أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / جيل رئيس جمهورية نفسه

جيل رئيس جمهورية نفسه

هبة عبد الجواد

الحلقة الأولى : لمحة تاريخية

” المنتمين لأي كيان يقوم على أساس ديني إذا تعرضوا لظلم معنوي أو مادي فإن هذا سيزيدهم تقوقعاً على أنفسهم ، وسنصبح أمام كيان يتعامل مع نفسه بثقافة الضحية ولن يسلم من ذلك حتى جيل الشباب منهم .

يا فندم  إني أعتقد أنك تعرف ذلك جيداً وإنما حدثتك لربما تستطيع أن تفعل شيئاً إزاء حملات شيطنة الإخوان ومعاداتهم مع المجتمع ، فأنت ممن يعلم جيداً أن هذا الأسلوب سيصنع فجوة كبيرة بين الإسلاميين  وبين المجتمع وسيؤهلهم للعزلة والتقوقع أكثر ، فإن كان المراد فعلاً إصلاح وخطاب ناقد إيجابي للقوى الوطنية والتيارات الإسلامية فليست هذه هي الطريقة المثلى “.

كان هذا جزء من مكالمة  قبل إعلان بيان 3 يوليو ، أَنْصَتَ إليّ الخبير حتى انتهيت ، ثم قال :

” على قيادات هذه الجماعة أن تنزاح  من على الساحة ولا يوجد حل سوى ذلك ، هم معيقون لكل شئ ، يمكننا التعامل مع شبابهم  ليس هناك مشكلة في التعامل مع الجيل الجديد من الشباب “.

بدأت تظهر تلك الاستراتيجية التي بُنيت على محو القيادات والرموز الوطنية من كبار السن إما بتشويههم أو باعتقالهم أو قتلهم معنويا ، وفي المقابل زرع  كتل شبابية كصورة جديدة  للثورة والوطنية، ونية مبيتة لخلق هذا الشرخ المجتمعي المقصود وعزل فصيل بعينه عن المجتمع.

كانت هناك محاولات فشلت بالطبع في استمالة قواعد الإخوان من الشباب للتماهي مع النظام الانقلابي ويمكن أن نتذكر كيف كانت الدعاية للحركات الانشقاقية وغيرها ، كما فشلت تلك المحاولات  أيضاً في جذب المجموعات الشبابية الأخرى المستقلة أو المنتمية إلى مجموعات مثل الإشتراكيين الثوريين وغيرهم.

العقلية التي كانت تعول على خلق عداوة بين الإخوان والحركات الوطنية الأخرىمن جهة وخلق عداوة بين القواعد الشبابية وقياداتها من جهة أخرى نجحت  في مرادها وجذبت صنفين ( لا أتحدث هنا عن عموم المجتمع ولكن عن الكتل الناشطة والفاعلة سياسياً وفكرياً ) :

  • الصنف الأول : الخاضعين لسطوتها الإيدلوجية كما يخضع المقلدين والتابعين لأي سلطة وأيدلوجيا (فكما للخطاب الديني سطوة تجذب له تابعين فكان هناك أيضا سطوة الخطاب العسكري ورجال الدولة له أنصاره يروجون له مهما فعل من كوارث).
  • الصنف الثاني : المؤدلجين منهم أو الذين استجابوا لما أراده النظام من تصويرهم كجزء معزول من المجتمع ولم يخرجوا عن  إطار رد الفعل الذي كان يجب أن يميز بينهم وبين عموم ضحايا الأحداث المروعة من قتل وتعذيب وانتهاك لأبسط حقوق الإنسان.

خرج من هذه المعمعة طوال مايقرب من أربعة سنوات قطاع من هذا الجيل الناشط ، هو محور حديثنا.

ما المقصود بـ “جيل الحراك ” هنا؟

“جيل الحراك ” هنا   المقصود به  الجيل المعاصر للأحداث بمختلف أعماره  من المهتمين بـ: الحراك التغييري أو الثوري أو الإصلاحي – الفكري أو السياسي أو المجتمعي –  الفاعلين فيه والمتفاعلين معه. والحديث هنا معني بقطاع منه أو شريحة تعبر  عن نسبة من هذا الجيل فقط.


هل يمكن أن نتعرف على هذه الشريحة؟

علينا  أن نقر أن بدايته كانت مع الحراك الذي سبق الخامس والعشرين من يناير وتحديداً منذ بدأ الحراك وسعى له ولم يكن مرتبطاً بقرار أبوي أو بانتظار نجاح التجربة ، ويمكن أن نتفق مبدئيا أن الحديث هنا عن جيل متحرر من أي قيد تنظيمي وإن حمل أفكاراً إشتراكية أو ليبرالية أو محاولة لتبني رؤية إسلامية .

هذا القطاع العرضي من الجيل الحالي الذي شكل نفسه منذ يناير 2011 بدأت ملامحه تظهر  ، ويمكن بسهولة اليوم  أن تميز مواقفه طوال أربع سنوات مضت.

  1. متمرد على أي أفكار ممنهجة أو لها طابع أيدلوجي محافظ  دينية كانت أو سياسية أو نظامية.
  2. يميل إلى كسر  المسلمات المجتمعية والتعامل معها ببساطة دون تقديس.
  3. متمرد على  أي نوع من السلطة الأبوية : مثال (1) ( الإخوان منهم  من لم ينسجم مع الكثير من قرارات  التنظيم ، مثال(2) توقف الكثيرين عن تأييد حمدين صباحي بعد تبدل مواقفه.
  4. الرومانسية الثورية ، أو المثالية في حراك التغييرورفض أي صورة من صور الهيمنة : ظهرت في فترة الحكم العسكري وفترة حكم مرسي في رفض التعديلات الدستورية ورفض الهيمنة العسكرية في الدستور ويمكن متابعة هذه الشريحة وبعض شخصياتها  كنموذج ورأيها منذ 19 مارس 2011 عندما رفضوا بناء مؤسسات دون التطهير الكامل واعتبروه حرث في الماء ،وحتى دستور 2014 الذي قاطعه حتى من كان يؤيد الخروج على مرسي في 30 يونيو منهم ).
  5. الانتصار للحريات أياً كان متفق أو مختلف مع الضحية : مثال (1) وقوف الكثير من الشباب المختلف مع الإخوان ضد انتهاك الحريات في رابعة وما حدث من قتل واعتقال وتعذيب ، مثال(2) أحداث محمد محمود وموقف بعض الشباب من التيار الإسلامي وخصوصاً الإخوان المخالف لرأي الجماعة آنذاك.
  6. القدرة على معارضة أي قرار خاطئ ولو كان من طرف يؤيده : مثال (1) يمكن ملاحظة ذلك في تلك الشريحة مع بعض آراء البرادعي ومخالفته فيها ، وآراء صباحي ومخالفته فيها ، وأبو الفتوح ونقده في بعض تصريحاته من مؤيديه، مثال(2) : معارضة ونقد قيادات جماعة الإخوان من بعض شباب الجماعة  رغم انتمائهم التنظيمي.
  7. متحرر من أي قيد أيدلوجي أو تنظيمي أو رمزية وهيبة الشهرة ولديه القدرة على التنقل بسلاسة بين المواقف بحسب المبادئ كما حدث طوال السنوات القليلة الماضية  ورأينا ذلك في قطاع من شباب الإخوان بعد إيمانهم بما يسببه التنظيم بعد الثورة من معيقات للإصلاح والاندماج مع المجتمع ، وكما رأيناه أيضاً في “بعض” القيادات الشبابية ورموزها من مراجعة موقف واعتذار إبان اكتشافهم لخديعة 30 يونيو وما بعدها.
  8. القدرة على التخلص من المسلمات الخاطئة في فهم الدين والتمرد على العادات المجتمعية التي لا تتوافق مع ميوله واهتمامته.
  9. يميل إلى السخرية من الواقع ويتعامل معه من الأعلى إلى الأسفل.
  10. ليس له معلم بعد أن كسرت هيبة الكثير من الرموز الوطنية والدينية المعاصرة.

لذا هو جيل في مجمله متنوع ولا يشبه بعضه البعض بل وهناك تباين في الكثير من الأفكار والمسلمات والمنطلقات إلا أنه يتشابه في بعض السلوكيات والدوافع ونمط ردود الأفعال .

جيل يتشابه في أحلامه نوعاً ما ، في رغبته في التخلص من الظلم والقهر والتخلص من تبعات الماضي ، هذه الدوافع جعلته يتشابه في الكثير من الإشكالات التي بدأ يدركها في نفسه ، إشكالات طبيعية ومنطقية لأنها نتيجة لمقدمات في الماضي  وبالعودة إلى المقال الأول في لمحات تاريخية نعرف جيداً أن كل جيل ما هو إلا نتاج أفعال الماضي.

أطيافه وأدواره؟

download

download (1)

قبل يناير 2011 يختلف عما بعدها ، فقد كان الصوت الأعلى هو صوت التيارات التقليدية وبعض الأصوات التي علت عقب نشاط الجمعية الوطنية للتغيير  وحركة كفاية إلا أن 18 يومًا كانت بمثابة الحضانة التي خرج الوليد بعدها  إلا أنه وجد نفسه وقد  ألقي على باب الجامع بلا عائل ، فتخبط في الحياة محاولاً  تحقيق طموحاته الثورية ، في توقيت صعب يشهد صراع بين أقطاب يمكن حصرها في ثلاثة :

  1. الإخوان والتيارات الإسلامية.
  2. المنظومة العسكرية وأيدلوجيتها واستراتيجيتها  وأذرعها الأمنية والمخابراتية.
  3. رجال النظام السابق ومؤسساته وأعوانه والمستفيدين منه.

مع أدوات متاحة للجهة التي تمتلك السطوة والمال وهي وسائل الإعلام والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني التقليدية.

أما هذا الوليد فأطيافه متنوعة – في النماذج الموضحة لا يوجد نسب عددية أو قراءة استقصائية لحجم هذه الشرائح وإنما تصور فقط لوجودها، يمكن إخضاعها لدراسة بحثية موسعة لتقدير الأوزان المختلفة وتحليل أكثر عمقاً – هذا الوليد الذي يمثل القطاع الذي نتحدث عنه نراه في جميع الاتجاهات من ناحية ونراه أيضا إذا أردنا النظر إلى الحراك السياسي والفكري بحسب الأدوار من ناحية أخرى ، والحديث عنه مهم لأنه المرشح الوحيد لتخطي الأزمات وتشكيل كتلة يمكنها تجاوز أزمات الماضي ولكن بشروط :

  • أن يدرك ذاته جيداً ويعرف طريقة تفكيره وأخطائها.
  • أن يتعرف على واقعه والمقدمات التي أودت به – أي الواقع – إلى هذا الحال حتى لا يقع فيها.
  • أن يقدر الأمور بقدرها ولا يعادي شئ على إطلاقه لمجرد أنه ارتبط في ذهنه بسنوات الفشل.
  • أن يتعرف على خريطة العالم السياسية  والإقتصادية حتى لا يكون حبيس أزماته الداخلية وموج العالم بالخارج يرميه بعيداً عن الشاطئ.
  • أن يتعرف على مسطرة الخصوم والأصدقاء بداية من الصراع الصفري وانتهاء بالمناصرة وما بينهما من تنافس وتدافع.

في الحلقة القادمة محاولة للحديث عن بعض ما يتفق فيه هذا  القطاع العريضي من الجيل الحالي بعموميته من إشكالات وأنماط تفكير خاطئة أو لها أثر سلبي في المستقبل ، الجيل الذي يمكن أن ندعوه بــ: “جيل رئيس جمهورية نفسه”.

المصدر: مصر العربية

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*