أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: فكر حركة الاستنارة وتناقضاته للمسيري [2/2]

قراءة في كتاب: فكر حركة الاستنارة وتناقضاته للمسيري [2/2]

قراءة: عثمان أمكور

الجزء الأول

بعض التناقضات الكامنة في فكر حركة الاستنارة:

بعد ما أن عرضنا أفكار الدكتور عبد الوهاب المسيري ونظرته حول أصول فكر حركة الاستنارة والاستقبال العربي لها سنعرض الآن لبعض أفكار هذه الحركة التي يرى الدكتور أنها متناقضة والتي تزيل وهم الاتساق الذي قد تبدوا للبعض في أول وهلة حيث إن هذه الحركة “المادية العقلانية” كما يحب المسيري وصفها تعرف تناقضات كبيرة في مجال نظرية المعرفة والفرد والدولة والنظام الاقتصدي والنظرة للتاريخ وغيرها.

أولا: في مجال نظرية المعرفة:

إن النظرة العقلانية المادية الحلولية التي يعرب عنها فكر حركة الاستنارة يحتم عليه أن ينكر فكرة المركز المتجاوز للمادة؛ حيث إن فلسفة فكر حركة الاستنارة حسب عبد الوهاب المسيري قائمة بالأساس على الإيمان بوجود المركز الحال في المادة؛ هذا ما يجعل الحقيقة بدورها أمراً غير مفارق للطبيعة/المادة [1]؛ وأن هذا العالم حالة فيه مجموعة من القوانين والقواعد هي التي تفسر حركيته وديناميكيته وعلى أن للعقل الإنساني الكفاءة اللازمة لاستيعاب هذه القوانين وذلك من خلال استعماله للعقل كأدات مؤهلة لاستيعاب الحقائق, غير أن هذا يضعنا أمام إشكالية مهمة بالنسبة للمنظومات المعرفية المتخذة الطبيعة/المادة مرجعية لها وهي ضرورة تحديد لمن تؤول المرجعية النهائية هل للطبيعة أم للعقل؟

يرى د.المسيري على أن هذا الجدل الفلسفي يحسم في الغالب لجعل الطبيعة/المادة هي المركز والإنسان حسب هذه الفلسفة المادية الكامنة لا يعدوا أن يكون إلا تابعاً سلبيا للطبيعة لا يملك إلا أن يتلقى قوانين الطبيعة ويذعن لها حيث أن الإنسان لا يتعدى أن يكون “إن هو إلا مادة في حالة حركة” [2].

ثانيا : الخاص والعام ( الجزء والكل):

إن المركزية المتبناة من طرف دعاة فكر حركة الاستنارة في مرحلتها الهيومانية القائمة على مركزية الإنسان كان يقيم استقلالية بين الخاص والعام, غير أن هذه الاستقلالية ستعرف اضمحلالاً وتلاشياً تدريجياً لصالح مركزية المادة على حساب المركزية الإنسانية؛ ومركزية العام على حساب الخاص؛ ذلك لأن هذه التفرقة تفتقد لأساس حقيقي ومنه “يذوب الخاص في العام و يدوي الاهتمام بالخاص والفردي ويفقد الإنسان خصوصيته, فليس هناك ما يميزه عن بقية الكائنات. وبدلاً من الإنسان المليئ بالأسرار, الفردي المتفرد, صاحب العقل والمركزية, يظهر الإنسان الذي يجسد القوانين التي يمكن رصدها ومعرفتها والتحكم فيها” [3], ومنه ومع تسارع الحس الاستهلاكي والغزو العولمي تمت عملية جرف لكل الخصوصيات المتعلقة بالمجتمعات حيث تمت إذابتها في هذا القالب العولمي فاقدة بذلك كل خصوصية؛ مرسخة بذلك تبعيتها لهذا التيار الجارف والمكتسح واضعة حداً بل نهاية للخاص على حساب العام.

ثالثا : الفرد والدولة:

يرى الدكتورعبد الوهاب المسيري أن نظرة فكر حركة الاستنارة للمسألة السياسة المتمثلة في علاقة الفرد والدولة أسست في بادئ الأمر انطلاقا من المركزية الهيومانية التي كانت تنظر للإنسان أنه مؤهل إنطلاقا من عقله السليم في تأسيس نظام سياسي رشيد ومستنير يسود فيها التسامح والتعدد [4]؛ هذا ما أهلهم في تأسيس عقد اجتماعي يستند إلى عقلنة تعاقدية قائمة على تنازل الأفراد على جزء من حرياتهم ظاهرة بذلك أفكار المساوات وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية الحديثة [5], و انطلاقا من هذه الرؤية المادية التعاقدية “أكد المستنيرون على ضرورة فصل الدين عن الدولة وعن رقعة الحياة العامة التي يمارس فيها المواطن حقوقه وحرياته والتي يحتكم فيها إلى عقله وحسب ” [6]؛ كل هذا سيعطي في النهاية حسب د.المسيري المركزية للدولة ويمنحها حق التغول والتنفذ على الناس, جاعلة من المجال السياسي مسرحاً صرراعياً بامتياز.

رابعا : النظام الاقتصادي:

إن النظام الاقتصادي حسب د.المسيري هو مجال خصب قادر على إظهار التناقضات الكامنة في فكر حركة الاستنارة بشكل جلي؛ حيث أنه يرى أن النظامين الاشتراكي والرأسمالي أثبتا عجزيهما على تحقيق أهدافهما؛ مثل حرية الإنسان ورفاهيته والسعي إلى العدالة الاجتماعية دون تدخل من الدولة, غير أن سعيهما انتهى لجعل الدولة هي المتدخل الأقوى في كل شيء وأن الفرق الوحيد بينهما أن النظام الاول يستعمل “إعلانات التلفزيون” والثاني يستعمل “جهاز الأمن” ومنه تعلوا إرادة القانون العام على حساب المركزية الإنسانية [7].

خامسا: العلم والتكنولوجيا:

يعتبر المسيري أن المجال العلمي التكنولوجي حسب الفكر الاستناري لن يعرف قفزات كبيرة وإنجازات مهمة إلا بعدما يتخلص بشكل تام وكلي من أعبائه الأخلاقية والفلسفية؛ حيث إن هذا التحرر هو الذي سيخول له اكتشاف أسرار الطبيعة وسبر أغوار الطبيعة, صانعا بذلك “الفردوس الأرضي”[8], غير أن هذا الحلم المتمركز حول الإنسان سرعان ما سيتحول إلى مركزية الطبيعة/المادة هذا ما يعني “إخضاع الإنسان نفسه للتجريب العلمي دون غائية إنسانية أو هدف أخلاقي, حتى يتم إنارته تماما واكتشاف قوانينه ومن ثم التحكم فيه, الأمر الذي يؤدي إلى القضاء على الإنسان كما نعرفه ككائن مركب متجاوز للطبيعة” [9] ويظهر لنا هذا جليا مثلا في الحروب حيث أن المعدات العسكرية اليوم أضحت قادرة على تدمير البشرية برمتها والاختلالات البيئية وانتشار أمراض جديدة فتاكة كل هذا يدفعنا للقول ان العلم الإنساني أصبح غير إنساني مدمرًا للإنسان.

سادسا: التاريخ:

لقد اهتم فكر الاستنارة بالتاريخ بشكل كبير وهذا يظهر لنا بشكل ملحوظ حينما ننظر لحجم الإسهام الذي بذله هذا التيار في التاريخ؛ غير أن هذا الاهتمام انقسم إلى رؤيتين، واحدة: متمركزة حول الانسان، وأخرى: متمركزة حول الطبيعة؛ حيث إن النظرة التي ترى مركزية الطبيعة تنظر للتاريخ على أنه “تجسيد للقانون الطبيعي” [10]حيث يكون التاريخ حسب هذه النظرة “مجرد تراكم لمعلومات و حقائق حضارية مصطنعة تُبعد الإنسان عن حالة الطبيعة الأولى (المرجعية النهائية). وهنا يصبح التقدم اغترابا عن جوهر الإنسان (الطبيعي)” [11]غير أن هذه القراءة حسب د.المسيري تحيلنا لأفكار معادية للتاريخ مثل تلك التي ترغب أن تعود بالانسانية للحالة البدائية كما هو الحاصل عن الشيوعيين أو مثلا مرورا بأصحاب النظرية الثورية الجذرية انتهاء بأفكار تعلن عن نهاية التاريخ [12] كل هذا جعل من التاريخ حسب النظرة المادية لا يتعدى كونه تجسيد للقانون العام الذي يطوق الإنسان بحتيمة قوانينه الخالية من الغرض الإنساني.

سابعا: النظرية الأخلاقية:

يرى الفكر التنويري انطلاقا من الأرضية الأخلاقية أن الإنسان خيِّر بطبعه ولا يضمر أي شر وأن الباحث عن المصلحة بشكل تنويري يجنبه السقوط في شرك التناقض مع مصالح الآخرين هذا حسب التصور المتمركز حول الإنسان؛ غير أن تأثير الطبيعة/المادة على الإنسان لا يمكن نفيها فهي واضحة في مسار تكوينه وتشكيله, وتعد الفلسفة النفعية امتدادا لهذه النظرة المتمركزة حول الطبيعة/المادة حيث إن هذه الأخيرة أعطت الأسبقية للأحاسيس الفيزيائية على حساب المفاهيم الأخلاقية [13]؛ ومنه يهمل الجانب الروحي على حساب الجانب المادي الرامي للذة والإشباع ومنه تصبح “العوطف الإنسانية إن هي إلا تعبير عن حركة المادة” [14]؛ كل هذا يظهر لنا ما مدى حجم التناقض الحاصل بين النموذجين على المستوى الأخلاقي ويرى المسيري كذلك أن هذا التناقض يحسم عادة لصالح الطبيعة/المادة, غير أن أحد أكبر الاشكالات التي يواجهها التوجه الأخلاقي بصيغته المادية هي مشكلة الشر في ما يخص نشأة والتفسير وكيفية المحاربة وهنا يرى المسيري أن “الإنسان الذي لا يعرف الشر ولا يختاره, لا يعرف الخير ولا يختاره, فهو إنسان مسلوب الإرادة ومسلوب الحس الأخلاقي وليس عنده وعي خاص, فهو إنسان طبيعي” [15] يسوده القانون الطبيعي.

غير أن أكبر معضلات التصور الأخلاقي الطبيعي هو كيفية معرفة الأخلاقي من غير الأخلاقي ؛ حيث أن التصور المادي يحتم على الإنسان يرسخ التصور السببي المبطل إلزاماً استقلالية وحرية الإنسان, ومن جهة أخرى فإن عقل الإنسان غير مؤهل لمعرفة الفوارق الحاصلة بين الخير والشر بمفرده فمقدرته لا تستطيع أن تتجاوز إطار الملاحظة والتجريب ولا ترقى إلى التمييز بين الخير والشر [16] كل هذا يجعلنا أمام تناقضات حادة في مجال الأخلاق تجعلنا نعيد النظر حول جدوائية الفكر الاستناري من أساسه.

خاتمة

ومن هنا, يظهر لنا بشكل جلي طرح الدكتور عبد الوهاب المسيري في ما يخص الفلسفة الاستنارية؛ حيث أظهر لنا دعائم هذا الفكر المعرفية وأسسه الفلسفية, كما أظهر بعض تناقضات هذا التيار الفكري وتأزماته مظهرا ضرورة تجاوز طرحه بطرح جديد قادر على حل هذه التناقضات الكامنة داخله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]
– نفس المصدر، ص: 21.

[2] – نفس المصدر، ص: 27.
[3] – نفس المصدر، ص: 29.
[4] – نفس المصدر، ص: 35.
[5] – نفس المصدر، ص: 39.
[6] – نفس المصدر، ص: 40.
[7] – نفس المصدر، ص: 40.
[8] – نفس المصدر، ص: 44.
[9] – الفردوس الأرضي هو عنوان لأحد كتب الفيلسوف المسيري يقصد بهذا اللفظ باختصار أن الإنسان سيجعل من الحياة الدنيا جنة بعد تسخيير كل مكتسباتها وإدراك كنه الطبيعة/المادة ومعرفته لكل قوانينها.
[10] – نفس المصدر: ص: 46.
[11] – نفس المصدر: ص: 49.
[12] – نفس المصدر: ص: 49.
[13] – نفس المصدر: ص: 50.
[14] – نفس المصدر: ص: 52.
[15] – نفس المصدر: ص: 56.
[16] – نفس المصدر: ص: 58.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*