أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / بالإنسان نبدأ وبه ننتهي

بالإنسان نبدأ وبه ننتهي

د. مجدي سعيد

د. مجدي سعيد

كثيرا ما نسمع هذه المقولة: “الإنسان قبل البنيان” أو “الإنسان هو أداة التنمية وهو غايتها”، وفي الحقيقة لو تأملنا فسوف نجد أن الإنسان هو مشكلتنا في هذه الدنيا بقدر ما هو مفتاح التغيير والإصلاح فيها، من أجله كانت الرسالات والرسل والكتب، ومن أجل الوصول إليه وإلى تغييره والتغيير به وإصلاحه والإصلاح به قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقومه “خلوا بيني وبين الناس”، ولأن الاعتبار أو المساحة المعطاة أو الاهتمام الكافي المعطى للعمل على ومع ومن أجل الإنسان غالبا ما تضيع أو تضيق أو تغيب في وسط حلبة الصراع مع أو على السلطة، لذلك فإنني أحاول هنا أن أرسم معالم العمل مع الإنسان ومن أجل الإنسان عبر عشرات أو مئات أو آلاف الوسائل التي يمكن أن نتخذها لذلك:

  • الأساس في إصلاح أو صلاح الإنسان: هو عقله ووجدانه، أن يكون له عقل مميز ووجدان حر، وهو أساس التكليف في الشرع، والحساب في الآخرة، وأساس القيود على عقل الإنسان ووجدانه تنبع من داخله بالأساس، انظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لك “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه” والفطرة هو ما غرسه الله في جينات الإنسان وفي أصل أو مخطط تكوينه Blueprint والفطرة هي أساس منطق العقل ونزوع الوجدان إلى الحرية.
  • لكننا كما أشار الحديث نولد في بيئات تغير من فطرتنا، وآباؤنا ولدوا في بيئات غيرت من فطرتهم، وأبناؤنا سيولدون في بيئات تغير من فطرتهم، وهكذا دواليك في دائرة مغلقة من التغيرات “السلبية” التي تدخل مع عوامل التنشئة الاجتماعية، ولذلك فإن المدخل الأساسي في السعي لإدراك ما اعوج من فطرتنا هو استخدام أدوات العلاج النفسي كأدوات للتشخيص والتقويم بأدواته وفق مسطرة قيمية نابعة من القيم المبثوثة في دين الله (قرآنا وسنة وسيرة) فعليها نقيس سلامة منطقنا وعليها نقيس دوافعنا الوجدانية وعليها نقيس أخلاقنا وسلوكنا، وكلما حدثت تلك التدخلات في سن مبكرة كلما كان ذلك أنجع في العلاج.

وكما قلنا في المقال السابق “سيروا بين الركبان بالعلم والإيمان“، فإن من أسس العمل مع الإنسان تعهده منذ أن ينبت جسده في هذه الدنيا على أن يكون له علاقة بالله أساسها الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، الإيمان القائم على العلم الناتج عن السير والنظر، والتفكر والتدبر، وأن تتطور هذه العلاقة لتصبح اعتصاما بحبل الله، وإسلاما له.

  • ولأن الله وضع الإنسان في الأرض، وأودع له فيها ثروات وخيرات لا تعد ولا تحصى، وأعطاه طاقات لا حدود لها في التفاعل مع تلك الثروات واستعمالها في “العمران”، ولأن البشرية في مسيرتها الطويلة أكسبت الإنسان مهارات ومعارف كالجبال في هذا الصدد، كما أنها تعلمت أدوات وأساليب وعلوم لتفجير طاقات الإنسان الإيجابية والإبداعية الخلاقة في هذا الصدد، فعلينا أن نستثمر كل ذلك في العمل مع الإنسان، ومع الناس.
  • ولأنه قد شاب مسيرة الإنسانية الكثير من الانحرافات في هذا الصدد النابعة من طمع الإنسان وتعجله، فاستنزف ثروات الأرض، ولوث الأرض والماء والهواء “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”، كما شمل هذا الانحراف التظالم بين الناس النابع من استحواذ البعض (20% كما يقدرون) على أغلب ثروات العالم (80% كما يقدرون)، أو استئثارهم بالغلبة وقيامهم بالقهر، فصرنا نرى مستكبرين ومستضعفين، فإن علينا أن نسعى من خلال أدوات العمل الأهلي السلمي التي تعلمتها البشرية أيضا لعلاج تلك الانحرافات.

هناك عشرات الأنواع من العمليات والأدوات التي تتعامل مع الإنسان في مسيرة حياته والتي تفتح لنا أبوابا لا نهائية في مداخل العمل والمؤسسات، كما أن هناك عشرات الاقترابات في التعامل مع كل جزئية تخص الإنسان، مما يصنع لنا في النهاية مصفوفة يصعب أن تحصيها فتسدها أنظمة الاستبداد جميعا في وجوه المصلحين:

  • فما بين الأسرة (بداية من عملية الزواج وما يشوبها، قبل وبعد الزواج، وتربية الأبناء وما يكتنفها، ومفاهيم الناس المغلوطة للتربية واستعداداتهم للقيام بأعبائها، والعائلة الممتدة وتفعيل أدوارها).
  • وما بين الشارع والسكنى وما فيها من فقراء وأرزقية وأطفال وغيرهم ممن تفرمهم أدوات القهر، وممن يستعين بهم القاهرون ليقهروا غيرهم، ونحن نكتفي بصب اللعنات عليهم دون أن نمد إليهم أيدينا.
  • وما بين المجتمع كصورة أكبر وما فيه من مشكلات اجتماعية عامة تحتاج إلى تدخل لدى الإنسان بالأساس قبل البنيان.
  • وما بين تعليم ومدارس وتدريب ومراكز وكشافة ومعسكرات وجامعات ومبادرات وغيرها من الفعاليات والحركات.
  • وما بين ريادة بفرعيها اجتماعية واقتصادية يتعلم فيها ومن خلالها الإنسان الإيجابية والمبادرة والإبداع والابتكار في حل المشكلات وتلبية الاحتياجات.

بقيت لي بعض الكلمات:

  • إن من أخطر آثار هذه الأزمة التي نعيشها في أوطاننا انصراف هم الناس إلى تتبع ما يجري في حواري وأزقة هذا الصراع الدائر، ونسيانهم أن أساس عمل الرسالات والدعوات والجماعات والتنظيمات هو استهداف هذا الإنسان.
  • لن تتغير أحوال أوطاننا وأمتنا ما لم ينصلح حال الناس، ولن ينصلح حال الناس، إلا إذا أدركنا أن العمل على انصلاح أحوالهم مطلب دائم ومستمر، لا ينبغي أن يتوقف تحت أي ظرف.
  • علينا أن نراجع ما قال القرآن وما قالت السنة والسيرة عن الإنسان، وأن نراجع أحوال الإنسان في أوطاننا وأمتنا، ولنحدد الهوة بينهما، ولنجدد النية، ولنحدد الهدف، ولنسع إلى أن نبني الإنسان بمواصفات قرآنية، وبما تحتاجه الأوطان والأمة في هذا الزمان الذي نعيشه، ولنقسم العمل علينا أفرادا، ومبادرات، وجماعات، كل يسعى نحو الهدف: إنسان قرآني لهذا الزمان.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*