أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / التخمة المعرفية

التخمة المعرفية

كمال سليم

كمال سليم

أصبحت ظاهرة (الأوبن بوفيه open buffet) شيئًا طبيعيًا في حفلات الزفاف والمناسبات العائلية الكبيرة بل في مطاعم الفنادق وبعض المطاعم العامة. وغالبًا ما يكتظ البوفيه بأنواع من الأطعمة غير المتجانسة ولهذا يفترض على من يرغب في الأكل أن يكون واعيًا باحتياجه ومقدار الطعام المناسب لحاله – فلا يعقل أن يأكل شخص ما نوعًا من اللحم مع نوع من السمك مثلاً. وإن لم يضع الفرد بعض المعايير وهو يشرع في الأكل من الأوبن بوفيه، فالنتيجة ستكون التخمة وما يصاحبها من أعراض كأوجاع البطن والانتفاخ وما شابه. ولكن معظم الناس يندفعون وراء شهوة الأكل مما يؤدي إلى حدوث الكثير من أعراض التخمة.

وبالمثل تنشئ حالة من التخمة المعرفية للإنسان المحب للمعرفة، فحب المعرفة شهوة مثل شهوة الطعام، إن لم ينضبط صاحبها سيصاب بالتخمة المعرفية وهي حالة شبيهة بالتخمة التي تصيب من يسرف في الطعام من نوع واحد أو يتناول الكثير من الأطعمة غير المتجانسة.

ومن أعراض التخمة المعرفية ما وصفه د. عبد الوهاب المسيري “بالذئب الهيجلي المعلوماتي” وهي الحالة التي تتلبس الشخص في محاولته معرفة كل شيء إلى أن يصل ألا يعرف شيئًا مثله مثل المفرط في الطعام الذي يحاول أكل كل الأطعمة إلى أن يصل أن ما ظنه سببًا للمتعة أضحى هو ذاته وسيلة التخمة والتعب. كما يقول علي عزت بيجوفيتش في هذا المضمار أن “القراءة المبالغ فيها لا تجعلنا أذكياء” لأن القضية تتوقف على دراية الإنسان بحالة وقدر ما يحتاج إليه من معرفة. وكيفية الهضم الجيد للأفكار وإعادة إنتاجها في أنساق معرفية جديدة تلائم احتياجات الواقع لا إجترار المعارف القديمة دون هضم ولا تأمل.

وللتخمة المعرفية بيئة تساعد على نموها مثل غياب أو الفقر في وجود مساحات من الحرية يمارس فيها الأفراد سلوكياتهم بناء على ما يعتقدونه. ولأن أمتنا مبتلاه بمثل هذا الغياب شبه الكامل لمعنى الحرية والخوف من بطش الأنظمة السياسية، لم يجد الكثير من المصلحين سوى التنظير والعكوف على العلم كمتنفس للتعبير عن الحرية الجوانية مما أدى إلى تضخم بعض الجوانب المعرفية على حساب جوانب أخرى.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتاب: كيف نتعامل مع القرآن ما يفيد أن علوم فقه العبادات مثلاً قد تشعب كثيرًا مع غياب الاجتهاد في جوانب أخرى كفقه السياسة الشرعية بسبب الجور السياسي التي عانت منه الأمة الإسلامية منذ فترة مبكرة من تاريخها. وفي هذا السياق يقول: “أنا لا أشك أن الفقه الإسلامي تأثر بانحراف الحكم في العالم الإسلامي.. لقد تحولت الخلافة إلى ملك.. واكتفى الأئمة بأنهم قبلوا الأمر الواقع واستفاضوا في شرح العبادات والمعاملات.. وتأثرت السياسة الإسلامية تأثرًا واضحًا وانهزمت الشورى انهزامًا واضحًا ووقع للأمة ما وقع” ص65-66.

ومكمن الخطر في المعرفة أن تتحول إلى ملاذ وغاية في ذاتها، فتضر بالمقصد الرئيسي التي لأجله توضع كما يحدث في حالات التخمة من أثر الإكثار من الطعام خاصة مع كثرة أنواع المعارف وتضخم التخصص الواحد لينقسم لتخصصات عدة وشيوع المكتبات وظاهرة الكتاب السلعة ووفرته وتزايد الندوات والدورات المعرفية…إلخ. وفي مثل هذه الظروف يكون من الضروري أن يعلم الفرد احتياجته من المعرفة ويتريث في التدقيق حتى لا يصاب بالتخمة المعرفية ولا يجني الإنسان منها سوى الألم والوجع.

وهذه ليست دعوة لعدم الإقبال على المعرفة أو الجهل قدر ماهي محاولة للتنويه على حرص المرء على فهم احتياجاته وأخذ القدر الكافي له ولحالته دون الإكثار وصولاً لحد التخمة.

والله من وراء القصد.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*