أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / العيد بين اليقين.. والأيقونة

العيد بين اليقين.. والأيقونة

كل عام وأنتم بخير

د. هبة رءوف عزت

من المشكلات التي يواجهها مفهوم الالتزام الديني هي مشكلة أيقنة الدين، و”الأيقونة” في التراث الديني في المجتمعات رمز هدفه الإشارة لمنظومة عالية وشاملة وعقيدة كاملة.

ووظيفة الرموز في الثقافة عادة هو اختزال المعنى الواسع كي يتم تذكره واستحضاره في الحياة الاجتماعية اليومية، أو في كل أسبوع، أو شهر، أو كل في عام مرة. 

وتتفاوت درجة الرمزية العابرة.. والقدسية العميقة.. بين أيقونة وأخرى، وقد تغدو بعض الأيقونات الثقافية أو الوطنية أشد قداسة عند أصحابها من الدين نفسه -للغرابة.

وعلى وجه العموم لا يسمح الإسلام بأن تتمركز قداسة و”تحل” في رمز لأن هذا بداية الوثنية (الكفار كانوا يقولون أن الأصنام تقربهم إلى الله )..بل يبقى حتى الحجر الأسود محض حجر..وحرمة دم المسلم أكبر عند الله من الكعبة.

بعض الأديان لها أيقونات وبعضها تندر فيه الرموز البصرية، وفي الإسلام ليس هناك أيقونات تمثل الله لطبيعة التصور الإسلامي عن الله باعتباره “ليس كمثله شيء” ولا “يتجسد “في هذا العالم ، لكن المسلمين “أيقنوا” بعض الشعائر (أي حولوا المعنى العميق للرمز والوظيفة الاجتماعية الفعالة له كعلامة إلى إشارة مختصرة ظاهرية فقدت روحها ومضمونها ) والطريف أنهم أرادوا أن يعبروا بذلك أنهم قد “أيقنو”ا بالدين (من اليقين) دون أن يدروا أنهم فقط “أيقنوه” (من الأيقونة) ودون استحضار لكثير من المعاني الدينية الجوهرية في الحياة اليومية وتفاصيلها السلوكية والأخلاقية.

في ممارستنا للتدين في مجتمعنا تترس الناس بالأيقونة ونسوا المعنى الأسمى، اهتم البعض بالرمز وغفل عن الأصل الذي يرمز له. حتى في الالتزام بالسنة النبوية صار أحيانا الشكل الظاهر أهم من المعنى والمقصد. 

المذهل أنه مع تنامي التغريب في مجتمعنا وصعود أهمية “ثقافة الصورة والمشهد المسرحي” أو التحول إلى “مجتمع الفرجة” كما يسميه علماء الاجتماع ونمو “المجال العام البصري” تمسك الناس بالظاهر أكثر بل غرقوا فيه، رغم ما نلحظه من تردي الأخلاق وخصخصة التدين واسقاط الفعل المدني/المجتمعي والتراجع الملحوظ في “إنفاق العفو” و”الأمر بالعرف” و”بذل الفضل”.

هذه دعوة لعودة الدين ذاته ليحضر بشموله وكليته في حياتنا لنصلح به التمدن وأن ترجع الرمزيات الدينية للشعائر التي ينبغي تعظيمها لدورها الأصلي: أن تكون أياماً وشعائر تذكرنا بالأصل الفعال لنحقق الإنسانية والربانية- لا أن تشغلنا وتحجبنا عنه وعنها.
رمضان كان مناسبة، والصوم دلالاته كثيرة وتناولناها، وهو مثال لكيف حوله البعض من زمن تجرد لزمن ضجيج، ومن لحظة مراجعة للذات للسقوط ما بعد الافطار في الملذات.

وفي العيد نمارس شعائر تذكرنا بجمع شمل الأمة، لكن استحضار المعاني الاجتماعية والأخلاقية الأكبر للصوم لازم مع الشعائر..وإصلاح النفس الذي بدأ في رمضان لا ينبغي أن يتوقف مع العيد..بل يستمر.. ويستقر.

أحزاننا كثيرة وأمتنا عليلة، لكن من حق عامة الناس أن تفرح ولو أياما معدودات.. وتسترد روابط الإنسانية والقربي، وتجدد بعد الصوم فرحتها بيوم الفطر، لتفعيل قيم المرحمة في واقع الناس.

العيد مقاصد وتجليات: حفظ دين وتأكيد وحدة أمة، والأعياد محطات لنتذكر المعنى ونستعيد الجوهر ونكون “شهداء” على الناس، ويتجلى الفعل مكتملاً ليعكس منظومة حق وعدل أوسع من الشعيرة.. لا تُختزل فيها أبدا. 

أما أن تتمظهر الأمور ويكون القشر بلا لُب – فتلك هي كارثة “الأيقنة”.. وذاك بداية ضياع الدين.
تذكروا في العيد إخوانكم في كل مكان، ومن هم خارج المكان، وتواضعوا لله في أيام الله.

ولا تهجروا كتاب الله ولا مواضع السجود التي ستستغفر لكم وتشهد يوم القيامة.

كل عام وأنتم .. من أهل الخير

المصدر

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*