أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / حلّ الأحزاب السياسية

حلّ الأحزاب السياسية

11008404_355389581312805_3633587448242990895_n

لقد كانت أحزاب مصر طوال التجربة التي عاشتها في أعقاب ثورة 1919 وما قبلها تتألف وتمارس دورها من خلال التطور الديموقراطي العام وتقاليده، خارج سلطة الدولة وقوانينها، حتى ماكانت تؤلفه منها الحكومات، لكن الجديد هنا أن جهاز الدولة بما يملك من سلطة التقنين والتشريع، وعلى رأسه العسكريون في شكل مجلس قيادة الثورة جعل يتدخل في أمر التنظيمات التي هي في صميمها تنظيمات شعبية، أي من صميم عمل الشعب وهيئاته وتجمعاته، فأخرج العسكريون الدولة عن دورها الطبيعي، مستخدمين سلطتها في التضييق على التجمعات الحزبية تمهيدا لتصفيتها، إن لم يكن احتواؤها، وإعادة تشكيلها وفقا لمشيئتهم.

في مساء يوم 8 سبتمبر 1952 اجتمع مجلس الوزراء في أول اجتماع له برئاسة اللواء محمد نجيب واستمر الاجتماع من الساعة السادسة مساء حتى الثالثة بعد منتصف الليل، وفي أثر انتهاء الاجتماع أعلن ناطق رسمي أن مجلس الوزراء أقرّ فجر يوم 9 سبتمبر قانوني تحديد الملكية الزراعية وتنظيم الأحزاب السياسية.

وتنسب المصادر القانون إلى سليمان حافظ الذي كان وكيلا لمجلس الدولة ورئيساً لقسم التشريع آنذاك، ثم صار في وزارة نجيب نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للداخلية، وهو الأمر الذي أكده سليمان حافظ شخصيا في كتابه “ذكرياتى عن الثورة” صـ 75 بأنه قام بإعداد القانون بمساعدة معاونيه من رجال مجلس الدولة وتداول فيه مع السنهورى، الذى عارضه من جهة المبدأ معارضة شديدة، محتجا بأنه وإن كان الدستور لا يمنع من تنظيم الأحزاب على اعتبار أنها نوع من الجمعيات فإن العرف الدستوري قد جرى على عدم تعرض المشرع لها وترك أمر التنظيم إليها، وكانت حجة سليمان حافظ تمثلت في أن الأحزاب قد فسدت بما أفسد المعنى الحقيقي للديموقراطيه البرلمانية واستطاع إقناع السنهوري بذلك حتى اضطر إلى إقرار المشروع مشترطاً ألا يكون تدخل الإدارة إلا عند الاقتضاء، لتحقيق أغراض القانون، وأن تخضع الإدارة في تدخلها لرقابة مباشرة من مجلس الدولة.

نص القانون على تعريف الحزب السياسي بأنه كل حزب أو جمعية أو جماعة منظمة تشتغل بالشئون السياسية الداخلية أو الخارجية للدولة لتحقيق أهداف معينة عن طريق يتصل بالحكم، ولا يعتبر حزبا سياسيا الجماعة  التي تقوم على محض أغراض علمية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية، ومن ثم فإن للمصريين الحق في تكوين الأحزاب السياسية ولكل مصري الحق في الانتماء لأي حزب سياسى.

وأما من يرغب في تكوين حزب سياسي فعليه أن يخطر وزير الداخلية سليمان حافظ -المشرّع للقانون- بخطاب رسمي يتضمن نظام الحزب ويتدخل القانون في تحديد طريقة اختيار الرئيس ومجلس الإدارة، وأجاز القانون لوزير الداخلية أن يعترض على تكوين الحزب لمخالفته حكم من أحكام القانون، وأن تفصل محكمة القضاء الإدارى في الاعتراض على وجه الاستعجال إلى آخر القانون.

وهكذا وبنص قانوني وتشريع من الدولة اعتبرت الأحزاب السياسية القائمة محلولة، وصار وضعها وممارسة نشاطها بشكلها التقليدى مخالفة للقانون الجديد (179 لسنة 1952) وعليه لكي تفعل ذلك أن تعيد تكوين نفسها على نحو جديد يتماشى مع القانون.

يذكر أحمد زكريا الشلق في كتابه ثورة يوليو والحياة الحزبية أن الأحزاب آن ذاك لم تكن في وضع يمكنها من الاعتراض على القانون أو مقاومته بشكل ما؛ بل على العكس رضخت له وسارعت إلى تقديم إخطارات تأسيسها بعد إجراء حركة تطهير أخرى محدودة في صفوفها، وقامت أحزاب جديدة بالتقديم تحمل إسم العمال والفلاحين بل وأيضا قُدّمت ثلاث إخطارات لتأسيس أحزاب نسائية (بنت النيل، الحزب النسائي، الحزب النسائي الوطنى).

ويجب علينا هنا أن نلقى نظرة أكثر فحصا على موقف حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين من القانون نبدأها بحزب الوفد الذي كان يعد وقتها أكبر حزب سياسي في القطر المصري.

قدم حزب الوفد برنامجه في 23 سبتمبر 1952 تنفيذا للقانون المُصدر في 9 سبتمبر 1952، وعلى الرغم من موافقة الحزب على القانون أو رضوخا لطلبات الدولة إلا أن سليمان حافظ أصر على إبعاد مصطفى النحاس من زعامة الحزب، حيث إنه عندما توجه إليه محمد صلاح الدين الذي كان يتولى أعمال السكرتير العام لحزب الوفد خلفا لفؤاد سراج الدين – الذي اعتقل فى 7 سبتمبر ضمن السياسيين الذين صدر أمر باعتقالهم –بإخطار تكوين الحزب تنفيذا للقانون، ذكر له حافظ وقتها أن وزارة الداخلية لديها أسباب جوهرية للاعتراض على رئاسة مصطفى النحاس للوفد.

تمسك النحاس في بادئ الأمر بحقه كرئيس للوفد وأصدر بيان يوضح فيه ملكيته للشعب وأن ليست هناك قوه تستطيع أن تنحيه عن هذه المكانة، ومن جهة أخرى أصر أعضاء الوفد على عدم تكوين الوفد إلا برئاسة النحاس، وكتب أحمد أبو الفتح رئيس تحرير المصري سلسة مقالات أعلن فيها أن محاولة هدم النحاس هي محاولة لتحطيم كفاح الشعب ضد الاستعمار.

أصدرت قيادات الوفد بيانا فى 27 سبتمبر وقعه عشرة من أقطاب الوفد ورد فيه “نظرا لما صح في يقين الوفد المصري من أن المقصود هو محاربة الوفد ومحاولة هدمه والتخلص منه؛ قرر الوفد المصرى بإجماع الآراء بجلسته المنعقدة يوم السبت ألا يقدم إلى وزير الداخلية إخطارا بإعادة تكوينه”.

لم يكن لدى الوفد وقتها القدرة على تحريك الجماهير ضد الثورة التي كانت قد حققت للشعب أغلى أمنياته، وعليه رفض مصطفى النحاس أن يكون اعتراض الحكومة على رئاسته للوفد سببا أن يختفى من المسرح السياسي في مصر.

وتحت ضغط النحاس نشر أحمد أبوالفتح يوم 6 اكتوبر 1952 مقالا أوضح فيه حرص مصطفى النحاس على ضرورة وجود الوفد مهما كان، وتلا ذلك صدور بيان من قيادة الوفد يوضح فيه أن مصطفى النحاس أصبح لا يتمكن من مباشرة أعباء الرئاسة الفعلية للحزب وأنه جعله رئيس شرف له مدى حياته.

بيد أن قدرات الوفد السياسية والتنظيمية لم تكن كافية لتحدي السلطة الجديدة، ووجد من الشخصيات الكبيرة فيه من دعت إلى الملاينة مثل عبدالسلام فهمي جمعه وطه حسين، واتبع الوفد في المقاومة أسلوبا حقوقيا يعتمد على الهيكل الدستوري والتشريعي القائم، وعلى ساحات المحاكم والدفع فيها بعدم دستورية قانون الأحزاب.

ومن ناحية أخرى يذكر سليمان حافظ أنه لبى دعوة للعشاء من المهندس عبدالسلام عثمان موفدا من شقيقه محمد صلاح الدين وزير خارجية الوفد الأسبق وفي تلك الجلسة سأله محمد صلاح الدين عن موقفه من رئاسة النحاس الحزب وطلب منه الرد ليس بصفته وزيرا للداخلية ونائباً لرئيس الجمهورية بل كنصيحة صديق، فقال وقتها أنه ينصح بعدم تعرض الرجل – مصطفى النحاس – لهذه التجربة.

يرجع بعض الكتاب إلى أن موقف سليمان حافظ من حزب الوفد هو موقف عدائي، وأن القانون برمته ظهر لتقييد حركة الوفد وتقليل نفوذه  ومن ثم حل الأحزاب.

أما الإخوان المسلمين فقد قدموا إخطارا عن تأسيسها على وجه الاحتياط في حالة اعتبارها حزبا بمقتضى القانون ورأى مجلس قيادة الثورة عدم تطبيق القانون المذكور عليها وفقا ورواية جمال حماد في كتابه أسرار ثورة 23 يوليو وهو الأمر الذي عارضه محمد نجيب اعتبارا أن القوى السياسية يجب أن تكون أمام القانون سواء، ولكن جمال عبدالناصر ذكر له أن الجماعه كانت أكبر أعوان الثورة قبل قيامها وأنه لا يصح أن يطبق عليها قانون تنظيم الأحزاب وتم ذلك فعلا بعد زيارة حسن الهضيبى ومعه جمال عبدالناصر لسليمان حافظ وقاما بتعديل الإخطار الذي بمقتضاه لم يطبق القانون على جماعة الإخوان المسلمين.

ومن ناحية أخرى ترى بعض المصادر التاريخية أن الجماعة قد أسدى لها النصح من جهات عليا بسحب الأخطار ففعلت ونجت مؤقتاً من قرار الاعتراض والحل، والمعروف أن الجماعة عندما قدمت إخطارها – حسب رواية صلاح شادي– استفسرت منها وزارة الداخلية عما إذا كانت الجماعه ستسعى للوصول للحكم فضلا عن استفسارات أخرى تتصل بقيادات الجماعة، هذه الاستفسارات جميعها أثارت جدلا بين الإخوان كاد أن يصل إلى حد الفتنة.

ازداد نشاط الأحزاب وتحركاتها رغم ذلك كله، ويبدو أنها تجاوزت نشاطاتها المألوفة في صفوف نشاط الأحزاب داخل الجيش سيؤدي إلى فتنة في البلاد، عندئذ قام القائد العام للقوات المسلحة بصفته رئيس حركة الجيش محمد نجيب في منتصف ليل 16 – 17 يناير 1953 في إذاعة بيان ربط فيه بين أهداف الثورة في إجلاء المحتل الأجنبى عن الوطن، وبين توقعهم أن تقدّر الأحزاب مصلحة الوطن العليا (فتقلع عن الأساليب المخزية التي أودت بكيان البلاد ومزقت وحدتها وفرقت شملها) واتهم ( المصالح الحزبية بمحاولة إفساد الثورة، وأن بعض عناصر الأحزاب لم تتورع عن الاتصال بدولة أجنبية وأن الأحزاب بطريقتها القديمة وعقليتها الرجعية باتت تمثل خطرا على البلاد، لذلك فإننى أعلن حل جميع الأحزاب السياسية منذ اليوم ومصادرة أموالها لصالح الشعب لكي تنعم البلاد بالاستقرار وأعلن قيام فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات حتى نتمكن من إقامة حكم ديموقراطي دستوري سليم) واختتم نجيب بيانه بتهديد ( أنه سيضرب بمنتهى الشدة على يد كل من يقف في طريق اهدافنا ).

————————————————————————————————

  1. ثورة يوليو والحياه الحزبية – أحمد زكريا الشلق – سلسة إعادة قراءة التاريخ
  2. الديموقراطية ونظام 23 يوليو – طارق البشرى
  3. ذكرياتى عن الثورة – سليمان حافظ
  4. محمد نجيب زعيم ثورة أم واجهة حركة  – د.رفعت يونان –لسلسة إعادة قراءة التاريخ
  5. أسرار ثورة 23 يوليو – جمال حماد
Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. Thanks for the sensible critique. Me and my neighbor were just preparing to do a little research on this. We got a grab a book from our area library but I think I learned more from this post. I’m very glad to see such fantastic information being shared freely out there.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*