أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / الاستبداد.. الخطر المحدق بالثورات

الاستبداد.. الخطر المحدق بالثورات

بين الفكر والحركة 2شريف جابر 

لماذا ثار الشباب على هؤلاء الطغاة؟

تبدو الإجابة على هذا السؤال بدهيّة واضحة، إلا أنّ الأحداث التي تمرّ بالأمة تباعًا تشير إلى سلوكيّات تسير في اتجاه مضاد لهذه البدهية؛ بدهية إسقاط الطغيان وتحرير الإنسان من أغلال الحكومات الخائنة العميلة لتنهض الشعوب وتُوزّع الثروات بالعدل، وكل ما يمكن أن يقال في هذا السياق.

ثمة استبداد كامن فينا لم نلتفت إليه بما فيه الكفاية. تحدّثنا عن ممارسات الطغاة الإجرامية كثيرًا ونسينا أنفسنا: ما الذي يمنعنا من تكرار هذه الممارسات؟ على أيّ شيء وطّنّا أنفسنا لنمنع مثل هذا الاحتمال النكد إذا ما كانت لنا الدولة؟

يريد العاملون في الحقل الإسلامي أن تكون لهم الدولة، لينشروا العدل والأمن وليقيموا شرع الله، ولكن هل هم جديرون بذلك حقّا؟

علمتْ داعش أنّ معظم مؤيّديها هم من أحداث الأسنان الأغرار، الذين لا يبحثون عن الأدلة الشرعية بقدر ما يبحثون عن المغامرات القتالية والانتقام من خصومهم. لقد جذبتهم داعش من خلال إصداراتها المصحوبة بالأناشيد الحماسية، وأشبعت رغبة محبّي التبرير ببعض نصوص التراث الديني في كل مناسبة. وهكذا، مضت داعش تطوّر قدراتها في مجال التأثير العاطفي، ويمكننا أن نلاحظ مثلا بأنّها لم تكلّف نفسها في الإصدار المصوّر “شفاء الصدور” عناء تبرير عملية الحرق الوحشية للطيّار الأردني معاذ الكساسبة، بل اكتفت بعرض جملة لأحد أئمة المسلمين (ابن تيمية)، مقابل أكثر من 20 دقيقة من المشاهد السينيمائية “الهوليوودية”، وأصدقكم القول: لم أشعر أنا نفسي بالاشمئزاز عند الوصول لمقطع الحرق، ليس لأنني عديم الشعور، بل لأنّني تعاملت معه كإنتاج سينيمائي وليس كحادثة واقعية!

هناك أزمة كبيرة يعيشها الشباب العربي في خضمّ هذه الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة، تكمن في منسوب العنف الكبير واستخدام القوة في حلّ أي خلاف، كردة فعل على ما يقوم به الطغاة في قمع شعوبهم.

أعلنتْ دار القضاء التابعة لإحدى الجماعات الإسلامية في سوريا عن وفاة أحد المسجونين نتيجة لتعذيبه بشكل شديد من قبل شباب كانوا قائمين على التحقيق معه. يتساءل المرء هنا: ما الذي دفع هؤلاء لاستخدام العنف؟

لماذا خرجت الشعوب العربية في بعض البلدان تنادي بإسقاط النظام؟

هل من أجل أن يسقط ويحلّ مكانه أشخاص آخرون يقومون بنفس الممارسات مع كل من يخالفهم ويعترض على سياساتهم؟! هل هناك فرق بين أن يكون الطغيان طغيانا محضا وبين أن يكون مزيّنا بـ “رتوش” من الشعارات الإسلامية؟!

مخطئ من يظنّ أنّ الأمر مقتصر على داعش وأخواتها، بل إنّ الشباب الذي ينضمّ لمثل هذه التنظيمات ويمارس تلك الممارسات هم شباب هذه الأمة، ولكم أن تلقوا نظرة على مشجّعي داعش الذين يعيشون بيننا، وشحنات الاستبداد والقهر الهائلة التي يحملونها في قلوبهم المريضة، هؤلاء لم يولدوا مؤيدين لداعش ولم يتغيّروا فجأة بعد تأييدها. بل وافقت داعش طبائع وأهواء حملوها، ولم يجدوا مشكلة مع السلوك الذي يقمع المخالف ويلقي به في حفرة القبر عند أول اعتراض!

إنّنا نمارس القمع والاستبداد في خلال خلافاتنا الفردية، ولعلّنا قد سمعنا جميعًا عن بعض التيارات “الإسلامية” التي تمارس سياسة “فتل العضلات” لمنع فلان المخالف من إلقاء درس في المسجد، كيف لو أصبحت أجهزة الدولة بيد هذه الجماعة أو تلك؟

لا أزعم أنّ استبداد العاملين للتمكين الإسلامي سيكون مماثلا لاستبداد الطغاة اليوم، ولكنّ أي قدر من الاستبداد والطغيان مرفوض، وقبول القليل مدعاة لتقبّل المزيد من الانحراف في المستقبل، وهؤلاء الطغاة لم يهبطوا على أكتافنا فجأة في غفلة عن أعين التاريخ!

وأنا أعلم أنه ليس هناك حلّ سحري لمثل هذه المعضلة، ولكن عندما أفكر في هذه الظاهرة وأستعرض النماذج الكثيرة لها أشعر بحكمة خفية تكمن وراء تأخرنا عن التمكين.

وفي الطريق، تظهر بعض النماذج التي تبيّن لنا خطورة الاستبداد، والتي تتطلّب منّا اهتماما كبيرًا وتعزيزا لقيم الحرية والمشاركة، ومراجعة لمفاهيم الحكم القديمة في تراثنا على ضوء القيم الراشدة التي ننشدها، لنمضي ونحن على بيّنة من أنّنا نسعى لتحقيق تلك القيم، لا استرجاع أمراضنا التاريخية التي عانينا منها لقرون.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*