أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / نبكي ونضحك ونحب ونفارق في لحظات

نبكي ونضحك ونحب ونفارق في لحظات

هبه عبد الجواد

cat_203يبدو أن ثمانية عشر يوماً لم تكن ثورة بالمعنى الحقيقي ولكن كانت حالة ثورية و قصة أبطالها جيل عاش عيداً  استمر لأيام .

كان العيد يتمثل في قصة التعب والنضال التي كانت كحلم جميل، ربما كان ما يسيطر على الثوار يومها ليس الحصول على مطلب معين بقدر ما أن الحالة في حد ذاتها كانت حالة عجيبة، تثير في النفس روح قد ماتت منذ عقود في الأجيال السابقة.

أيام  رغم عذابها ورائحة الموت فيها إلا أنها كالعيد بمشاعر الألفة والتضحية وحب الوطن، والتحليق في سماء الحرية أمام فوهة رشاش أو سيارة عسكرية،  أو ملحمة الغاز ورش المياة والقاء الحجارة ..

أيام ظن فيها أنها كل شئ، وأنه بهذا قد استحق النتيجة التي يأملها ..

وفجأة بعد أن عاش قصة  الصمود و البطولة، اختفى كل شئ .. وتلطخ بشرور البشر وأنانيتهم، وبعد أن حلقوا في السماء سقطوا إلى القاع ..

أربع سنوات مرت  كل شئ يأتي فجأة ويذهب فجأة، وطعم الشعور الجميل الذي استمر لأيام  هرب منه، ودخل في دوامة من الأحداث المضطربة التي حملت قلبه الكثير من المتناقضات في وقت واحد.

أربع سنوات مليئة بكم من المشاعر المختلطة في آن واحد  كل شئ يسير بسرعة  تفوق سرعة دقات القلب، وسرعة مرور المعلومات على خلايا العقل.

جيل نشأ في عصر الانترنت وألعاب الفيديو جيم وعصر الاتصالات يمر بسرعة أحداث تنهي ما تبقى عنده من قدرة على إدارة مشاعره .

لقد اعتاد أن يعيد اللعبة عندما تأتي له إشارة GAME OVER  أما الواقع فلا يعطي له هذه الإمكانية.

لقد اعتاد أن يقرأ روايات بوليسية ويشاهد أفلام رعب لكنه لم يكن يتخيل أن يكون هو جزء من أبطال فيلم واقعي يحدث أمامه كل يوم، يحتفظ بدماء زميله  على بقايا قميص له أو صور جاره وهو جريح أو يعيش على أمل أن يخرج صديق عمره من المعتقل قبل أن يموت من شدة التعذيب، في ذات الوقت الذي عليه أن يستعد لعرس قريبه، ويفكر في حبيبته، ويذاكر دروسه في جامعة تعامله كالمجرم، أو يجتهد في عمله ولا يتعرض لمديره بنقد أو أي شئ كي لا يتهمه بأنه إخوان.

انتاب القلب اضطراب بسبب هذا التناقض وهذه المفاجآت والصدمات، فاعتاد ألا يحمل كل شعور ويعيشه في هدوء ويختبره، بل سريعاً ما يتغير ويصحبه شعور آخر ..

لأنه يعيش في بلاد فيها حدث كبير عظيم نتأوه منه في الصباح، وننساه في المساء، لذا يغضب سريعاً ويبكي سريعاً.. يتألم سريعاً ويضحك سريعاً كي ينسى، فجأة يشعر بالقوة والحماسة ثم ينتباه شعور الضعف والانكسار.

تاه هذا الجيل فلم يعد يفرق بين الألفة والحب، فسرعات ما تقع فتاة في حب بعد كلمات، أو يقرر شاب الزواج لمجرد إعجاب عابر، يحب بسرعة ويفارق بسرعة.. يتزوج سريعاً ويمل سريعاً.. كل شئ يأتي بسرعة.

كيف لجيل يعيش في هذا المزيج المتناقض من المشاعر أن يقرر أوأن يختار ، أن يحدد ما يجب أن يفعله وما يجب أن يتوقف عن فعله.

زر الإيقاف

نحن في حاجة إلى بعض الصمت إلى بعض الهدوء كي نرتب وندير مشاعرنا، لقد اختلط علينا الغضب بشعور العجز، واختلطت مشاعر الكره بمشاعر الرفض .

ردود الأفعال ليست ناضجة بسبب حالة الارتباك الشعوري، وعدم القدرة على تحديد البوصلة هو لنفس السبب، الحاجة باتت ملحة للضغط على زر الإيقاف، وأن يحدث إيقاف مؤقت لمحاولة فهم ما جرى وما يجري، وإدارة المشاعر بشكل ناضج:

  •    إدارة المشاعر وتنظيمها وفهمها يعطي لكل شعور حقه، فمن المهم استقبال كل شعور بما يليق به، واختبار حجمه كي لا يأخذ أكثر أو أقل مما يستحق.
  •   عندما يميز الإنسان بين الغضب والقهر لا يقع في براثن الإنهزامية والانكسار، فالظلم يستحق الغضب، لكن لا يستحق الانكسار، الغضب عندما يتم استقباله جيداً يأخذ وقته إلى العقل ويتحول إلى رد فعل ناضج وليس فعل صبياني في أفعال ليس لها قيمة أو كلمات بذيئة.
  •  الفقد العاطفي يشعر به كثير من شباب هذا الجيل في هذه المرحلة مع شدة الأزمات مما يوقع المرء في مشكلات بسبب عدم تمييزه بين الحب والألفة، فينكسر القلب من فراق أو جفاء لأنه لم يقدر المشاعر بقدرها، أو يتطرف في مشاعر الحب سريعاً بدون اختبار العلاقة ثم يصدم بالواقع وبأنه كان مجرد حب كاذب، أو يقرر الزواج بناء على مشاعر تدفقت فجأة  من تواصل إلكتروني، اختبار المشاعر وممارستها واعطاء كل شعور حقه في أن يمر مع الزمن يؤكد حقيقتها.
  •  الاضطراب والتملل السريع، والرغبة في ترك أي عمل أو الاستمرار في دراسة أو مهنة ما أحياناً لا يكون لأسباب منطقية ولكن لمجرد الرغبة في الخروج من الواقع والهرب منه، وحالة الارتباك الشعوري يكون لها دور كبير في أن يُخطئ الإنسان في تقييم وضعه.

 التفكير الهادئ والنظر في أسباب ومسببات كل مرحلة وكل خطوة تبعد الإنسان عن أي تملل ليس في محله.

نعم نخشى من المستقبل ونضطرب ونشعر بأننا نلهث ونجري في حلبة ليس لها نقطة بداية ونهاية والثيران تجري من خلفنا لاتهدأ، لكن ربما إن فكرنا كما يقول باولو كاويلو :

“يجب على الإنسان ألا يخشى من المجهول لأن  كل إنسان قادر على اكتساب ما يريد وما هو ضروري له، فكل ما نخشاه هو أن نخسر ما نملك، لكن هذا الخوف يتلاشى عندما ندرك أن صيرورتنا وصيرورة العالم قد خطتها يد واحدة”

هذا الإدراك سيجعلنا أكثر هدوءً وأكثر قدرة على التفكير فيما هو أصلح لنا ولغيرنا ونستقبل كل شعور كما يستحق فقط .

المصدر: موقع مصر العربية

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*