أن نقرأ اليوم منهجية تفكيرنا ونقومها لأننا نرسم خارطة مرحلة فكرية جديدة بها تنوع ثري على كل مسطرة بدء من مسطرة الإسلاماوية ومسطرة الخطاب الإنساني المتجاوز ومسطرة العلمانية وغيرهم ، فربما نستطيع أن نوقف ما يحدث من تعديل وراثي قصري في عقولنا .

اليوم كالأمس ومع كل صدمة كبرى تنشأ نخب مثقفة تحمل رايات المرحلة بطرح فكري معين أو حراك مستند إلى منطلقات متأثرة بهذا الطرح ، وكما أسلفت ليست المشكلة في تنوع هذه الرايات ولكن مع هذا التنوع الذي يتزامن مع أزمات مجتمعية ونفسية وتصدعات عقدية وتحديات داخلية لم تنتهي من فقر وجهل وخارجية من هيمنة اقتصادية وسياسية ، فإن هذا التنوع إن لم يلازمه منهج تفكير علمي يستطيع أن يتخلى عن تبعاته النفسية والاجتماعية فإننا بهذه الطريقة ومع قراءة هذا التاريخ سنصل يوماً ما لمرحلة البداوة الدماغية رغم ما تحمله من معارف وعلوم .

خلال الأعوام الماضية تم طرح الكثير من النقد للتيارات الإسلامية بتصنيفاتها المختلفة و نقد للعلمانية والمتأثرين بالفكر الحداثي وما بعده ، ونقد للفكر التنويري والتقدمي وللشيوعية وروادها ، وجاء اليوم لننفك من عقدة سؤال الماضي ونخاطب الذات دون الإشارة للغير .

في الحلقة القادمة بإذن الله مجرد محاولة لرصد أهم الأبعاد التي تؤثر في هذا الجيل من نخب مثقفة وكتل متحركة أو ما يسمى من نشطاء والدوائر المتأثرة بهم التي ستشكل خارطة المستقبل الفكرية كما شكلتها في الماضي أجيال أخرى كنا نحن أحد نتائجها.

نحن هذا  الجيل الذي عليه أن يعرف نفسه ودوره ويعيد تعريف كلمة مثقف وخبير وناشط ومفكر وسياسي ، وعوام وقادة رأي ويحذف مايجب حذفه ويعيد صياغته من جديد ، هذا الجيل الذي  سألت يوماً عنهبعض الأصدقاء  ليضعوا له توصيفاً فكانت الإجابات كالتالي :

.. : “احنا جيل برنس في نفسه”.
.. : “نحن جيل بلا معلم”.
.. “نحن جيل مريض”.
..: “جيل تايه لكنه سيصل”.
..: “نحن الجيل الذي يعرف ما لا يريده لكنه لا يعرف ماذا يريد”.

مراجع:

  1. جدعان ، فهمي ، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث ، دار الشروق ، الطبعة الثالثة ، 1988.
  2. كوثراني ، وجيه ،مشروع النهوض العربي أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني ، دار الطليعة, 1995م.
  3. حوراني ،ألبرت ، ترجمة كريم عزقول ،الفكر العربي في عصر النهضة ، دار النهار للنشر ، نسخة إلكترونية.
  4. سالم ، أحمد علي ، الإصلاح السياسي الإسلامي من الأفغاني إلى رشيد رضا ، مجلة إسلامية المعرفة ، العدد الخامس والعشرين.
  5. الميلاد ، زكي ، الشيخ محمد رشيد رضا وتحولات الفكر الاسلامي المعاصر ، مركز آفاق للدرسات والبحوث ، 2010/12/19.
  6. عبد الرازق, أحمد محمد جاد ،  فلسفة المشروع الحضاري بين الإحياء الإسلامي والتحديث الغربي  ،المعهد العالمي للفكر الإسلامي, سلسلة الرسائل الجامعية (16), ج1.
  7. بلقزيز ، عبد الإله ، الدولة في الفكر الإسلامي االمعاصر ،مركز دراسات الوحدة العربية.
  8. بوزيد، بو مدين و السيد ولد أباه وآخرون ، قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربي المعاصر،  سلسلة كتب المستقبل العربي 18، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى،1999.
  9. محمود مصطفى ، نادية ، وأخرون ،مشروع النهوض الحضاري ونماذجه التطبيقية ، منتدى النهضة ومركز الحضارة للدرسات السياسية ،الطبعة الأولى 2011.
  10. حرفي، سوزان ، الثقافة والمنهج ، دار الفكر ، الطبعة الثالثة 2012.
  11. صفدي، مطاع ، نقد العقل الغربي – الحداثة مابعد الحداثة ،كتانة مركز الإنماء القومي، الطبعة الأولى 1990.
  12. حلقة نقاشية بعنوان :محمد أركون المفكر و الباحث ، للكتور عبد الإله بلقزيز ، مركز دراسات الوحدة العربية.

المصدر: مصر العربية

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

5 تعليقات

  1. وصف معياري ممتاز أحسنت الأخت هبة (كاتبة المقال)

  2. Unquestionably imagine that which you said. Your favourite reason seemed to
    be at the net the simplest factor to take into accout of.
    I say to you, I certainly get annoyed even as other folks think about
    concerns that they plainly don’t recognise about.

    You managed to hit the nail upon the highest and also defined out the whole thing with no need side effect , folks can take a signal.

    Will probably be back to get more. Thanks

  3. Please let me know if you’re looking for a author for your
    site. You have some really good articles and I believe I would be a good asset.
    If you ever want to take some of the load off, I’d really like to write some material
    for your blog in exchange for a link back to mine.
    Please blast me an email if interested. Thank you!

  4. By investing in a uniform exercise program, it wiill be possible to significantly
    reduce weight withikn a few months with a year.

    Use Smaller Plates – It might sound crazy, but eating off large plates sometimes
    leaves you with food you doo not really want.
    It may appear contradictory, playing with order to
    lose weight naturally, you will need too eat. http://indyarocks.com/blog/3800030/Muscle-Gaining-Tips-That-Truly-Work

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*