أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / أزمة تغييب قيم الإسلام تحت دعوى النقاء

أزمة تغييب قيم الإسلام تحت دعوى النقاء

بين الفكر والحركة 2

شريف محمد جابر

ماذا يفعل أولئك المتشنّجون الذين يغيّبون قيم الإسلام الرفيعة بحجّة “نقاء الدعوة” وعدم تقليد الكفار في الشعارات؟

يقولون: لا تنادوا بالعدل، بل قولوا نريد تطبيق الشريعة وهذا وحده يكفي.
والله سبحانه يقول: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} وقال لنبيّه صلى الله عليه وسلّم: {وقل آمنتُ بما أنزل الله من كتابٍ وأُمرتُ لأعدلَ بينكم}.

يقولون: لا تنادوا بالإصلاح ، بل قولوا نريد تطبيق الشريعة وهذا وحده يكفي.
والله سبحانه يقول على لسان نبيّه شعيب عليه السلام: {إنْ أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعت}.

يقولون: لا تنادوا بحفظ الحقوق، بل قولوا نريد تطبيق الشريعة وهذا وحده يكفي.
والرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: “يدعو اللهُ بصاحب الدّين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقال يا بن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيّعت حقوق الناس؟”. وقال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحقّ له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقّ منه”.

ولو راجعنا عشرات النصوص في الكتاب والسنّة، لوجدنا خطاب “المضامين الفعلية” المباشر واضحًا كلّ الوضوح.. لوجدنا خطابا يتوجّه مباشرة إلى قضايا الواقع وأزماته ويقدّم تعليماته بلغة يفهمها البشر ويعلمون نشدانها للحقّ والعدل.

المشكلة أنّ هناك فكرًا سطحيّا يهيمن على عقليات كثيرة، يرى تجنّب ذكر بعض أبرز القيم التي جاء بها الإسلام ليغيّر وجه البشرية؛ بحجة أن الغرب “الجاهلي” يرفع شعارات هذه القيم، أو بحجّة وجوب “نقاء الشعارات”، وما عرف هؤلاء أنّ العمل لتحقيق هذه القيم من أهم ما دعا إليه دين الله!

تأملوا في جميل تفصيل جعفر بن أبي طالب حين وقف أمام الملك النجاشي؛ حيث لم يكتفِ بمقولة الدعوة إلى التوحيد، بل فصّل ما يتضمّنه هذا الدين من إصلاح لبعض الانحرافات التي كانت الجاهلية تعجّ بها حينذاك. فقام بعرض الانحرافات الشائعة، ثم بيّن دعوة الدين إلى إصلاحها: قال جعفر: “أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، قال: فعدد عليه أمور الإسلام”. انتهى. فهذه القيم كلّها “من أمور الإسلام” كما جاء على لسان الصحابي جعفر بن أبي طالب.

إنّ تغييب قيم الإسلام الفعلية والتي تتوجّه إلى قضايا الواقع الإنساني مباشرة يؤدي إلى نشوء شعور ببعد هذا الدين عن الواقع، والإحساس بأنّ ما يدعوا إليه هؤلاء الدعاة شيء شبيه بالسحر؛ حيث يقال “تطبيق الشريعة” ولكن لا يتمّ ربط الأمر بمفاصل التغيير الجذري المنشود، والتغيير في الواقع لا يتمّ إلا بتغيير نظام الحقوق والعدالة الذي يسيّر العلاقات في المجتمع، وينبغي أن تفهم القطاعات التي ستلتفّ حول المشروع القيمة الفعلية لما تدعو إليه، والفارق الحقيقي بينه وبين ما هو قائم من جاهلية وفساد في النظام، وإلا فتصوّروا حجم الكارثة حين يصل مشروع “إسلامي” إلى سدّة الحكم، فيبقي على الاستبداد، وعلى الحزبية والتحيّز الذي ينافي العدل، ويصادر الحقوق بغير حق وينتهك الحرمات في الدماء والأموال.. وجميع ذلك تحت شعار “تطبيق الشريعة”؛ ماذا ستكون النتيجة؟!

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*