أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: روح الحداثة لـ د. طه عبد الرحمن

قراءة في كتاب: روح الحداثة لـ د. طه عبد الرحمن

الكتاب: روح الحداثة (المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية)
المؤلف: د. طه عبد الرحمن
عدد الصفحات: 287
دار النشر: المركز الثقافي العربي 2006 م
تقديم: أحمد عيسى

غلاف_كتاب_روح_الحداثة_لطه_عبد_الرحمان_الحداثة أحد المفاهيم التي أبدعها المجتمع الغربي, تفرّقت بصدده الأمة إلى فِرق كثيرة, بعضها يؤيِّده إلى حد تقديسه, وبعضها يُنكِره إلى حد تدنيسه. ولا يخفى أن التعاريف التي وضِعت لهذا المفهوم تعددت وتنوّعت, فمن قائل الحداثة هي “النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر” ومن قائل أنها “ممارسة السيادات الثلاثة, عن طريق العلم والتقنية: السيادة على الطبيعة والسيادة على المجتمع والسيادة على الذات” ومنهم من قصرها على صفة واحدة, فيقول انها “قطع الصلة بالذات” أو أنها “طلب الجديد” أو “قطع الصلة بالدين” أو أنها “العلمانية”, ويرى بعضهم أن العالم لا يستطيع أن يعيش الأن بدون الحداثة.

يرى المؤلف أن المجتمع المسلم يعيش حالة من التيه الفكري, حيث تتوارد عليه كثرة من مثل هذه المفاهيم التي تضعها المجتمعات الأخرى, لا قدرة له على استيعابها ولا طاقة له على صرفها. والواقع أن المجتمع المسلم مالم يهتدِ إلى إبداع مفاهيمه أو إعادة إبداع مفاهيم غيره حتى كأنها من إبداعه ابتداءً, فلا مطمع في أن يخرج من هذا التيه المُهلِك الذي أصاب العقول. ونحن نرى بعض فئات مجتمعنا تدّعي أنها استطاعت أن تهتدي في هذا التيه. ويرى المؤلف أن هذه الفئة ما هي إلا الفئة المقلّدة. وهم على نوعين كما يرى المؤلف, مقلّدة المتقدمين ومقلّدة المتأخرين من غير المسلمين. ومما لا شك فيه أن التقليد ليس فيه شئ من الإبداع.

وعلى خلاف التقليد يحاول المؤلف أن يبدع مفاهيم إجرائيه من داخل التراث الاسلامي ويتّبع في هذا الإبداع قاعدتين منهجيتين وضعهما المؤلف.

  1. كل أمر منقول مُعتَرض عليه, حتى تَثبُت بالدليل صحُته. وبمقتضى هذه القاعدة يكون السؤال: بمَ تثبُت المفاهيم المنقولة؟ ويٌسمّي المؤلف هذا النقد  بـ “النقد الإثباتي”.
  2. كل أمر مأصول مُسلّم به, حتى يَثبُت بالدليل فساده. وبمقتضى هذه القاعدة يكون السؤال: بمَ تبطُل المفاهيم المأصولة؟ ويُسمّي المؤلف هذا النقد بـ”النقد الإبطالي”.

والمفهوم الذي يجتهد المؤلف في إبداعه في هذا البحث هو مفهوم الحداثة, وينطلق المؤلف في هذا البحث من التفريق بين روح الحداثة و واقع الحداثة. فيرى أن الحداثة عبارة عن إمكانات متعددة, وليست كما رسخ في الأذهان إمكانا واحدا, ويستدل على ذلك بأن المشهد الحداثي الغربي فيه من التنوع ما يجعلنا نقول ان هناك حداثات وليست حداثة واحدة, فمن اعتبار القُطر هناك “حداثة فرنسية” و “حداثة ألمانية” و “حداثة أمريكية”, وهناك باعتبار المجالات, “حداثة اجتماعية” و”حداثة سياسية” و”حداثة اقتصادية”, وبالتالي يكون واقع النموذج الحداثي الغربي هو أحد التطبيقات لروح الحداثة, ومن هذا المنطلق يرى المؤلف “كما أن هناك حداثة غير إسلامية, فكذلك ينبغي أن يكون هناك حداثة إسلامية”. فلا يُعقل أن يتقرر في الأذهان أن الحداثة تأتي بالمنافع والخيرات التي تَصلُح بها البشرية, ثم لا يكون هذا الجزء النافع منها متضمّنا في الحقيقة الاسلامية. فكل دين مُنزَل يمدُّ الإنسان بأسباب الصلاح في دنياه, فضلا عن أسباب الصلاح في أخراه.

 ويوضّح المؤلف أن كل تطبيق لروح الحداثة تصحبه اعتقادات وافتراضات خاصة, بحيث تختلف تطبيقات هذه الروح باختلاف هذه الاعتقادات والافتراضات, وقد أطلق عليها المؤلف اسم “مُسلّمات التطبيق”, وقد تكون بعض هذه المسلّمات فاسده, فتتسبب في دخول بعض الآفات على التطبيق, وهذا هو وضع التطبيق الغربي لروح الحداثة, إذ انبنى على مُسلّمات باطلة جلبت جملة من المضار للحياة الانسانية, من هنا يطرح المؤلف السؤال الأساسي للبحث, كيف يتم تطبيق روح الحداثة في المجتمع المسلم؟ بحيث تكون حداثة مبدعة لا مقلّدة. ويشير المؤلف قبل الإجابة على السؤال إلى أنه لا حداثة إلا بصدورها من الداخل لا بورودها من الخارج, ولا حداثة إلا مع وجود إبداع لا مع وجود الاتّباع. فلا تكون الحداثة إلا ممارسة داخلية مبدعة.

يشير المؤلف أن لروح الحداثة مبادئ ثلاثة أساسية هي: مبدأ الرشد ومبدأ النقد ومبدأ الشمول.

مبدأ الرشد: ومقتضى هذا المبدأ أن الأصل في الحداثة الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد. والمقصود بالقصور هنا هو اختيار التبعية للغير. وهذا المبدأ يقوم على ركنين رئيسين:

  1. الاستقلال: يستغني الإنسان الراشد عن كل وصاية فيما يحق له أن يُفكّر فيه, ويصرف كل سلطة تقف دون ما يريد أن ينظر فيه, وهكذا فالإنسان الراشد منطلق الحركة قوى الذات. إلا أن وضع المجتمع المسلم في التفكير ليس وضع من يُفكّر بنفسه, وإنما وضع من تولّى غيره التفكير عنه, وهذه هي حال الاستقلال المقلِّد -لتطبيق الغرب لركن الاستقلال- التي يحياها المسلمون, ويكون بذلك استقلالا قاصرا يتّبع خُطى الآخرين جاعلا من الغرب واصيا عليه. وبالتالي يجعل منه التطبيق الإسلامي استقلالا مسؤولا يتولّى قطع فعل التحديث عن كل وصاية خارجية, وذلك بأن يقتحموا التفكير بأنفسهم, ولا يضيرهم أن تتعثّر خطواتهم عند الانطلاق, إذ لا يلبث سيرهم في عالم الفكر أن يستقيم وأن يشتد عند التحدي.
  2. الإبداع: يسعى الإنسان الراشد إلى أن يُبدع أفكاره وأقواله وأفعاله, ويؤسسها على قيم جديدة يُبدعها من عنده أو على قيم سابقة يعيد إبداعها. وعند النظر للمجتمع المسلم نجد أنه قد تعطّلت قدرة الإبداع لديه, وأصبح يرى أن تقليده للغرب ليس تقليدا, بل يرون فيه تجديدا يفتح لهم باب الدخول في الحداثة, والتطبيق الغربي لركن الإبداع يقوم على الانفصال التام عن التراث, مهتما فقط بالإبداع في مجال الماديات والشهوات, ويكون بذلك إبداعا مفصولا, وبالتالي يجعل منه التطبيق الإسلامي إبداعا موصولا, فالتطبيق الإسلامي لا يُقدِّر قيمة الإبداع بمدى انقطاعه عن كل سابق على وجه الإطلاق, وإنما بمدى انقطاعه عن كل سابق استنفذ مكامن الإبداع فيه, وهناك من القيم الإنسانية السابقة هي قيم خالدة لا يبليها المستقبل الآجل, فلا يرى الإسلام الانفصال عنها. وهو أيضا إبداع يهتم بمجال المعنويات والروحيات, فيُغني الأذواق الجمالية والمدارك الفنية

مبدأ النقد: مقتضى هذا المبدأ هو أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد, والمراد بالاعتقاد هو التسليم بالشئ من غير وجود دليل عليه, ويقوم هذا المبدأ على ركنين رئيسين:

  1. التعقيل: وهو إخضاع ظواهر العالم ومؤسسات المجتمع وسلوكات الإنسان كلها إلى مبادئ العقلانية. دخل المسلمون منذ حين في ممارسة التعقيل, وذاك في صورة نقد واسع لتراثهم ولمختلف مؤسساتهم, إلا أن هذه الممارسة النقدية لم يبتكروها, بل قلّدوا فيه الواقع الحداثي الغربي, والتطبيق الغربي لركن التعقيل لا يتّسع إلا إلى صنع الآلات ودرّ الأرباح, فهو لا يكفي في الإحاطة بمتطلبات الإنسان الذي يحمل في نفسه عالما وجدانيا, ويكون بذلك تعقيلا ضيّقا. وبالتالي يجعل منه التطبيق الإسلامي تعقيلا موسّعا, يطلب المعارف ويصنع الآلات على مقتضى القيم والإشارات المتغلغلة في الوجدان الإنساني.
  2. التفصيل: والمراد به نقل الشئ من صفة التجانس إلى صفة التغاير, بحيث تتحول عناصره المتشابهة إلى عناصر متباينة وذلك من أجل ضبط آليات كل عنصر منها. والتطبيق الغربي لهذا الركن يتأسس على بنيات الأشياء وماهياتها فنجده يفصل بين الحداثة والدين, وبين العقل والدين تفصيلا مطلقا, إلا أن التطبيق الإسلامي يرى هذا الفصل قائم على وظائف الأشياء وغايتها, بحيث إذا تغيّرت هذه الوظائف والغايات جاز أن تعود الأشياء المفصولة إلى سابق اتصالها, وبذلك يكون تفصيلا موجّها.

مبدأ الشمول: ومقتضى هذا المبدأ هو أن الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول, والمراد بالخصوص شيئين هما: “وجود الشئ في دائرة محدودة” و”وجود الشئ بصفات محددّة”, ويقوم هذا المبدأ على ركنين رئيسين.

  1. التوسّع: لا تنحصر أفعال الحداثة في مجال او مجالات معينة, بل إنها تنفذ في كل مجالات الحياة ومستويات السلوك. والحق أن الحداثة لم تستوعب كل مجالات الحياة, فإذا كانت استوعبت المجالات العلمية والاقتصادية. فإننا نجدها في المجالات المعنوية والاجتماعية تبقى شكلية أو سطحية, وهكذا تكون الحداثة قد ورّثت أهل الغرب ضعفا روحيا فاحشا على قدر هذه القوة المادية الساحقة, قائم على مسلّمة أن ماهية الحداثة ماهية اقتصادية, ويكون بذلك توسّعا ماديا, أمّا التطبيق الإسلامي قائم على أساس أن جسمانية الإنسان تابعة لروحانيته, وأن ماهية الإنسان ماهية خُلُقية, وبذلك يكون توسّعا معنويا.
  2. التعميم: لا تبقى الحداثة حبيسة المجتمع الذي نشأت فيه, بل إن منتجاتها وقيمها ترتحل إلى ما سواها من المجتمعات. والتطبيق الغربي لهذا الركن ينحصر في دائرة الإنسان, بل في أمم بعينها, وبذلك يكون تعميما بشريا, أما التطبيق الإسلامي يشمل الكائنات كلها, بشرية كانت أو حيوانية أو طبيعية, جاعلا منه تعميما وجوديا.

وبعد أن فرغ المؤلف من التنظير لروح الحداثة, مضى في فحص عمليات التطبيق الإسلامي لروح الحداثة في حالات معينة, فجعل الباب الأول عن تطبيق مبدأ النقد على نموذجين, “نظام العولمة” وبيّن فيه كيفية الانتقال من التعقيل المضيّق إلى التعقيل الموسّع, و”نظام الأسرة” وبيّن فيه كيفية الانتقال من التفصيل المطلق إلى التفصيل الموجّه, ثم كان الباب الثاني عن تطبيق مبدأ الرشد على نموذجين, “الترجمة الحداثية”, وبيّن فيه كيفية الانتقال من الاستقلال القاصر إلى الاستقلال المسؤول, و”القراءة الحداثية للقرآن”, وبيّن فيه كيفية الانتقال من الإبداع المفصول إلى الإبداع الموصول, ثم كان الباب الثالث عن تطبيق مبدأ الشمول على نموذجين, “حق المواطنة”, وبيّن فيه كيفية الانتقال من التوسّع المادي إلى التوسّع المعنوي, “واجب التضامن” وبيّن فيه كيفية الانتقال من التعميم البشري إلى التعيم الوجودي.

خاتما المؤلف البحث بالسؤال عن مشروعية الحديث عن روح الحداثة وقد ظهر الآن مفهوم “مابعدحداثة”, موضحا أن ظهور “طور الحداثة” و”طور مابعدحداثة” يقضي وجود أصل مشترك ينبنيان عليه, وهو “روح الحداثة”, ويرى المؤلف أن المابعدحداثة ما هي إلا تطبيق آخر من تطبيقات روح الحداثة لأنها تنطلق من نفس مبادئها, مشيرا إلى أن روح الحداثة ظهرت في الزمن الأخلاقي للدين الإسلامي, وأصبح من واجب الدين أن يكون مسؤولا عن ترشيدها وتأصيلها.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. قراءة لطيفة لكتاب مهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*