أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / فتح القسطنطينية [2/1]

فتح القسطنطينية [2/1]

 

BeFunky_Conquest_of_Constantinople,_Zonaro.jpg

إعداد: محمد كـامل

 

للمدن التاريخية مكانة كبيرة في نفوس الأفراد، وللحكايات والقصص التاريخية وبطولات أفرادها وعادات ناسها وسكانها اهتمام كبير يبقى في بال الكثيرين اليوم على اختلاف توجهاتهم، ذلك أن هذه المدن التاريخية قد كانت هي في يوم من الايام محط أنظار العالم في وقتها.

وعند الحديث عن مدينة كاسطنبول التركية، فإن الحديث هنا عن مدينة يقصدها الملايين وتنعم برغد العيش، وتعتبر أكبر المدن في تركيا ومركزها الثقافي والاقتصادي والمالي ومحط أنظار ملايين الناس حول العالم من حيث السياحة أيضا لموقعها الجغرافي المميز الذي تحيط به المياه من ثلاث جهات، وتقع في قارتين مختلفتين؛ حيث يقع جانب منها في أوروبا على طول مضيق البسفور، وجانب آخر في القارة الآسيوية فيما يعرف “بالأناضول”، وتحيط بمرفأ من المياه يسمى بالقرن الذهبي.

القسطنطينية كما كانت تسمى في العهد البيزنطي، أو اسلامبول بعد فتح المسلمين لها، أو الأستانة أو الباب العالي عندما كانت عاصمة الدولة العثمانية كلها أسماء تدل على اسطنبول الحالية، وكلها أسماء تدل على أن لهذه المدينة قصة وحكاية تستحق الاطلاع عليها.

لمحة تاريخية:

تبدأ قصة هذه المدينة منذ تأسيسيها في عام 330م على يد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول، وقد سميت بإسمه في ذلك الوقت، وقد كان لها موقعا جغرافياً فريداً ومكانة بين المدن الأخرى المجاورة حتى قيل في حقها “لو كانت الدنيا كلها مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها”.

وكما كان لهذه المدينة مكانة خاصة عند البيزنطيين واهتمام كبير بها، فقد كانت أيضا محط أنظار المسلمين ولها مكانة خاصة في نفوسهم، وكانت الجيوش الإسلامية تردد في حق القسطنطينية والجيش الذي سيفتحها وأميره حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”لتفتحن القسطنطينية على يد رجل، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”. لقد أُرسلت الجيوش الإسلامية إلى القسطنطينية في الكثير من الحملات حتى ذكر بعض المؤرخين بأن الحملات الإسلامية لفتح القسطنطينية قد بلغت إحدى عشرة حملة لم تكلل بالنجاح، ولكنها بلا شك قد كانت بمثابة تمهيد الطريق لفتح محمد الفاتح.

لقد كانت أولى الحملات الإسلامية على القسطنطينية في عهد الدولة الأموية فأرسل معاوية بن أبي سفيان حملته على المدينة في العام 44 للهجرة، وتبعه بعد ذلك سليمان بن عبد الملك سنة 98 للهجرة ولكن دون جدوى في كلا الحملتين. وقد استمر الحال في إرسال الحملات الإسلامية للمدينة في عهد الدولة العباسية، ومن طرف دولة السلاجقة بقيادة القائد ألب أرسلان، ومن توّلى الأمور بعده أيضا ولكن أيضا دون جدوى.

وعند ظهور نجم الدولة العثمانية، وخلافتها لدولة سلاجقة الروم في بلاد الأناضول، وفتوحاتها الكثيرة في بلاد البيزنطيين خصوصا فتحهم لمدينة أدرنة عام 1360م والتي كانت ثاني مدينة في الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية، واتخاذها عاصمة الدولة العثمانية من قِبل السلطان مراد الأول عام 1366م، كان لا بد وأن تتوجه أنظارها إلى القسطنطينية لفتحها فهي عاصمة بيزنطة، وهي المدينة التي تقف حائلا في تقدم فتوحات الدولة العثمانية شمالا حيث دول أوروبا، فانطلق إلى المدينة السلطان العثماني بايزيد الأول لفتح المدينة ومعاقبة الإمبراطور البيزنطي لمساندته للحملات الأوروبية العسكرية على الدولة العثمانية، فطلب منه تسليم المدينة ولكنه رفض واستنجد بدول أوروبا، فضرب السلطان العثماني على المدينة حصارا كان يوشك أن يجعل المدينة تستسلم له، إلا أن هذا الفتح لم يتم لاضطرار السلطان فك هذا الحصار عن المدينة والتوجه جنوبا لازدياد خطر التتار على الدولة العثمانية جنوبا بقيادة تيمورلنك.

لقد تراجعت الدولة العثمانية كثيرا بعد هجوم التتار عليها، فتفككت الدولة، وتناحر أبناء بايزيد على خلافة مُلك الدولة بعد أبيهم، حتى بقيت الدولة العثمانية سنينا تحاول إعادة وحدة الدولة قبل أن تنطلق مجددا في مسيرة ضم المدن البيزنطية إلى ملكها.

عاود العثمانيون التوجه نحو القسطنطينية في حياة السلطان مراد الثاني والد محمد الفاتح، وكان قد عزم على فتح المدينة وضرب الحصار عليها، إلا أن البيزنطييين عمدوا إلى أسلوب جديد في التعامل مع الدولة العثمانية وهو أسلوب زرع الفتنة في صفوف العثمانيين ودعم الخارجين على سلطة مراد الثاني، فانشغل السلطان في ذلك الوقت بتوحيد البلاد وإعادة هيبة الدولة على جميع أراضيها، ولم يستكمل الحصار على القسطنطينية. في ذلك الوقت كان السلطان مراد الثاني يعد ابنه محمد ليخلفه في الحكم ولم يتجاوز حينها عمره 14 عاما، فأرسله حاكما على مغنيسيا في الأناضول يتابع أمور الحكم هناك وهو ما كان له عظيم الأثر على صفات محمد الفاتح القيادية، وبقي حاكما لمغنيسيا يتابع أمور السلطنة هناك ويعايش الصراع مع الدولة البيزنطية ومحاولات أبيه لفتح القسطنطينية حتى وفاة والده ليصبح هو السلطان وهو في 22 من عمره، ليبدأ نفس الرحلة التي سبقه إليها أجداده من قبل وهي رحلة فتح القسطنطينية والتي كانت مختلفة هذه المرة.

حملة محمد الفاتح على القسطنطينية:

يُعرف عن محمد الفاتح بأنه كان شديد الاهتمام بدراسة التاريخ ومعرفة الكثير من لغات عصره، واهتمام من حوله وأهله به، فأحاطوه منذ صغر سنه بالكثير من العلماء في كافة المجالات فكان منهم الشيخ أحمد بن اسماعيل الكوراني وهو شيخ أجداده أيضا، والشيخ آق شمس الدين والذي تعتبره بعض كتب التاريخ بأنه الفاتح المعنوي للقسطنطينية لإسهامه المباشر في تربية الفاتح إيمانياً وقيادياً.

لم يمنع صغر سن الفاتح عندما تولى أمور الدولة العثمانية من توجيه أنظاره وكل إمكانيات دولته آنذاك العسكرية والمادية والروحانية، واستغلال كافة مهاراته القيادية ومعارفه من العلوم والتاريخ آنذاك صوب فتح القسطنطينية، فبدأ فترة حكمه في الإعداد لحملة ضخمة لحصار المدينة وفتحها وبالفعل بدأ بالتجهيز لذلك من كافة النواحي والتي كانت:

  • بناء قلعة “روملي حصار” في الجانب الأوروبي من البلاد على مضيق البسفور في أضيق نقطة مقابل القلعة التي أسسها جده بايزيد في الجزء الآسيوي من البلاد وذلك لكي يحكم السيطرة على المدينة ومنع أي امدادات بحرية لها في حال حصارها.
  • الاعتناء بأنواع الأسلحة في ذلك الوقت وتطويرها، فوجد أن جيشه يحتاج إلى المدافع كسلاح ليدك فيه حصون المدينة، فاستقطب مهندساً مجرياً مختصا في صناعة المدافع آنذاك يُدعى “أوربان” ليصنع للجيش العثماني المدافع اللازمة والتي كان من أشهرها وأضخمها المدفع السلطاني.
  • لقد كان السلطان على علم بأن المدينة تحيط بها المياه من 3 جهات، فلم يهمل هذا الجانب، فاهتم باعداد أسطول بحري ضخم يكون بمساندة الجيش على البر ليكتمل حصار المدينة من جميع الجهات ويقطع أي إمدادات لها من أي جهة. وقد ذكرت بعض كتب التاريخ بأن الأسطول البحري بلغ قرابة 400 سفينة.
  • لم يهمل السلطان قدرة البزنطيين على حث المدن والدول الأخرى المجاورة لهم على مساندتهم في حربهم ضد العثمانيين، وقد تعلم السلطان من حملات من سبقه من أجداده في ضرورة أن يحيّد المدن والدول المجاورة للقسطنطينية من مساعدتها، فعقد المعاهدات مع إمارة “غلطة” المجاورة للقسطنطينية، ومع المجر والبندقية في الشق الأوروبي.
  • لاحظ السلطان وعورة الطريق بين أدرنة والقسطنطينية، فأمر بتعبيد الطريق الواصلة بين المدينتين لسهولة حركة الجيش وجر المدافع.
  • زيادة عدد أفراد الجيش المدربين ليصل العدد الإجمالي إلى 250 ألف جندي يشاركهم الجنود في الأسطول البحري.

وعلى الرغم من كل هذه الاستعدادات، إلا أن المدينة كانت محصنة بشكل لا يسمح بفتحها بسهولة، فموقعها الجغرافي يمنحها حصنا طبيعيا من ثلاث جهات مائية فمضيق البسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي شكلوا معا حصنا مائياً منيعاً، كما كانت المدينة محصنة بخطط عسكرية، فقد أُغلق القرن الذهبي بسلسلة ضخمة للتحكم في عبور السفن والحيلولة دون عبور سفن العثمانيين، كما وأحيطت المدينة أيضا من البر بسورين مرتفعين متتابعين موزع عليهما العديد من الأبراج والجنود ويفصل بينهما مساحة فارغة قرابة 60 قدما مما يجعل عبور هذه الأسوار أمرا صعبا.

استكمل الفاتح الاستعداد لمعركة القسطنطينية، وسار بالجيش حتى مشارف المدينة فوصلها في السادس من أبريل في العام 1453م وضرب عليها حصارا منيعا بحيث لا يدخل إليها أي شيء، وبدأت المعارك في حينها البرية والبحرية ولكن دون جدوى نظرا لتحصينات المدينة المنيعة ووجود ثغرة القرن الذهبي التي تسمح بمرور سفن الإمداد للمدينة، كذلك استبسال الجند المدافعين عنها.


لم يقتصر استعداد الفاتح في أرض المعركة على ما سبق، فقد لاحظ أيضا أن الأسوار المنيعة التي تحيط بالمدينة مدججة بالجنود الذين يرمون كل من يتقدم من هذه الأسوار بالنبال، فكان من الصعب اقتراب الجنود العثمانيين من هذه الأسوار وتسلقها، فلاحت إليه فكرة بناء قلعة خشبية ضخمة متحركة تتكون من 3 أدوار وتكون في ارتفاعها أعلى من الأسوار وتكون مليئة بالجنود ليرموا الأسوار ومن عليها بالنبال ويعطوا الحماية للجنود على الأرض. كما أنه فكّر أيضا بحفر الأنفاق أسفل الأسوار ليتسلل الجنود إلى داخل الأسوار لمباغتة الجنود البيزنطيين من خلفهم.

بدأ الجيش العثماني في التململ نظرا لطول مدة الحصار، ودون وجود حلول لثغرة القرن الذهبي، حتى أن بعض القادة أشاروا على محمد الفاتح بالعدول عن فتح المدينة وفك الحصار عنها والرجوع بالجيش، الا أن سمة الحزم التي كان يتمتع بها الفاتح جعلته يرفض هذا الكلام حتى لاحت إليه فكرة نقل السفن برا من مكان وجودها إلى الطرف الآخر من القرن الذهبي وتجاوز عقبة وجود السلسلة، وبالفعل لم ينتظر الفاتح طويلا حتى أمر بتمهيد الأرض بين الطرفين، ووضع الألواح الخشبية المدهونة بالزيت والشحم على طول الطريق، وبدأ الجنود بجر السفن على البر حتى وصلت إلى الطرف الآخر ونزلت السفن المياه مجددا في صباح يوم 22 أبريل. لقد كان هذا العمل في ذلك الوقت خارقا بتوصيف أحد المؤرخين البيزنطيين حيث قال عنه “ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحول الأرض إلى بحار، وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلا من الأمواج، لقد كان محمد الفاتح بهذا العمل الإسكندر الأكبر”. وقد خلّد التاريخ هذا العمل.

استمر الحصار 53 يوما، ولم يستطع الجيش العثماني أن يفتح المدينة، وقد كان المدافعون عنها يستبسلون في ذلك، فأمر الفاتح في صباح اليوم الرابع والخمسون للحصار بأن ينتشر العلماء بين الجنود وأن يشحذوا هممهم، وأن يذكروهم بالأجر والثواب، ومع صباح هذا اليوم أعطى الفاتح الأمر بالهجوم على المدينة، فبدأت المدافع بدك أسوارها حتى أحدثت ثغرة في السور الذي يحيط بها، واندفع الجنود إلى الأسوار في ملحمة بطولية شارك بها الجند والدعاة والقادة حتى استطاع الجيش العثماني فتح المدينة ودخولها، ورفع العلم العثماني على أسوارها وقتل الإمبراطور البيزنطي. لقد دخل السلطان المدينة، وحقق ما كان يريده ويخطط له منذ أول يوم لتوليه السلطنة وهو فتح القسطنطينية، فأمر بدفن الإمبراطور البيزنطي على الطريقة المسيحية، وأعطى الأمان لأهل المدينة على مالهم وأنفسهم وأهلهم وشعائر دينهم، في رسالة واضحة لتعاليم الدين الإسلامي.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*