أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الخرافات الثلاث في الخطاب الإسلامي المعاصر

الخرافات الثلاث في الخطاب الإسلامي المعاصر

11040128_1400980586877660_363238840_n

شريف محمد جابر

يُعتبر هذا المقال خاتمة لسلسلة من المقالات القصيرة التي ناقشتُ فيها على مدار أشهر قليلة بعض الأزمات الفكرية البارزة لدى التوجهات الإسلامية المعاصرة، وسأتحدّث فيه عن أزمات ثلاث تبرز في الخطاب الإسلامي المعاصر، هي أقرب إلى أن تكون “خرافات” تعوّق هذا الخطاب عن النضوج والاشتباك بالواقع الذي هو مناط التغيير.

المثال والممارسة

images (5)المثال هو الصورة المتخيّلة التي يرسمها الخطاب الإسلامي لِما ينبغي أن يكون، والممارسة هي الصورة الحقيقية للأداء الواقعي للتنظيم أو الجماعة أو الحزب أو الفرد الذي يمارس هذا الخطاب. وتحدث الأزمة عندما يتنكّر الخطاب الإسلامي للممارسة الممكنة في ظلّ الواقع الذي يعيشه، ويحاول رسم صورة مثالية عن الواقع الذي يريده. ولنطرح مثالين يوضّحان المقصود: عندما يتحدّث الخطاب الإسلامي عن “الأمة الواحدة”، ويمارس نقده الضاري ضدّ أيّ تفريق على أساس قومي أو وطني، فإنّه يقدّم لنا نموذجا نظريّا تختفي فيه النعرات القومية والوطنية، وهذا جميل، ولكنه لا يخبرنا كيف يمكننا التخلّص من آثارها الواقعية.

يتجاهل هذا الخطاب أنّ هناك فرقًا هائلا بين “المبادئ” النظرية التي يقوم عليها الواقع الجاهلي، وبين الأشكال المادية التي ترسّبت عبر العقود بل القرون، وأنّها واقع قائم شئنا أم أبينا، اختلفنا مع أصوله النظرية أم اتفقنا، ومن ثمّ فيجب التعامل معها باعتبارها قائمة لا باعتبارها ستزول تلقائيّا بمجرّد استلامنا نحن لدفّة القيادة، فهذا حدث أسطوري لن يحدث إلا في خيالنا، وسنصطدم بآثار النظرية الجاهلية التي تراكمت عبر السنين في الواقع المادي، وعلينا أن نوجد آلية للتعامل الجادّ معها. وهنا تنشأ أزمة هذا الخطاب الذي يبدع في نقد النظرية وتفصيل مشكلاتها، ولكنه يفشل في التعاطي مع مخلّفاتها التي رسمتها في الواقع وحفرتها عميقا في مختلف المستويات: الفكري، الاجتماعي، السياسي والاقتصادي. يحدّثنا هذا الخطاب عمّا ينبغي أن يكون، ولكنّه لا يهتمّ إطلاقا إذا ما كان النموذج الذي ينظّر له قابلا للممارسة في ظلّ الواقع الراهن.

ويحدث الأمر نفسه عندما يحدّثنا الإسلامي عن “الدولة الإسلامية” التي يريدها، إذ “يأخذ راحته” في رسم مبادئها وقوانينها وآلياتها، اعتمادا على “النظرية السياسية الإسلامية” التي يتبنّاها ويستقي أصولها من النصّ وممارسات النماذج الراشدة الأولى[1]، ولكنّه ينسى – أو يتناسى – أنّ هناك واقعًا مختلفًا لا يمكن تركيب التّرس الذي صمّمه في “مثاله” عليه، ذلك أن نظام هذا الواقع ومساره وتضاريسه تحتوي على عناصر “مقاومة” تمنع تلك النظرية من العيش كنموذج واقعي، وتوجب مراعاتها وإعداد ما يتولّى أمرها كي لا يحدث الفساد، ومهمّة السياسي المسلم هي تجنّب الفساد وتوخّي الصلاح، والفساد ليس مجرّد فساد النظرية من الناحية الشرعية أو الأخلاقية، وإنّما هو فساد واقع الناس ومعايشهم أيضًا؛ كالفشل الإداري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي بل والتكنولوجي والحضاري. رحم الله أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ وصفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه: “كان أحوذيّا، نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها“.

السِّجال والتغيير

 ساحة السجال المفضّلة هي عالم الكلمات والأفكار، وساحة التغيير المفضّلة هي عالم المادّة

السّجال هو طاقة المحاججة الكلامية التي تنبعث في نفس الشاب الإسلامي بعد تجرّعه للخطاب الإسلامي الذي قرّر أن يتبنّاه، والتغيير هو جهود نظرية فكرية، وقلبية شعورية، وعملية مادّية تُبذل من أجل إحلال واقع منشود كبديل عن واقع موجود. تكمن مشكلة “السّجال” في أنّه يملأ قلب ممارسه برغبة عارمة وشوق هائل في إظهار أفكاره وإعلائها ونشرها بين الناس، وهي رغبة نبيلة وشوقٌ جميل، إلا أنّه يتحوّل شيئا فشيئا إلى دائرة مفرغة: يقرأ المتلقّي الكتاب أو يستمع لخطاب الداعية – يمتلئ عقله وقلبه بقناعات ومشاعر بناء على المفاهيم التي قرأها – يمارس السّجال من خلال ترديد تلك الأفكار بصيغ كلامية على آخرين ونقد الأفكار الأخرى في الساحة، مقتنعًا أنّ ذلك هو سبيل التغيير في المجتمع – ينجح في جذب بعض المتلقّين الذين سرعان ما يتحوّلون إلى دعاة لنفس الأفكار والقناعات.. ونكون قد وصلنا هنا إلى نهاية السلسلة!

وليس هذا تقليلا من شأن الكلام والتنظير الفكري في عملية التغيير، بل يعتقد كاتب هذه السطور أنّ التنظير في مختلف المجالات هو من أهم ما تحتاجه الأمة في واقعها الراهن كخطوة أساسية في مسيرتها نحو النهوض، ولكن المقصود هو الكلام حين يأخذ طابع “السّجال”، الذي يتمترس في أساليب “المحاججة” و”الردّ على الخصوم” و”هدم الأفكار”، والذي يظنّ ممارسُه أنّه قادر على التغيير من خلال “الأدلة” و”البراهين” التي يعتمدها في خطابه، فتتّجه طاقته نحو تعزيز خطابه السجاليّ هذا، بعيدا عن منافذ التغيير في الواقع الذي يتمحور خطابه حول ضرورة تغييره!

مشكلة السجال أنّه يركّز في الحجج الكلامية أكثر من تركيزه في الواقع ومتغيّراته ومنافذ العمل فيه. إنّه مبدع في صَرْع الأفكار الأخرى على صفحات الكتب وفي فضاءات الكلام، ولكنّه يفشل في إخراج فكرته بصيغة مادّية يمكن لمسها والنظر إليها، وليس السبب في ذلك عوائق الواقع فحسب، بل الشعور بأنّ المهمّة الأولى والأخيره للداعية هي نقل تلك الأفكار وتحويل الآخرين إليها ليعتنقوها ويدعوا إليها، وهي حلقة مفرغة تزيد الأتباع ولكنها لا تتفاعل مع الواقع ولا تغيّر في مجراه.

ساحة السجال المفضّلة هي عالم الكلمات والأفكار، وساحة التغيير المفضّلة هي عالم المادّة، وهي التجلّي الأعلى له كما في الحديث الشريف: “مَن رأى مِنكُم مُنكرًا فليغيِّرهُ بيدِهِ، فإن لَم يَستَطِع فبِلسانِهِ، فإن لم يستَطِعْ فبقَلبِهِ. وذلِكَ أضعَفُ الإيمانِ” (صحيح مسلم). وأخطر ما في السجّال هو أن يتحوّل لمخدّرات فكرية توهم الداعية بأنّه “يعمل” و”يغيّر”، مع أنّ الواقع أنّه كالطحالب التي تتجمّع على سطح مياه البحر فتبدو ظاهرة مؤثّرة وهي تغطّي وجه البحر، ولكنها تُقذف عند أول موجة عاتية على الشاطئ دون أن تملك من أمرها شيئا، ويبقى البحر هو البحر بأمواجه وتقلّباته.

الشريعة والشمول

هل تحدث القرآن عن كل شيء؟

هناك مقولة خطيرة ضربت عقول الكثير من المسلمين مفادها أنّ القرآن الكريم يحوي كلّ شيء نحتاجه في حياتنا: ثقافة، حضارة، أخلاق، اقتصاد، اجتماع، سياسة، علم.. إلخ.. وتنتهي العديد من النقاشات بالمقولة التالية أو ما يشبهها: “لدينا في القرآن كل شيء ولا نحتاج أي شيء من خارجه”.

في نقاش علمي تاريخي قال أحدهم كلاما عميقًا ورائعا مفاده: أنّ القرآن كتاب دين وهداية للبشر، وليس كتاب تاريخ أو علوم أو رياضيات. كان الردّ عليه: “فهمك ناقص، فالقرآن الكريم شامل لكل شيء، لقوله تعالى: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء)”.

في مناسبة أخرى نقل أحدهم مقولة عميقة للرئيس البوسني الراحل والمفكر علي عزت بيجوفيتش يقول فيها: “الحضارة تُعلّم أما الثقافة فتُنوّر، تحتاج الأولى إلى تعلّم، أما الثانية فتحتاج إلى تأمّل!”، ومن قرأ بيجوفيتش يعلم أنّه خصّص لثنائية الثقافة والحضارة أكثر من 30 صفحة في كتابه المهمّ “الإسلام بين الشرق والغرب”، لكن الردّ على هذه المقولة جاء مرّة أخرى مختَزَلا: “ديننا يقول بأنّ القرآن الكريم إذا تعلّمناه وتأمّلناه وخشعنا في تلاوته فهو يعلّم وينوّر درب الإنسان المؤمن، ففيه الحضارة وفيه الثقافة، به نكتسب كل معارفنا وأسلوب معاملاتنا مع غيرنا”. انتهى النقل.

تعمّدت نقل هذين النموذجين – مع بعض التصرّف في العبارة بما لا يخلّ بالمعنى – من مشاهد واقعية يعيشها خطابنا الإسلامي، وهو ليس نقلا انتقائيّا، فهذه المقولة (أنّ القرآن فيه كلّ شيء ولا نحتاج لشيء خارجه) تأتي دائمًا للردّ في صورة الاعتزاز الديني، كفهم سطحي خاطئ لمفهوم “الشمول” في الدين، رسّخه الخطاب الإسلامي المعاصر في عقل المتلقّي المسلم.

علينا أن نطرح على هذا الخطاب تساؤلات عديدة وأولها: إذا كان القرآن الكريم يحتوي على كلّ شيء من تاريخ وعلم وحضارة وثقافة، فمن البدهيّ أنّه يحتوي على كلّ ما جاء في الدين؛ فلماذا لا نجد أبسط التفاصيل عن الصلاة، التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة، كعدد الصلوات في اليوم وعدد ركعات كل صلاة وغير ذلك؟!

ونتساءل كذلك: لو قلتم إنّ المقصود بالكتاب هو كل الدين، أي القرآن والسنة وما حُمّل عليهما من طرق الاجتهاد، فكيف يمكن للدين أن يبتّ في تاريخ الشعوب وهو لم يتحدث عن كل الشعوب؟ بل حتى الشعوب التي ذكرها لم يذكر أسماءها ولا أماكن انتشارها ولا الدول المختلفة التي حكمتها وغير ذلك من التفاصيل.. ثمّة معلومات هائلة في علم واحد – وهو التاريخ – لا نستطيع العثور عليها في القرآن الكريم ولا السنّة الشريفة! وقس على ذلك سائر العلوم كعلم الأحياء والكيمياء والفيزياء والرياضيات والفلك والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها.. بالطبع لا يحتاج الإنسان العاقل الكثير من التفكير ليعلم تهافت هذه المقولة التي تُسقط معنى الآية على علوم الدنيا كلّها، ولكننا نحتاج أحيانا أن نقيم الحجّة على من يلقي الكلام على عواهنه.

ونحن إذا رجعنا إلى أصول الفهم المغلوط الذي أنشأ هذه المقولة سنجد أنها استندت إلى فهم خاطئ للآية {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام: 38).

يقول القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن”: “قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ} أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دَلَلْنَا عليه في القرآن؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقّى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنصّ الكتاب؛ قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وقال: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7] فأجمل في هذه الآية وآية «النحل» ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلاً وإما تأصيلاً؛ وقال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]”. انتهى.

يرشدنا ذلك أولا إلى اختلاف المفسّرين في فهم الآية، فمنهم من قال إنّ الكتاب هو “اللوح المحفوظ”، ومنهم من قال إنّه القرآن الكريم، ولكننا مع ذلك سنرى كيف تعامل المفسّرون مع مفهوم الآية باعتبارها تقصد القرآن الكريم، ونلاحظ أنّ الإمام القرطبي فهم من البدء أنّ الأمر متعلّق بالدين، لا بعلوم الدنيا التي كانت واسعة ولا يُعقل وجودها جميعًا في الدين، فقال: “أي ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دَلَلْنَا عليه في القرآن”، ويتابع شرحه لعلمه أن النصّ القرآني وحده لا يشمل كل ما جاء به الدين فيقول: “إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقّى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب؛ قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وقال: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7] فأجمل في هذه الآية وآية «النحل» ما لم ينص عليه مما لم يذكره”. وهكذا يسدّ القرطبي الباب على من جعل القرآن متضمّنا لكل العلوم التي يحتاجها الإنسان، بل يسدّ الباب على من يحصر علم الدين بالقرآن.

وهناك مفسّرون آخرون فهموا الآية بطريقة شبيهة، واعتبروا أنّ الآية إذا كانت تقصد بالكتاب “القرآن” فالحديث عنه باعتباره كتاب هداية، فلم يترك شيئا من الهداية لم يوجّهه للمخاطَبين، يقول ابن عطية في “المحرّر الوجيز” في تفسير الآية: “والتفريط: التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير، والكتاب: القرآن وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات، وقيل اللوح المحفوظ، ومن شيء على هذا القول عام في جميع الأشياء، وعلى القول بأنه قرآن خاصّ في الأشياء التي فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم“. انتهى.

نعم، فالقرآن كتاب هداية للبشر، يخبرهم بطريق الرشاد الذي لا يمكنهم التوصل إليه بعقولهم القاصرة، ولكنه لا يحلّ محلّ عقل الإنسان الصانع للحضارة، وهنا المحكّ.

إنّ أخطر ما في هذا الفهم الخاطئ للشمول أنّه يعاند توجيهات القرآن للإنسان

ففي الوقت الذي توجّهنا الآيات للنظر في هذا الكون وما فيه من ظواهر طبيعية، وفي الوقت الذي انساحتْ الأمة لتنهل من الحضارات الأخرى ولتبدع عقولها المفكّرة خطوات فذّة في درب الحضارة الإنسانية بتأثير مباشر لكتاب ربّها عزّ وجل؛ ينكفئ هذا الخطاب[2] على نفسه، متقوقعًا على جدل كلامي جديد، يتعامل مع آيات القرآن خارج إطار سياقها الذي نزلت فيه ومن أجله، ومتنازلا عن مهمّة صناعة الحضارة جاعلا من “الرسالة” صندوقًا سحريّا يرجو منه حلولا لمشكلات الدنيا!

على قدر ما كان لفكرة “شمولية الإسلام” من خير تميّزت به الصحوة المعاصرة التي بدأت منذ بدايات القرن الماضي؛ على قدر ما أصابت الفكرة ذاتها المسلمين في مقتل، وذلك حين طُرحتْ في سياقات ومعان مخالفة لطبيعة الإسلام، كتلك الأطروحات التي جعلت من القرآن كتاب “علوم” يتم فتحه والإشادة به كلّما حدث توافق لفظي – وإنْ كان بعيدا أو مشتبها – بينه وبين إحدى نظريّات العلم البشري المحدود.. أو كتلك الأطروحات التي تجعل من الدين صندوقا يحوي حلولا تفصيلية لكل مشاكل العصر، فبدلا من توجّه الإنسان المسلم بطاقاته وقدراته العقلية التي وهبها الله له لحلّ هذه المشاكل، يستعيض عن ذلك بالعودة إلى النصوص ومحاولة “مطّها” و”ليّها” ليخرج بحلٍّ يُضفي عليه صفة “المشروعية” و”القدسية”، مع أنه عبارة عن جهد بشري نظري، لكن الفرق بينه وبين الجهد المطلوب أنه بدلا من التوجّه للمشكلة الواقعية والعمل على حلّها في إطار السنن الكونية وأدوات الواقع كما يحثّه الدين، استدار لها وذهب للنصّ الشرعي محاولا استخراج أي توافق لفظي ليقول بأنّ الآية كذا أو الحديث كذا هو الحلّ للمشكلة كذا، مع العلم بأنّ الحلّ الذي يطرحه ليس هو القيم والمبادئ التي تحويها الآية بقدر ما هو الفكرة التي يتخيّلها حول الحلّ المطلوب، مع الغفلة عن أبرز العناصر التي ينبغي الالتفات إليها عند محاولة إيجاد حلّ كالتجربة التاريخية والظروف الواقعية والأدوات المتوفرة وإمكانية الممارسة.

[1]  بغضّ النظر عن سوء فهم تلك النصوص والنماذج.
[2]  غنيّ عن البيان أنّ الحديث ليس عن كلّ الخطاب الإسلامي، وإنما عن قطاعات واسعة ومؤثرة منه.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*