أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / حاسة طرف الإصْبَع

حاسة طرف الإصْبَع

عمار صبري

عمار صبرى

    تخيل أنك ربان سفينة فى بحر وسط عاصفة ، الرياح لا اتجاه لها والأمواج تفاجئك بضربات للسفينة ، تتلقى اللوم من كل من حولك ؛ فأنت المسؤل عن أى تصرف ، البعض يملي عليك اقتراحات متناقضة ، ربما حينها تفقد تركيزك ولا يستطيع عقلك أن يعرف الصواب من الخطأ ، قد تقع أسير خوفك وتصبح كل أفعالك هى ردة فعل فقد فقدت سيطرتك على ذاتك ، فى تلك الحالة سيكون مصيرك الهلاك ؛ فلو أن دفة المركب تحركت وفقا لاتجاه حركة الرياح الذى سيفاجئك بأنه يتغير كل دقيقة ، فإنك ستموت مكانك دون أن تتحرك ، لكنك فى تلك الحالة تحتاج فقط ألا تفقد تركيزك ، عليك ألا تقع أسيرا لعواطف الخوف أو اليأس أو الإحباط ، دع جميع من فى السفينة تصيبهم حمى المشاعر ، أما أنت كقائد ، لابد أن تظل حاضر الذهن محافظا على قواك العقلية أيا كانت الظروف ، فمهما كانت المحن لابد ألا يتحول سلوكك إلى مجرد رد فعل لما يحدث من حولك ، إن حضور ذهنك سيحررك من تأثير العواطف ويبقيك على المسار الصحيح .

   فى حياتنا كثيرا ما نقع فى خطأ أن نكون رد فعل لموقف معين ، أو سلوك من حولنا ، كثيرا ما تهزمنا المشاعر . إن أخطر أعدائك هو نفسك ، تذكر هذا دائما ، فمشاعرك الداخلية هى أكثر ما يمكن أن يسيطر عليك ويقودك نحو هزيمة حتمية ، شعور الخوف قد يجعلك ترى الأمور بشكل أكبر من الواقع ، شعر الغضب قد يقودك إلى سلوك انتقامى أنت لست فى حاجة له ، شعور الانهزامية قد يقودك إلى التقليل من قدراتك وهو أمر غير صحيح ، إياك أن تقع ضحية لمشاعرك .

    فى خضم معاركك مع الخصم ، قد يبدو الأمر وكأنك فى ورطة ، قد ترى أتباعك يهولون من حجم الخسارة ، سترى الخوف فى أعينهم ، وتسمع أصوات ارتباكهم ، عليك هنا أن تحافظ على هدوئك وثقتك بنفسك ، فقط انظر للأمور بحجمها الطبيعى ، لا تقلل من المخاطر ولا تراها بصورة مبالغة ، استرجع طبيعة خصمك التى تعرفها ، ادرس الموقف واتخذ القرار بشكل عقلاني .

يقول كارل فون كلوسفيتز فى كتابه ( عن الحرب ) : ” تؤثر الحواس على العقل بشكل أكثر حيوية مما تفعل الأفكار ، حتى ذاك الذى خطط للعملية العسكرية ويراها الآن وهى تنفذ ، يمكن أن يفقد ثقته برجاحة أحكامه ، لدى الحرب طريقة تقنع بها الحلبة بمشهدية مختلطة بالأطياف المرعبة ، ما إن تتم إماطةهذا القناع ، وتنجلى الرؤية فى الأفق ، فإن تطورات الأحداث ستؤكد له صحة قناعاته السابقة ” .

  • أحداث من التاريخ :

فى غزوة أحد كان خالد بن الوليد قائد الميمنة فى جيش قريش ، وكان سببا فى انتصارهم على المسلمين حين استغل ثغرة الرماة ، فبعد أن تمكن المسلمون من جيش قريش ، وشعروا بأن النصر حليفهم نزل الرماة من أعلى جبل أحد ، كان جيش قريش قد أدرك هزيمته وبدأ فى الفرار ، لكن خالد بن الوليد كقائد عسكرى لم يقع أسيرا لمشاعر الهزيمة والخوف كالباقيين ، فرغم كل ما حوله أدرك أن هناك فرصة كي ينتصروا بعد أن ترك الرماة أماكنهم ونزلوا لجمع الغنائم ، وبالفعل التف خالد بن الوليد بالجيش وتمكن من جيش المسلمين لتتغير نتائج المعركة تماما .

لم يكن خالد بن الوليد يمثل رد فعل لما حوله من ظروف ، كان يستمتع بعقلانية بعيدة عن العواطف والمشاعر ، فأدرك الموقف ودرسه وأصدر القرار ، وقد كانت تلك أولى معاركه ليصبح خالد بن الوليد بعدها القائد الذى لم يهزم فى معركة .

  • أحداث من الحاضر :

حين يهاجمك خصمك بشكل مفاجئ ، ويصفك بصفات ليست بك ، قد تسرع للدفاع عن نفسك ، فيصبح أسلوبك دفاعى بشكل لا إرادى ، إنك هنا قد استجبت لمشاعرك لتضع نفسك فى الوضع الذى أرادك هو عليه ، لا شيئ أفضل من أن يكون رد فعلك غير متوقع ، أن تسيطر أنت على زمام الأمور ، فتظل الأقوى ، وهذا يحدث فقط حين يتحكم عقلك لا مشاعرك .

إن ما يميز الإنسان عن الحيوان ليس فقط كونه كائن مفكر ، فالإنسان يتميز بكونه قادر على الضحك والبكاء ، بالمشاعر المختلفة ، وربما تكون تلك هى نقطة الضعف حين تكون فى خضم المعركة ، إننا نعتقد بأننا عقلانيون ، فى حين أننا ربما نكون عقلانيين عندما تسير الأمور بشكل طبيعى وفق المرسوم والمخطط مسبقا ، أما حين تختلف الأوضاع ونتفاجأ بشيئ عكس المألوف فإن مشاعرنا تظهر ، الإحساس بالخوف والخيانة واليأس والإحباط ، هو ما يسيطر ، فتكون قرارتنا خالية من أى عقلانية .

القادة الاستراتيجيون ينبغى أن يتحلون بهذا السلوك العقلانى المسيطر على العواطف ، ومثل هذا السلوك لا يتعلم بالقراءة فى الكتب ، إنما بالتجربة والممارسة ، إن الخطوة الأولى للحصول على الحضور العقلى هو التجربة والخطأ ، فنحن لا نولد بقدر كبير من الجلد ، لكن إحساسنا بالمسؤلية هو ما يدفعنا إلى المزيد من الجلد والقدرة على تحمل المصاعب دون الانهيار أمام مشاعرنا .

وهناك بعض الأفكار التى يمكن أن توصف بأنها تمارين أو وسائل تقوى بها عقلك فكل واحدة منها بمثابة وسيلة لإحداث التوازن مع تأثير العواطف :

  • عرض نفسك للصراع : لا تهرب من مشاعرك السلبية وتحاول أن تخفيها ، ففى لحظات ضعفك ستطفو على السطح ولن تتمكن من مواجهتها ، لذلك واجه ضعفك ، الخوف هو الشعور الأسوأ الذى قد يودى بك تماما ، لهذا واجه خوفك واحسم صراعا بداخلك ، تخيل نتائج الخوف من أمر ما ، حجم الخسائر التى ستواجهك ، ادرك حقيقة مخاوفك واحسمها قبل المعركة .
  • اعتمد على نفسك : نحن نبالغ فى إمكانيات الآخرين ، ما يجعلنا ضعفاء أمامهم ، أن تعتمد على نفسك يعنى أن تزيد من مهاراتك ، أن تعرف تفاصيل أكثر فى مجالك ، ألا تترك نفسك أسيرا لمشاعر سلبية مثل الخيانة ، دائما ركز فى أن تكون لديك القدرة على القيام بكل شيئ فى عملك ، فلا تخشى من خيانة الآخرين أو تركهم إياك .
  • اضحك فى وجه الحمقى : حين تجد من حولك مجموعة من الحمقى يقلقون بشأن كل شئ ، ويخشون المغامرة ، يقدمون مصالحهم الشخصية على مصلحة الفريق ، تذكر أنك أنت القائد وأنك وحدك المسؤل عن نجاح الهدف وأنت صاحب الرؤية ، لذلك لا تشاركهم مخاوفهم ، فقط ابتسم لهم وتظاهر بأنك تهتم لمخاوفهم ، واحتفظ بخططك لنفسك ، فقط لا تطلعهم سوى على المهام الجزئية المكلفين بها ، فأنت لا تستطيع أن تحارب فى كل الاتجاهات ، ابتعد عن المشاعر السلبية وكل ما قد يرهقكك ، فقط لا تأبه بهؤلاء الحمقى وركز فى كيفية تحقيق هدفك .
  • تخلص من مشاعر الرعب بالتركيز على مهمات بسيطة : حين تقابل أزمة أو مهمة معقدة أو خصم قوى ، لا تنظر إليها بشكل مجمل ، قد ترى تلك المهمة معقدة بالشكل الذى لا يمكن أن تواجهه ، لذا فتت تلك المشكلة إلى مشكلات أصغر واعمل عل حل إحداها ، قسم المهمة إلى خطوات ، وركز على الخطوة الأولى ثم الثانية وهكذا ، لا تستسلم لمشاعر الانهزامية أمام المشكلة ، فقط انظر إلى الأشياء بحجمها الطبيعى .
  • طور ” حاسة طرف الإصبع ” لديك : فالحضور العقلى لا يعتمد فقط على القدرة على اتخاذ القرار السريع بل ومدى سرعة اتخاذ هذا القرار ، فأحيانا لا يفيد التوصل إلى القرار بعد مرور وقت من الزمن ، بل لابد أن تتمتع بقدر من التجاوب مع الظروف بخطوات سريعة واتخاذ قرارات بسرعة البرق ، وهذه القدرة غالبا ما ترى نوع من الحدس ، أو ما يسميه الألمان “حاسة طرف الإصبع ” ،ولا يعتمد ذلك فقط على المهارة التى لديك ، بل دراستك للواقع ،وكمية المعلومات التى لديك حول الخصم وطبيعته ، ومدى إدراكك لقدرتك الحقيقية ، تلك المعلومات تسهم بشكل أساسى فى اتخاذ القرار الصحيح بشكل سريع .
  • لا تفكر فى الحضور العقلى كصفة مفيدة فقط فى الأوقات الحرجة : بل حول تلك الصفة إلى مهارة فى حياتك الطبيعية ، فهى ليست زر تضغط عليه فى مواقف وتوقفه فى أخرى ، بل اجعل ذلك أسلوب حياتك كقائد استراتيجى مختلف التفكير .

المقاتل الاستراتيجي ينبغى أن يكون هادئ فى سلوكه ، رغم عواصف الأفكار فى عقله ، لا يبدو عليه التأثر بالظروف التى حوله ، رغم أنه يدرسها ويحللها جيدا ، المقاتل الإستراتيجى يجب ألا يكون كغيره أسيرا للمشاعر والعواطف ، فقط ينبغى عليه أن يتخذ القرار الصائب بشكل عقلانى يحقق الهدف الذى يسعى إليه .

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*