أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / يا أهل الثورة الكرام: لماذا قمنا بالثورة؟

يا أهل الثورة الكرام: لماذا قمنا بالثورة؟

د. مجدي سعيد
د. مجدي سعيد

“لماذا قمنا بالثورة؟..أنا لا أعلم لماذا قمنا بالثورة..” كلنا يحفظ ذلك الإفيه الشهير للفنان عادل إمام، من مسرحيته الشهيرة “الزعيم”، وهو سؤال جدير بأن نعيد طرحه على أنفسنا، لا لنستعيد الشعارات التي حملت مطالب الثورة “عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية”، ولكن لنبحث في الأسباب التي هيأت الظروف لصناعة جيل الشباب الذي أعطى شرارة بدء الثورة.

علينا أن نتذكر أولا أن أكثر التقديرات تفاؤلا لمن شاركوا في الثورة وصلت بهم إلى 15 مليونا في جميع ميادين مصر، وإذا تذكرنا من شارك في انتخاب الدكتور محمد مرسي “الممثل الوحيد للثورة في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة”، وجدنا أنهم أقل من 13 مليون بقليل، أما من انتخب الدكتور أحمد شفيق “ممثل الثورة المضادة” في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة فكان 12.5 مليون بإجمالي أكثر من 25 مليون بقليل، بينما شارك في انتخابات مجلس الشعب حوالي 30 مليون، ويمكننا أن نقدر من انتخب ممثلي الثورة في ذلك الوقت على اختلاف طوائفهم حوالي 25 مليون، بمعنى أنه بأكثر التقديرات تفاؤلا يمكننا أن نحسب قوى الثورة ما بين 15 مليون على أقل تقدير، و25 مليون على أقصى تقدير، بينما القوى المضادة للثورة بشكل صريح فما بين 5 مليون على أقل تقدير، و12 مليون على أقصى تقدير ، ومن ثم فإننا أمام كتلة تبلغ ما يقرب من 50 مليون غير محددة الموقف، أو التي ترفع شعار هيفاء وهبي “بدي عيش”.

في تقديري أن الكتلة الرئيسية المؤيدة للثورة والثابتة على مواقفها لا تزيد على 15 مليونا، وأن هذه الكتلة تتكون بالأساس من ثلاث مكونات كما ذكرت في مقال سابق:

  • الشباب الثوري المسيس من جميع الاتجاهات، وهؤلاء كانوا رأس الحربة وعقلها المدبر والذين فتحوا بصدورهم العارية الثغرة في جدار النظام.
  • الإخوان المسلمون: وقد مثلوا الهيكل العظمي للثورة.
  • عموم الناس من الشباب والأسر: ويمثلون الجسد الذي كسا الرأس والهيكل.

وإذا حللنا تلك الأطراف بادئين بالإخوان لعلمنا بتكوينهم كجماعة دعوية تربوية إصلاحية منذ عام 1928، ولإيمانهم بشمول الإسلام لكل مناحي الحياة مارسوا ألوانا جديدة من الأنشطة على الجماعات الدعوية، فكان من ذلك دورهم في المقاومة خاصة في الفترة ما بين أعوام 1948 و1951، ثم دورهم في السياسة الداخلية ما بين أعوام 1952 و1954، تعرضوا للاعتقال والتعذيب والقتل أيام الملك بين عامي 1948 و1950، ثم أثناء حكم عبد الناصر من 1954 وحتى خرجوا في عهد السادات عام 1974، ثم ما بين عامي 1981 و1982 خلال نهاية حكم السادات وبداية حكم مبارك، ثم للمحاكمة العسكرية للقيادات الوسيطة والتضييق الأأمني ما بين عامي 1995 و2011، ظل الإخوان لسنوات طويلة منذ عام 1984 تقريبا، وحتى عام 2010، يحاولون التغيير سلميا من خلال استراتيجية واحدة تقريبا، وذلك عبر دخول الانتخابات بجميع أنواعها، وهي الاستراتيجية التي نجحت في بداياتها من عام 1984 حتى عام 1994، وأغراهم نجاحهم هذا بالتمدد إلى مساحات كان النظام يعتبرها خطوطا حمراء (كمجلس نقابة المحامين، والمحليات) أو دخولهم في تحد سافر للنظام (كما حدث في انتخابات الأطباء عامي 1992 و1994، أو في أعقاب زلزال 1992)، وهو ما أدى بالنظام إلى تبني سياسة استئصال التنظيم بالاعتقالات والمحاكمات العسكرية لمجموعة إثر أخرى. خلال السنوات المتوالية من التضييق تارة والعمل السياسي تارة أخرى، نمت جرثومة السياسة وتغولت داخل عقول أفراد التنظيم، وضمر الاهتمام بأغلب الأنشطة المجتمعية، ولم يبق في الأغلب إلا الأنشطة التربوية التنظيمية، والتي أصابها الجمهود والانغلاق نتيجة تلك الفترات الطويلة من الضغط والتضييق، فصار أفراد التنظيم كقطعا من الذهب والفضة موضوعة في “ديب فريزر” لا يستيطعون تحريكه في المجتمع، كونهم جميعا صاروا كروتا أحرقها التنافس السياسي اليائس مع القابضين على زمام الأمور في الدولة، وهذا ينقلنا إلى تحليل كيف تكون الشباب سواء ممن حسبناهم من عموم الناس أو من بعض شباب الثورة.

خلال فترة غلق جميع منافذ التغيير السلمي السياسي أمام الناس وخاصة من الإخوان، ما بين عامي 1995 و2010 حدثت الكثير من المتغيرات التي بدأت تصب الماء في المجرى الجاف لنهر الحياة المصرية حول سفينة الإخوان:

  • لجوء الشباب إلى العمل الخيري كمنفذ لتصريف طاقته: مع ظهور كل من جمعية رسالة في جامعة القاهرة، وفتحة خير في الجامعة الأمريكية، والقوافل الطبية في جامعة عين شمس، ظهر جيل جديد من المؤسسات الخيرية التي لا تعتمد على أصحاب المعاشات، ولكن التي تقوم على أكتاف الشباب بالأساس.
  • ظهور الدعاة الجدد: حازم صلاح أبو اسماعيل، وعمر عبد الكافي، وعمرو خالد كدعاة يخاطبون بالأساس الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، والطبقة العليا من المجتمع، أظهر طائفة من المتدينين الجدد، وحالة من التدين في أوساط شرائح وطبقات جديدة، وكان التضييق الذي حدث على هؤلاء الدعاة ولجوئهم إلى الفضائيات وتطويرهم الخطاب من البرامج الدعوية الخالصة إلى “صناع الحياة” مما أضاف إلى رافد الإيجابية في المجتمع، التي وضع بذورها رافد العمل الخيري الجديد.
  • ظهور ساحات ثقافية جديدة كساقية الصاوي التف حولها الباحثون عن مجال ثقافي وفني جديد يمثل ملتقى للمتدينين الجدد وغيرهم من غير المتدينين والباحثين عن مناخ ثقافي مختلف.
  • انتشار الشباب في مساحات جديدة من المبادرات الأهلية: كالتنشئة العلمية والابتكار وريادة الأعمال والريادة الاجتماعية في مساحات جديدة، بروح شبابية دافقة، ومسحة يغلب عليها روح التدين الجديد.
  • حالة الحراك السياسي التي جاءت مع ظهور حركات كفاية، و6 أبريل، واستقلال القضاء، وغيرها من حالات الحراك والتي مثلت في الأغلب ملتقى لشباب وناشطين من مشارب مختلفة.
  • العامل الأهم والأبرز والذي منه وفيه ظهرت الدعوة للثورة، والذي مثل المناخ البديل والمفتوح للتعبير وصياغة الوعي وساحة التقاء الشباب من مشارب مختلفة والمتمثل في الفضائيات بدرجة أقل والإنترنت بدرجة أكبر، خاصة مع ظهور الوسائط الاجتماعية كالفيسبوك والتويتر وغيرها.

كانت كل تلك المتغيرات تجري بهمس هو همس خرير الماء الذي بدأ يملأ المسارات البديلة الهادئة البعيدة عن الصخب، بينما صخب المعركة الجارية على قدم وساق بين الطرفين الرئيسيين في المشهد السياسي المصري وهما: النظام السياسي المستبد والفاسد والفاشل في آن، والذي أغراه ما يمتلكه من أسباب النفوذ والقوة متمثلا في احتكاره للثروة والسلطة في طرف، والإخوان المعتقلين والمطاردين والذين بقوا طوال هذه المدة موضوعين في الركن، متلقين للضربات، آخذين لوضع رد الفعل، ومؤمنين باستراتيجيتهم الوحيدة للتغيير وهو التغيير السلمي عبر صناديق الانتخاب في طرف آخر.

ثم كانت شرارة الثورة والتي أتت لتعبر عن غضب الشباب من تمادي النظام في غيه، وعجز الإخوان عن إحداث تغيير حقيقي في المشهد، ثم كان نجاح الثورة التونسية حافزا ومغريا أكبر باحتمالات نجاح الانتفاضة التي دعا إليها الشباب ضد امتهان كرامة الإنسان المصري، وغياب العدالة بأنواعها، وغياب الحرية خاصة السياسية منها، فكان ما كان وما نعرفه من أحداث الثورة، والثورة المضادة، والسؤال يعود هنا: لماذا قمنا بالثورة؟ وهل حجم الكتلة الحرجة التي كانت ولا زالت ثارة على الأوضاع الجائرة كافية لإحداث التغيير؟ ظني أن إجابتنا جميعا أهل الثورة الآن واضحة وقوية: اللهم لا، إذا لماذا قمنا بالثورة؟ كنت ولا زلت أؤمن أن هذه ثورة صنعها الله على عينه، لا لتحدث التغيير الذي ننشده، ولكن لكي ندرك حجم الخراب والفساد لا في مؤسسات الدولة الرئيسية وفي بنية النظام الحاكم فقط، ولكن أيضا في بنية الشعب، فليست المشكلة في أن هناك شعب يريد الثورة على الأوضاع القائمة، وشعب يريد الثورة على الثورة، فهذه حقيقة واضحة للعيان على الأقل منذ موقعة الجمل (2 فبراير 2011)، ولكن في أن صف الثورة نفسه بدا مهلهلا، وبعض ممن ركبوا موجتها ليسوا معها، أو على الأقل هم معها حين تأتي ثمارها بمن هم على هواهم، ومن ثم لقد قمنا بالثورة كي تكون الفاضحة والكاشفة للصفوف والنفوس والأقنعة وحجم الخراب وتمدده، ومدى عدم جهوزة أهل الثورة لإدارة التغيير وإبداع البديل بعد نجاحها، ومن المفيد هنا أن نذكر بما ساقه الكواكبي من قواعد ثلاثة لرفع الاستبداد وإبطال عمل المستبدين، والثورة والثورة المضادة شاهدة علينا وشاهدين عليها:

  • أن الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.
  • أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج.
  • أنه يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد.

يا أهل الثورة الكرام، ويا أيها الراغبين في التغيير والإصلاح، ويا أيها الحالمين بالتنمية والنهضة، لا زال أمامنا طريق طويل من العمل، حتى يكفي الماء المحيط بسفينة التغيير لدفعها للأمام حتى منتهاها.
يا أهل الثورة، من أراد منكم مقاومة الانقلاب فليفعل، ولكن ليوقن أن أمامه ماراثون طويل، وليس سباقا قصيرا للعدو.
يا أهل الثورة علينا عمل “لطيف، طويل الأمد” يرتكز بالأساس على تغيير الإنسان قبل تغيير البنيان، يا أهل الثورة الكرام: أنقذوا الأجيال القادمة فقيرها قبل غنيها ريفها قبل حضرها من مستنقع الفساد والاستبداد.
يا أهل الثورة الكرام، لقد رأيتم ثمرة سنوات من العمل أتت بأجيال هي التي فتحت الثغرة أمام الثورة الكاشفة والفاضحة.
يا أهل الثورة أمامكم عمل طويل ومماثل كي تنجحوا في الإتيان بأجيال التغيير الجذري الحقيقي.
يا أهل الثورة الكرام: نسيتم أن تناسيتم ملايين من فقراء الحضر والريف في حراككم قبل الثورة، فكانوا أدوات للاستبداد في ثورته المضادة عليكم.
يا أيها الثورة الكرام: الشعب ليس في القاهرة ولا في المحافظات الحضرية ولا في حواضر وعواصم باقي المحافظات فقط.
يا أهل الثورة الكرام: اصطبروا على التغيير أعواما حتى يأتي أوانه، ولا يكون إنكاركم للمنكر سببا في منكرات أكبر منه.. استقيموا يرحمكم الله.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*