أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الخندق الرابع

الخندق الرابع

ليث مشتاق

لا لوم على الصحفيين إن أعرضوا عن تناول الملف العراقي المشار إليه منذ ٢٠٠٣ بالملف المعقد.. رغم أنه لم يكن كذلك بادئ الأمر ولكن.. لربما ساهمت أحداثٌ أخرى متتالية بالإضافة إلى الترحيب المبالغ فيه من وسائل الإعلام حينها بالمشروع الأمريكي “خوفًا أو طمعًا“، بغياب العراق أو فهم أوضاعه عن السواد الأعظم من الإعلاميين والعرب منهم خاصة..

واليوم، وبعد أحد عشر عامًا على احتلال العراق وانسلاله من محيطه العربي إلى الإدارة الغربية المباشرة إلى إيران بالوكالة أولاً ثم الإدارة الفعلية أخيرا.. مر العراق بمحطاتٍ ومنعطفاتٍ، كان واقع اليوم باكورة تجلياتها من مناطق متأزمة أدى الفراغ الأمني فيها إلى انتهاز داعش الفرصة لتحقيق حلمها “بما يسمى الخلافة“ على أرض انتقلت من معاناتها على يد الاحتلال ثم المليشيات الإيرانية لتقع في النهاية أسيرة فكرٍ طارئ أحال ظلمتها المزمنة على مدى عقد إلى ليلٍ أدهم لن ينجلي إلا بسيولٍ من الدماء سيعقبها حتمًا فجاجة أعلى في التهميش والإقصاء والتطهير العرقي في مناطق العرب السنة..

وتعود الثلاثية ذاتها الملازمة للمشهد العراقي، والتي بذخت الأموال لترسيخها إعلاميًا وسياسيًا.. وهي أن العرب السنة إما شركاء في الحكم، أو إرهابيون ظلاميون مثلوا بيئة حاضنة لداعش وقبلها القاعدة، أو لاجئون في دول الجوار إما مترفين غير آبهين بمصير بلدهم أو آخرين يعانون الأمرين بحثًا عن الاستقرار أو فرصة لجوء تمنحهم الاستقرار المفقود منذ أعوام..

بينما ينفرد العرب الشيعة بالحكم بفجاجة لا ينكرونها ويثقون ثقةً مطلقة بوضعهم الحالي و “دولتهم المنشودة منذ عصر الانقلاب الأول بعد خروج الخلافة من بني هاشم وما حيك حول تلك الأحداث من أساطير“.. فلا ينفك الساسة والإعلاميون ناهيك عن رجال الدين الشيعة في العراق عن ربط كل جزئية تتعلق بواقع اليوم بـ“المظلومية التاريخية“ التي لا بأس من استعادة الحقوق بعدها على حساب الوطن الواحد وتحميل كل “آخر“ من خارج الطائفة تبعات مافعله كل “آخر“ خارج دائرة من هم اختاروهم من بني هاشم.. وفق أسس المذهب الأولى التي حيكت في أوضاع استثنائية.. استحالة من حالة التميز الفقهي، إلى الحرب السياسية.. مما شكل أرثاً ضخماً من الكراهية المتوارثة للآخر الذي لم يكترث طويلًا لتلك الترهات.. من وجهة نظره وإن مارس التعسف ضدهم في بعض محطات التاريخ؛ كلما لمح تحركًا مريبًا ممن اعتبرهم أقلية لاضير من وجودها ما دامت لاتمارس الفعل للتنفيس عن تراكمات الذات..

11008898_10153604360338102_1393639311_n
نعم، هكذا أو إلى هذا الحد يختلط الحابل بالنابل في السياسة اليوم في عراقٍ وإن بدى قويًا مفعمًا بالحيوية والعلم والقوة العسكرية خلال عمره الفتي منذ نشأته الحديثة عام ١٩٢١م.. فهو بالفعل إذا ما قورن بسواه من الدول لم يزل فتيًا.. على الأقل قبل إصابته بالشلل التام عام ٢٠٠٣ م.. ذلك الشلل الذي أعقب نوبات الشلل المؤقت في الأعوام ١٩٥٨ ، ١٩٦٣ ، ١٩٦٨ ، ١٩٧٩ ، ١٩٩٠.. عندما تنقل العراق بين دوائر المخابرات شرقيها وغربيها عند تغليب فريقٍ على آخر لينسجم دومًا مع توازنات الشرق الأوسط.. والذي يمثل العراق فيه ركنًا هامًا كجدار صدٍ أمام إيران شرقًا وتركيا شمالًا.. وبوابةً شمالية للخليج العربي.. بالإضافة لوجوده كحجر عثرة أمام ثورة الملالي في طهران عام ١٩٧٩ م.. حيث قطع العراق الشارع الممتد من طهران إلى دمشق إلى بيروت عندما كانت التوازنات ومهندسوها يرون في دور العراق حينها ضرورة..

11005623_10153604360358102_376967953_nواليوم، ومع تبدل قواعد اللعبة سياسياً والدواعي الاقتصادية التي تطلبت شرقًا أوسطًا جديدًا.. كان لابد من أن تكون البدايةُ في العراق.. وقد حدث..

وقد حدث أيضاً أن المشروع يقطع نجاحاتٍ مثيرة في مرحلة انتزاع الهوية العربية والإسلامية عن الشرق الأوسط وذلك ما يستحق حديثًا مطولاً.. لكن أمام تلك الخنادق التي أُكره الناس على النزول فيها.. أو أُريد لعددها أن يختزل المشهد.. يغيب خندق رابع عن المشهد إعلاميًا وسياسيًا بل وحتى في وجدان كل عربي.. وهو خندق أصحاب الهم الوطني العراقي..

تلك الفئة التي لم تكن يومًا مع العملية السياسية المسخ في العراق، ولا مع التنظيمات الظلاميّة، ولا مع الهاربين ممن استبدلوا الخنادق بالفنادق.. بل بقوا يعضون بالنواجذ على أحلامهم بوطن حر الإرادة يلملم جراحه وكفاءاته ليصنع من جديد عراقاً “أكثر ذكاءً من ذي قبل“ يعرف حجمه الحقيقي ويلتفت للتنمية والعلاقات القائمة على احترام الغير.. بعيدًا عن الهتافات “الجوفاء“.. التي أودت بالبلد وأهله إلى ربما حيث اللاعودة..

وتظهرُ ملامح ذلك المعسكر تارةً بمقاومة الاحتلال وأخرى بالعمل السلمي خلال الاحتجاجات والاعتصامات التي كانت عرضة للاستغلال من قبل المتحجرين سياسيًا وفكريًا مرات عدة، أو من قبل الانتهازيين الذين رغبوا بسرقتها ليساوموا عليها محافظي بغداد وعمال الولي الفقيه عليها..

11007566_10153604360348102_525025566_nورغم كثر الطنين الذي يحاط به من قبل معارضةٍ لا تقل سفهًا عن حكومة العراق.. ورغم الحصار الإعلامي الخانق المضروب حول ذلك المعسكر.. إلّا أن شبابه المنتشر في العراق.. كل العراق بمختلف أطيافه.. ممن تغلبوا على عقلية القطيع المذهبي أو الإثني.. لايزال يتنفس.. متواري عن الأنظار بسبب الحرب الحالية بين السيئ والأسوء.. وكلاهما لا يرغب بوجوده ويسعى لتذويبه ومصادرته.. ناهيك عن الغرب الذي يقلقه وجود عقولٍ عراقية ما زالت رغم أطنان اليورانيوم المنضب.. تنبض بالفكر والإرادة خارج سحائب دخان الشيشة.. وصفير المشجعين حول شاشةٍ تعرضُ مبارات كرة قدم..

وإذا كانت الصحافة هي البحث عن الخبر.. وإذا كان الإعلام الحر هو صوت من لا صوت له.. فكم من وسائل الإعلام رسميةً كانت أم جماهيرية، تمتلك الإرادة والقدرة والشجاعة في البحث عن ذلك الخندق!

” إلى أرواح شهداء وثبة ٢٥ شباط .. ٢٠١١ م“

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. Den Vorgänger hab ich auch. Rotation brauch ich nicht, aber ansonsten wirklcih ein klasse teil
    majerer https://majerer.tumblr.com/

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*