أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: مشكلة الثقافة لمالك بن نبي

قراءة في كتاب: مشكلة الثقافة لمالك بن نبي

كتاب: مشكلة الثقافة 
المؤلف: مالك بن نبي
الناشر: دار الفكر 2006 م
عدد الصفحات: 158
قراءة: عبد الصمد حضري

malekلا شك أن تعريف مفردة “الثقافة” هو ما سينطلق منه أي كاتب يروم الخوض في ثنايا هذا المفهوم العميق والمعقد. و كذلك كان الشأن بالنسبة لمالك الذي انطلق في كتابه هذا من التأكيد على أن المفاهيم والأشياء على حد سواء تظل، مع كونها حاضرة في حياة الناس، قابعةً في مستوى اللاشعور إلى أن يتنبه لها الإنسان و يصبح قادرا على تحديد معالمها إذاك يطلق عليها اسما تصديقا على وجودها الذي اكتشفه. ثم بعد ذلك ينطلق الإنسان إلى مستوى أعلى في سلم التعرف على المفهوم أو الشيء، وهو عندما يخضعه لأدوات العلم قصد ضبطه وتنظيمه وتشريح مضامينه.

والثقافة كما تعني اليوم مفهومٌ كان حاضرا منذ نشأة أولى الحضارات على الأرض ولكنه لم يحدد كمفهوم معروف إلا حديثا بفضل النهضة الأوربية التي عرّفت الثقافة على أنها الإنسانيات اللاتينية الإغريقية أي ما أنتجته قرائح الفكر الكلاسيكي الأوروبي. وبعد اكتشاف العالم الشرقي وحضارته (الهندية والصينية) صار للثقافة مفهوم أرحب كونُها تضم واقعا اجتماعيا يتجاوز حدود أوربا.

اجتهد العالم المتحضر بشقيه الغربي و الماركسي في إيجاد تعاريف للثقافة، لكن هذه الأخيرة، يؤكد الكاتب، مع أنها سليمة في ذاتها غير أن تنزيلها في واقعنا (العربي الإسلامي) يثبت عدم صلاحيته كونها تفتقد عنصرا مكملا ضمنيا كامنا في نفوس صائغيها لا يمكن أن نستشفه من ظاهر التعريف لأنه منطلق أساسا من واقعهم الذي يعيشون فيه.

الثقافة هي بالأساس صورة لواقع اجتماعي معين. و طبيعة “الأشياء” و “الأفكار” في مجتمع ما لا يمكن أن تعطينا فكرة عن ثقافته ولكن ما يخول ذلك هو بالأساس هي طبيعة علاقة هذا المجتمع و صلته بهذه الأفكار والأشياء. ففاعلية الأفكار تبقى مرتبطة دوما بشروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان. فقد أوحت تفاحة (شيء) لنيوتن ب(فكرة) عظيمة (الجاذبية) ولو سقطت نفس التفاحة على جد نيوتن أو على فرد يعيش في جو ثقافي مختلف لأكلها ولما أوحت له بشيء. كذلك الشأن بالنسبة لأفكار ابن خلدون العظيمة التي لم يكن لها صدى في واقع زمانه لأن المتلقي أنداك يفتقد لذلك الاستعداد للتماهي مع الفكرة وتبنّيها. فالصلة الثقافية هي التي تمنح الأشياء والأفكار قيمتها الذاتية والموضوعية في إطار معين.

الثقافة في مجتمع معين توحد بين الراعي والطبيب فيه بينما تفرق بين ذلك الطبيب وطبيب قادم من ثقافة أخرى. إنها ثقافة عمر بن الخطاب التي طلبت التقويم من “الشعب” في حال الحياد عن الحق فلم يندهش الشعب من هذا الطلب بل أجاب ب “لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا”. فالثقافة أسلوب حياة مشترك لمجتمع ما ينضوي تحته علماؤه وفلاحوه على حد سواء.

الثقافة هي أعم من المعرفة وأوثق صلة بالشخصية من جمع المعلومات، فهي تمثل مجموعة الصفات الخلقية والاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لاشعوريا العلاقةَ التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه. هي إذاً ذلك الجو الذي يمتص الفردُ عناصرَه تلقائيا لا بوصفها معاني يكتسبها عن طريق الوعي ولكن بوصفها صورا استأنس بها مند مهده ثم تذوب هذه العناصر لتطبع سلوكه.

على مستوى العالم المتخلف لا يمكننا أن نتحدث عن ثقافة إذ لا وجود لحضارة في ذلك العالم، فالثقافة للحضارة كالدماء للجسد تغذيه وتصنع مناعته. كما أننا في هذا العالم لا يمكننا أن نعتبر أن الفولكلور هو الثقافة لأنه في أحسن الأحوال جزء منها لا غير. في هذا العالم المتخلف، من الأجدر أن نتحدث عن اللاثقافة، أي ذلك المستوى الاجتماعي المعيش الذي لابد أن ننطلق منه لنبني ثقافة تتمتع بالأصالة والعالمية معا. ثقافةً تدلل على ارتفاع المستوى الاجتماعي لأفرادها محليا و تبذل الحلول الجديدة و المبتكرة لمشاكل العالم.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*