أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / الزراعة المعمرة.. رؤية وحركة (3/3)

الزراعة المعمرة.. رؤية وحركة (3/3)

د. مجدي سعيد

عرضنا في المقال الأول من هذه السلسلة للعناصر الأساسية لرؤية وفلسفة الزراعة المعمرة، والتي يمكن أن يلخصها قول الأب المؤسس (المشارك) للزراعة المعمرة بيل موليسون Bill Mollison: الزراعة المعمرة هي فلسفة للعمل مع، وليس ضد الطبيعة، ناتجة عن المراقبة الطويلة الأمد، العميقة الفكر بدلا من العمل الطويل الأمد بلا تعقل، وهي فلسفة من النظر إلى النباتات والحيوانات في جميع وظائفها في الطبيعة، بدلا من النظر لكل منها كنظام إنتاجي منفرد.

وإذا اعتبرنا أن هذه الفلسفة والرؤية صالحة لأن تكون أساسا للتنمية المحلية المستدامة سواء لمجتمعات قائمة بالفعل أو منشأة حديثا، حيث أنها تحافظ على استمرار الموارد وتحافظ على كفاءتها، كما أنها تقلل من الهدر فيها، وتستهدف الوصول إلى “لا نفايات”، ومن ثم فإنها تساعد في تعظيم الاستفادة من الموارد (النبات والحيوان وكافة عناصر البيئة الأخرى) لصالح الإنسان والمجتمع، ومن ثم فإن من الرؤى التي صادفناها في مسيرة تحصيل المعرفة ما نظنه متوافقا ومكملا لهذا المدخل في التنمية المحلية، نقدم هنا في مقالنا هذا ثلاثة منها:

  • الرؤى المبثوثة في كتابات الأستاذ الدكتور سيد دسوقي حسن في البعث الحضاري والتنمية المستقلة[i].
  • الرؤى والتجربة العملية للدكتور جورج واشنطن كارفر George Washington Carver والتي تطورت فيما بعد فيما عرف باسم حركة الكيمرجي Chemurgy Movement، وإن كان في هذا التطور ما يستحق التوقف عنده[ii].
  • الرؤى والتجربة العملية للأستاذ الدكتور حامد إبراهيم الموصلي في التعامل مع الموارد المحلية المتجددة والمهدرة أو قليلة الفائدة الاقتصادية كمدخل “للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية”[iii].

رؤى الدكتور سيد دسوقي في البعث الحضاري والتنمية المستقلة[iv]:

لا يمكننا في إطار هذا المقال تناول مجمل رؤية الدكتور سيد دسوقي المتوافقة مع مفهوم الزراعة المعمرة، والتي يمكن أن تكون أساسا إضافيا للتنمية المحلية، لكننا سنستعرض بعضا منها، ففي كتابه الثاني والذي يحمل عنوان “مقدمات في البعث الحضاري” وتحديدا في الفصل الخامس الذي يحمل عنوان “الطاقة البشرية بين الحرفية والإنتاج النمطي في العالم النامي” يقدم الكاتب بانوراما اجتماعية لنمط الحياة في الريف المصري ووضع الحرف فيه، وما أحدثته التنمية غير الواعية فيه من تدهور على أكثر من صعيد سواء على صعيد الاستثمار الأمثل للطاقات البشرية، أو لنمط الإنتاج القائم على “لا نفايات” وعلى تعدد المهارات والحرف التي يتقنها سكانها، وإجمالا على نمط حياة يوفر استقلال جزئيا أو نوعيا واكتفاءا ذاتيا للقرية، اقرأ له يقول: “كنا نعطي المدينة أسباب حياتها ونأخذ منها بعض كماليات نستطيع العيش بدونها (…) أيام قد خلت… يميزها إيقاع متناغم مع الطبيعة…واكتفاء ذاتي وعطاء للغير من غير ضجيج ولا ادعاء…”..

وهنا لابد من التوقف للفت الانتباه إلى أن الزراعة المعمرة هي جزء من رؤى وفلسفات، ومبادرات وحركات تجتاح العالم شرقا وغربا، قوامها الرئيس هو العودة لأنماط من الحياة دهستها قطارات التحديث السريعة واجتاحتها فيضاناتها الجارفة في شرق العالم وغربه، عودة واعية..ومطعمة بالنافع من منتجات وخبرات ورؤى التطور العلمي، لنمط من أنماط الحياة طالما وسم بالبدائية تارة و/أو التقليدية تارة أخرى، ثم صار البعض في الغرب الآن يصف الجانب الاقتصادي منه بأنه “اقتصاديات السعادة”[v].

في هذا الصدد يقدم الدكتور سيد رؤيته العملية في ضرورة توثيق الحرف التقليدية القديمة التي تكاد تندثر، كمدخل لإعادة تفعيلها، مع تطويرها بما يلزم، وتطعيمها بنمط تعليمي يعطي أولوية للحرف والصناعات الصغيرة والتقليدية كأساس لقاعدة عريضة من التصنيع من أسفل في مقابل نمط التصنيع من فوق، وتعديل نمط التعليم ليعطي الفرصة لتفعيل الموارد البشرية المهدرة، وإحياء وتطوير الحرف والصناعات الصغيرة بدلا من تخريج طاقات معطلة، ففي الفصل السادس من نفس الكتاب والذي يحمل عنوان “المساعدات والتنمية” يقول: أولاً نحن من دعاة التكنولوجيا الوسيطة أو الملائمة لا من وجهة نظر بيئية ولكن من منطلق القدرة على الاستيعاب والتدرج والمحافظة واستخدام الطاقة البشرية الضخمة التي لم يمكن حتى الآن استيعابها ولا تدريبها على الانتقال من عالم حرفي أو مهني يتعلق بالاقتصاد الاكتفائي الصغير إلى عالم التكنولوجيا المتقدمة وعالمها الاقتصادي العالمي الرهيب. ونؤمن أيضًا أن الحل الأوفق في ظل تورطنا الحضاري في استيراد تكنولوجيا متقدمة أن نقرر لأنفسنا احتمالية معايشة التكنولوجيا الصغيرة لهذا المارد المستورد معايشة تعاون وترابط. ومن هنا أيضًا نتصور احتمالية معايشة النظام التعليمي المستورد في بلادنا لنظام آخر يخدم التكنولوجيات الصغيرة ويرعاها.”

وحتى لا نستطرد في تناول رؤية وفلسفة الدكتور سيد دسوقي التنموية (وهي مفصلة ومتشعبة ومتداخلة وغاية في الأهمية للساعين للتنمية المحلية أو التنمية المستقلة) وحتى لا نخرج عن إطار الموضوع الأصلي، نرى أن مشاريع التنمية المحلية التي تتخذ من الزراعة المعمرة مدخلا لها، يمكنها أن تجمع إلى ذلك دراسة أنماط الحياة والحرف والصناعات التقليدية الموجودة بالمجتمع المعني، لتكون جزءا ومدخلا آخر لتنميته، مع تعديل نمط التعليم في المجتمع بما يساعد على اكتساب المهارات التقليدية وعلى تطويرها في نفس الوقت.

رؤى وخبرات جورج واشنطن كارفر[vi]:

“كان الهاجس الأكبر لي في كل عملي، هو مساعدة المزارعين، وأن يجد الرجل الفقير ما يملأ به صحنه في العشاء”، “أعتقد أن الخالق العظيم قد وضع الزيوت والخامات على هذه الأرض ليعطينا مساحة للتنفس، وحين نستنفدها، يجب أن نستعد للرجوع إلى مزارعنا. لأننا يمكن أن نتعلم أن نبني موادا لسد حاجة كل إنسان من تلك الأشياء التي تنمو” هذه بعضا من كلمات ذلك العالم الذي كرس حياته العلمية والعملية في معهد توسكجي Tuskegee Institute بولاية ألباما (جامعة توسكجي الآن)، لاستثمار كل الإمكانات التي أودعها الله في بعض ما كانت تنبته أرض ألاباما خاصة من الفول السوداني وفول الصويا والبطاطا سواء في صناعة مأكولات أو مواد تسد حاجة أهل الولاية من الفقراء، كما أنه لفت الأنظار للإمكانات الكامنة في الخامات الزراعية المتجددة لصناعة مواد بديلة لما تنتجه الصناعات المعتمدة على الوقود والخامات الأحفورية، وتكون صديقة للبيئة في ذات الوقت، وقد صاحب إيمانه وعمله هذا نمو الوعي – من روافد أخرى- لدى قطاع من العلماء ورجال الصناعة لإمكانية قيام صناعات على الموارد الزراعية المتجددة وذلك في إطار ما عرف بحركة الكيمرجي Chemurgy Movement[vii] أو كيمياء الخامات العضوية.

كان لدى كارفر أيضا روحا صوفية تنبع من إيمانه بأن الله قد أودع في الطبيعة الإجابة على جميع أسئلة الحياة، وأن الشرط الوحيد للحصول على تلك الإجابات أن تعطي للطبيعة آذانا صاغية، يقول كارفر: أحب أن أفكر في الطبيعة كمحطات إذاعية غير محدودة البث، يتحدث الله من خلالها إلينا كل يوم، بل كل ساعة وكل لحظة” ويقول أيضا “طوال حياتي كلها، كنت أستيقظ بانتظام في الرابعة صباحا وأذهب إلى الغابة، وأتكلم مع الله، حيث يعطيني أوامره لي لهذا اليوم. وحدي هناك مع الأشياء، ذلك أكثر ما أحبه، حيث أجمع العينات وأدرس الدروس العظيمة التي تشتاق الطبيعة لأن تعلمنا جميعا إياها. عندما يكون الناس لا يزالون نائمين، فإنني أنصت إلى الله بشكل أفضل وأعلم خطتي لهذا اليوم.”

ومن ثم فإن رؤى وخبرة كارفر تصلح للبناء عليها من جانبين، أولا باعتبارها جهدا مكملا يأتي بعد مرحلة الإنتاج الزراعي وفق فلسفة الزراعة المعمرة، كنشاط علمي واقتصادي مكمل لاستكشاف ما أودعه الله فيما تحتويه النظم البيئية من نباتات ومزروعات وكائنات بل وتربة وغير ذلك من عناصر النظام الإيكولوجي من إمكانات لنفع الناس دون إضرار أو إخلال بالنظام، ثانيا باعتبارها تعطي بعدا روحيا/ إيمانيا لعلاقة الإنسان بالله عبر ما حوله من عناصر النظام الإيكولوجي أساسها التواضع، والإنصات والتعلم، والتلقي عن الله من خلال مخلوقاته..تصفحا وقراءة في المخلوقات وعلاقاتها وأسرارها باسم الله الخالق.

رؤى وتجربة حامد الموصلي:

قدم الدكتور حامد الموصلي عصارة رؤيته وتجربته في العمل في مجال التنمية المحلية انطلاقا من إعادة اكتشاف الخامات والموارد المحلية المتجددة وذلك من خلال ورقة بعنوان “الريف المصري: مشكلة وفرصة”، وهي الورقة التي تم نشرها بشكل مقال مختصر في صحيفة الأهرام في فبراير من عام 2013، وخلاصة ما في الورقة من رؤية أن هناك فرصة متاحة لما أسماه ثورة صناعية صديقة للبيئة تنطلق من الريف تتمثل في:

التاريخ الطويل في الزراعة، التراث التقني الغني والثقافة المتجذرة في التعامل مع المورد الزراعي ومن ثم التنوع الهائل في الصناعات القائمة على الموارد الزراعية، إضافة إلى الحيوية العالية للريف (57% من سكان مصر)، هذه الفرصة تقوم على ضرورة الفهم الشامل للمورد الزراعي بنيويا وكيميائيا وبناء نسق صناعي للاستخدام الشامل للمورد مما يؤدي إلى بلورة أنشطة صناعية بلا مخلفات بحيث تتكامل الصناعات لتحقيق الاستفادة الشاملة من إمكانات المورد، وكي ننتهز الفرصة لابد من الإبداع القائم على مفصلين الأول يقع إدراكنا لخصائص الموارد المتجددة كما سبق القول وبين معايير ومتطلبات أداء خدمة ما أو مواصفات سلعة ما مطلوبة محلياً، أى على مستوى المجتمع المحلى، أو قومياً أو عالمياً والناتج الإبداعى لهذا المفصل هو أفكار جديدة عن خدمات أو سلع مستحدثة تتعلق باستخدام الموارد المتجددة. المفصل الثاني: ويقع بين الفكرة الجديدة للخدمة أو السلعة المطلوبة وبين السياق الاجتماعى الحضارى الذى يجرى فيه إنتاج هذه الخدمة أو السلعة الجديدة. والناتج الإبداعى لهذا المفصل هو تكنولوجيا جديدة تناسب هذا السياق الاجتماعى الحضارى: فالتكنولوجيا المناسبة هى تلك التى يستطيع السياق الاجتماعى الحضارى أن يهضمها ويتملكها ويتقوى بنيانه بها ويطورها مما يحقق أحد أهم معايير الاستدامة. البواقى الزراعية تمثل لنا فرصة إضافية للإستثمار الصناعى: فالبواقى الزراعية هى ما يتبقى بعد جمع وفرز وتصنيف وتعبئة وتغليف المنتج الأساسى النقدي للمورد. هذه البواقي تتوافر في موقعها فى الحقل وحديقة الفاكهة بتكلفة تساوى صفر تقريباً، مما يعنى أنها تمثل موارد إضافية مجانية لنفس الاستثمار الذى قد تم بالفعل فى الأرض والمياه والعمالة والمخصبات والمبيدات، الخ، وهى بذلك تمثل ميزة نسبية هائلة كقاعدة مادية لإقامة العديد من الصناعات. في النهاية فإن لدينا الفرصة لإنجاز التكامل بين أنشطة الزراعة والصناعة والتجارة على أرض الريف ما أمكن ذلك من أجل تحقيق الاستفادة الكاملة قدر الإمكان من سلسلة القيمة لرفع العائد الاقتصادى والتنموى لهذه الأنشطة محلياً فى الريف وأن يتم تصنيع المنتجات النهائية وفقاً لأذواق وحاجات المستهلكين وأن يتم تسجيل العلامات التجارية للسلع إستغلالاً للميزات التنافسية المتاحة بكل منطقة.

الخلاصة:

أن تواضع الإنسان في تعامله مع النظام الذي أودعه الله في الطبيعة، وأن إجلاله لما هو مختزن في تلافيف نظم وموارد هذه الطبيعة من أسرار وإمكانات هائلة لم يتم استكشافها وقراءتها باسم الله بشكل كامل بعد، ومن ثم فإن على الإنسان والمجتمعات أن تسعى لاستكشافها واستثمار ما فيها من أسرار وما أودع فيها من إمكانات ليس فقط لصالح البشر بل ولصالح كل الكائنات، وأن الثقافات البشرية المتراكمة عبر الزمان في الأقاليم الجغرافية في التعامل مع تلك النظم الإيكولوجية والموارد الطبيعية بحاجة أيضا إلى إعادة اكتشاف، وأن مهمة العلم في إطار فلسفة الزراعة المعمرة وتلك الرؤى والفلسفات المكملة، وغيرها مما لا نعرفه و/ أو لم ندرجه هنا هي الإضافة على الخبرات والمعارف والمهارات البشرية في التعامل مع تلك النظم والموارد في إطار ذلك التواضع والإجلال والاستكشاف هو إضافة استخدامات جديدة متوافقة مع تلك الرؤى والفلسفات التي تسعى للعمران والاستدامة ما بقي للإنسانية على هذا الكوكب حياة، بما يحقق خير ونفع الإنسانية والمخلوقات جميعا. وأن ذلك كله هو السبيل للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية بصورة مستدامة ومعمرة سواء أكان عبر أنشطة الزراعة وتربية الحيوان والإسكان والصناعة والتجارة، بما يتيح تفعيل واستخدام كافة الموارد بشرية كانت أم طبيعية.

[i]  يمكن مطالعة الإنتاج الفكري للكتور سيد دسوقي كاملا، من خلال مطالعة موقعه على الإنترنت “الفقه الحضاري”: هنا
[ii]  لمصدر مختصر ومركز عن الجوانب المتعلقة برؤية وعمل جورج واشنطن كارفر طالع هذا الدليل: من هنا
[iii]  للاطلاع على بعض مقالات الدكتور حامد الموصلي وبعض ما كتب عنه، وبعض مشاريعه التنموية طالع الصفحة غير الرسمية التي أنشأناها له: من هنا
[iv]  طالع مقالا للتعريف بالدكتور سيد دسوقي في مصر العربية: من هنا
[v]  طالع الموقع الذي يحمل هذا العنوان هنا، كما يحمل عنوانا آخر ذا دلالة “المستقبليات المحلية local futures”، وبه رابط للمؤتمر الدولي الذي يعقد في الفترة ما بين 27 فبراير إلى 1 مارس بولاية أوريجون بالولايات المتحدة.
[vi]  لتعريف مختصر به طالع مقال مصر العربية: من هنا
[vii]  للاطلاع على تاريخ تلك الحركة اقرأ الورقة البحثية التي نشرها مارك فينلي في دورية علم الإيكولوجيا الصناعية بعنوان: جهود قديمة لاستخدامات حديثة: تاريخ مختصر لكيمياء الخامات العضوية والبحث الأمريكي عن المواد ذات الأساس البيولوجي من هنا ويلاحظ على تلك الحركة أن دخول الرأسمالية الصناعية الكبرى في إطار الحركة، كان له جانب إيجابي من حيث دخول الفكرة إلى حيز التنفيذ، لكنه أخرجها إلى حيز الاستغلال الرأسمالي وليس التنمية المحلية والصناعات الصغيرة القائمة على أساس بيئي.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*