أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / في فقه الواقع

في فقه الواقع

كمال سليم

كمال سليم

قام المشروع الغربي الحداثي – بعد نبذ سلطة الكنيسة – على اعتبار الإنسان هو مركز الكون، والله إن كان موجودًا أو غير موجود فلا سلطة له على الحياة، والطبيعة مقهورة للإنسان وخاضعة لما يراه صالحًا في حياته. وافترض هذا المشروع افتراضًا متفائلاً ساذجًا لمفهوم الغيب؛ فالغيب في هذا المشروع هو مجهول سيتم اكتشافه مع الزيادة في التقدم والإسراع في عمليات الفهم. ومع هذه الفرضية سابق الغرب الزمان محاولاً إنشاء “فردوسًا أرضيًا” مع زيادة رقعة المعلوم وانكماش مساحة المجهول حتى وإنه قام بعض المفكرين بالزعم أنه لن تنصرم الألفية الثالثة إلا وسيكون المجهول عدمًا بعدما يعرف الإنسان كل ما يجهله. وسارت هذه الروح التفاؤلية قدمًا ولم يستشعر سوى القلة أن هذا المشروع يكمن في داخله نطفة فرانكشتاين – الكائن الذي يقتل مخترعه ثم يصول ويجول دون أي وازع ليفعل ما يحلو له.

وكان الفيلسوف الألماني فريديرك نيتشه (1844- 1900) من أوائل الفلاسفة الذين اكتشفوا هذا المسخ قبل مولده. فلقد رأى الوجه المظلم في المشروع الحداثي وأدرك أن هذا المشروع سائر إلى العدم وما ظنه السذج استنارة سيستحيل إلى “استنارة مظلمة”. وفعلاً حدث ما توقعه، فكان اللهاث وراء اكتشاف المجهول وهمًا والتفاؤل الذي زعمه كثير من فلاسفة الحداثة سذاجة وشهوة صبيانية. اتضح هذا مع المزيد من الاكتشافات وظهور أن المادة ليست كما تراها العين بل إنها مكونة مما لا يحصى من الذرات والذرات مكونة من خلايا والخلايا من برونات ونيوترونات…إلخ. باختصار مع وصول الغرب إلى خط النهاية في سباق الحداثة الضاري، اكتشف أن ما زعموه نهاية الطريق ما هو إلا بداية لطريق لا نهاية له.

وكانت النتيجة أن الإنسان الغربي جن جنونه، وابتلعه التيه، ووقف يضحك بهستيريا وهو يلهث بعدما فقد حلمه الوهمي في مشهد أقرب لنهاية فيلم العار. وجد أن العبث هو مقصد الحياة وأن ما حسبوه غاية وأن ما خدعوا به بأنهم سيصبحوا آلهة بعد اكتشاف الحقائق كافة بات هزل سكارى وصلوا لقمة الهذيان من السُكر.

ونجم عن هذا تفكك المشروع الحداثي وخروج فرنكشتاين من رحمه وظهور مصطلح ما بعد الحداثة وهو تعبير عن الإنسان الذي مسخ إلى فرنكشتاين. خرج هذا الإنسان مدفوعًا بما توحيه له غرائزه وما يمليه عليه السوق واحتياجته البيولوجية رافضًا أي مركزية أو جوهر لأي غاية أو مقصد. يشتري ما يروج له، يرى من العبث إيجاد قيمة في حياة منزوعة المركز، سائلة بلا مقصد ولا هدف. وكان من آثار هذا فلسفة ما بعد الحداثة ظهور الاستهلاك، والجنس، والإباحية وآدابها كنتاج لحالة السيولة وغياب المركز من الحياة. حتى الغرب لم يعد غربًا بالمعنى الجغرافي في ظل سيولة فلسفة ما لعد الحداثة بل أصبح الغرب غربًا معنويًا خاصة مع انفتاح العالم من خلال التقدم التقني الهائل. فيمكن أن يصبح الإنسان المسلم غربيًا في حياته أكثر من الغربي ذاته. وهذه النبذة يسترشد بها في فقه الواقع بشكله الحالي.

ومن أمثلة فكر ما بعد الحداثة في واقعنا الحالي شيوع الكتاب كسلعة ضمن الحالة العامة من تسليع كل شيء والترويج له دون أي قيد أو ضابط وانفصلت القيمة عن المنتج – الذي من المفترض وجوده على أساس قيمي كالكتاب –  بل وأصبح الحديث عن القيمة يقال على استحياء، لأن الحديث عنها عبث ومحاولة الكلام عن الأوهام خبل في نظر فرنكشتاين ما بعد الحداثة.

ومن ذهب إلى معرض الكتاب هذا العام سيرى كمًا هائلاً من الكتب التي تمثل الظاهرة السابق ذكرها، وعددًا أكبر من المريدين لشباب حديث السن من المشاهير الآن. مما أتذكر من أسماء الكتب “روح إزاز” “الرجال من بولاق والنساء من أول فيصل” اسم لا أذكره ملحوق ب “ع البحر” ناهيك عن استخدام الفرانكو في كتابة العناوين والكتابة الداخلية. وغير ذلك من احتشاد الألاف في حفلات التوقيع وحالات إغماء بعض الفتيات في هذا الجمع.

لا أنتقد الظاهرة قدر ما أحللها، فهي تعبير عما آل إليه واقعنا من حالة سيولة وتيه وتخبط وفي مثل هذه الحالات مع غياب المقصد والغاية ومع الفقر في الفهم عن الله ومراده من الإنسان، تتأجج دفقات الشهوة الإنسانية لتحتل مكانة الطقوس المقدسة، ويكون من تجلياتها ما ذكرته من شيوع الاستهلاك والحالة الصوفية في تعامل الناس مع بعض الأشخاص مثل المريدين المغيبين في التعامل مع شيخ صوفي لا يعلم من أين الطريق ولكنه له من القدرة على إحداث حالة وقتية من النشوة لمريديه. وهذه الحالات تعبر عن خواء عميق في النفس البشرية بعدما فقدت المعين الحقيقي من الوحي، فأضحى الإنسان يسير في ظلمات بعضها فوق بعض.

وفي ظني أن هذه الظاهرة ستزداد انتشارًا في المستقبل القريب لافتقاد الوجهة الصحيحة ولكنها قد تكون كذلك سببًا في استفاقة قلة من الشباب أصحاب الهمم العالية لما سيستشعرونه من عبثية المشهد وتعطش النفس الذي لا ترويه مثل هذه الطقوس المقدسة، وعدم جدوى الانتشاء الموقوت الذي يصحبه الخواء مرة أخرى. ولمثل هذا الشعور في النفوس الجادة ألمًا لا يوقفه إلا الاغتراف من معين الحق ثم السير في الحق بقوة.

والله من وراء القصد

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*