أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / فتح القسطنطينية [2/2]

فتح القسطنطينية [2/2]

BeFunky_Conquest_of_Constantinople,_Zonaro.jpg

إعداد: محمد كامل 

 

أثر هذا الفتح على العالم:

كان هذا الفتح بمثابة عودة الروح من جديد للأمة الاسلامية، فاستبشر المسلمون خيراً بهذا الفتح الذي منّ الله به على الفاتح وجيشه، ورأوا فيه عودة لروح الأمة الإسلامية ومجدها بعد أن شهدت ضعفاً شديداً في عهد العباسيين، وتفرق شمل الإمارات الإسلامية في الشمال الأفريقي، وضعف الأندلس وسقوطها، وضعف دولة المماليك في مصر، كل ذلك جعل من فتح القسطنطينية بث للروح في الجسد المتهالك.

ورغم أن القسطنطينية كانت الحصن المنيع لصد هجمات الدولة العثمانية على دول أوروبا المحاذية لها، فقد كان فتحها مقدمة لتمدد العثمانيين في الشرق الأوروبي حتى حدود البندقية التي عقدت معاهدة صلح مع العثمانيين للحفاظ على مصالحها، وحتى المجر التي لم تستوعب فتح القسطنطينية وقاومت جيوش العثمانيين إلا انها لم تصمد أمامهم فضمها العثمانيون إليهم ومعها بلاد الصرب واليونان والقرم.

لقد تداعت الدول الأوروبية إلى إنشاء حلف صليبي جديد لمواجهة الدولة العثمانية، استشعارا منهم بخطر هذه الدولة على دولهم وملكهم، ولكن هذا الحلف لم يكتمل بسبب وفاة البابا آنذاك، ومعاودة خلافات ملوك دول أوروبا والتنازع فيما بينهم من جديد.

وبعد الفتح هذا، انشغل العثمانيون في البناء الداخلي للدولة، فنقلوا العاصمة إلى القسطنطينية، واهتموا ببناء المدارس والمعاهد، ودور العبادة، والاهتمام بتعليم الأطفال ونشر العلوم االمختلفة، حتى وصف بعض المؤرخين هذا الفتح بأنه المرحلة الفاصلة بين العصور الوسطى لدول أوروبا وبين العصر الحديث بما أسهمته الدولة العثمانية من نشر للعلوم والثقافة في أوساط المجتمعات الاوروبية.

بماذا اختلف الفاتح وجيشه حتى استطاعوا فتح القسطنطينيه؟

من المعلوم بأن الفاتح سار في فتوحاته كما كان أجداده من قبله، فكانوا يتفرغون لفتح البلاد المجاورة للدولة العثمانية وضمها إلى دولتهم، وهكذا استمر الفاتح في عهده، ولكن فتح القسطنطينية كان بمثابة نقطة فاصلة في تاريخ الدولة العثمانية، فما الذي اختلف عند الفاتح ولم يوجد عند من سبقه؟

للإجابة على هذا التساؤل، لا بد من النظر في كيفية تدرج تحقيق الانجازات العظيمة، وكيفية الاستعداد الجيد لها، وهذا ما يمكن أن نستنتجه من فتح القسطنطينية في عهد محمد الفاتح (الثاني):

  • نشأ الفاتح في بيئة من العلماء الذين علموه كل أنواع العلوم اللازمة له في ذلك الوقت، فدرس القرآن والسنة والفقه والعلوم الإسلامية، وأتقن اللغات الشهيرة في ذلك العصر (العربية، الفارسية، والتركية) وكذلك تعلّم الرياضيات والفلك وعلم الحروب.
  • كان لاهتمام الفاتح بالتاريخ عظيم الأثر في معرفة ما سبقه من أحداث وكيف كانت أمور الأمم تدار في السابق، وهو ما يمكن أن نعممه بالقول بأن معرفة التاريخ مهم لإنجاز المهام العظيمة ففيه العبر والتجارب.
  • لقد مارس الفاتح أمور الدولة وهو صغير السن، وبالتالي فإنه عند توليه الحكم كان على قدر كبير من الخبرة والتجربة في إدارة الدولة، وعلى معرفة كبيرة بحال الدول المحيطة به وكيفية التعامل معها، وهذا لا يقل أهمية عن معرفة القائد للمفاهيم النظرية في إدارة الدول، فالتجربة الفعلية على أرض الواقع تعطي الخبرة اللازمة والشجاعة المطلوبة في إدارة الدول وأصول الحكم.
  • كان يحيط بمحمد الفاتح الكثير من الدعاة والعلماء عندما تولى الحكم، وقد كانوا ممن لا يجاملونه الأمر الذي جعل الشيخ آق شمس الدين لا يقف للفاتح لتحيته عندما تم فتح المدينة، وعندما سُئل عن ذلك أجاب بأنه يخشى على السلطان الغرور.
  • لقد جعل الفاتح لحياته هدف ليحققه، وهو ما جعله يغض الطرف عن جميع الكلمات المثبطة التي قيلت له باستحالة فتح المدينة، بل إنه مضى في تحقيق ما خطط له بكل حنكة ومسؤولية، وهنا يظهر دور التخطيط السليم والمشورة في تحقيق الإنجازات العظيمة، بالإضافة إلى العزيمة والإصرار وعدم الاستسلام.
  • اتسم فتح القسطنطينية على يد الفاتح بالشجاعة، وتسخير كافة الإمكانيات لهذا العمل، مع عدم الغفلة من غدر البلاد المجاورة للقسطنطينية فعمل على تحييدها بعقد الاتفاقيات معها على الرغم من عدائها الشديد للدولة العثمانية وهو ما يسمى بالمرونة في إدارة شؤون البلاد لتحقيق مصلحة أعم وأشمل.
  • لم يقتصر الفاتح على خبرات العثمانيين في تجهيز جيشه، ولم يكن لديه مشكلة البتة في أن يستعين بمن ليس من موطنه ليصنع له معدات الجيش، وقد كان هذا واضحا في استعانته بالمهندس المجري “أوربان” ليصنع المدافع وهو ما يمكن القول عنه الانفتاح على كل الإمكانيات المتاحة وعدم تحجيم مهارة أو رأي لأحد بحجة أنه لا ينتمي للدولة
  • لم يدّخر الفاتح جهداً في أن يطور من أساليب الهجوم على المدينة، فبنى القلعة المتحركة، وجهز أسطولا بحرياً، ونقل السفن براً وحفر الأنفاق.
  • لم يغفل الفاتح عن أهمية بث الروح المعنوية الحماسية في نفوس الجند، وتذكيرهم بالثواب والجزاء من الله، وقد كانت هذه مهمة العلماء ورجال الدين المنتشرين بين الجنود.
  • من الواضح بأن من صفات الفاتح أنه يتمتع بمفاجأة عدوه بأساليب مختلفة في القتال، وقد رأينا ذلك في حصار القسطنطينية، وبناء القلعة، والأسطول البحري، وحرب الأعصاب.
  • اتصف الفاتح بالحزم في تحقيق ما يريد، ويمكن معرفة ذلك من خلال رفضه للجزية التي عرضها عليه إمبراطور القسطنطينية للعدول عن حصار المدينة.

هل نحتاج إلى الفاتح اليوم؟

ربما لا نحتاج إلى الفاتح اليوم بصورة الفاتح القائد العسكري الفذ، ولكن بظنّي أننا نحتاج الفاتح اليوم بصورة الإنسان الذي جعل في ذهنه حلماً وعمل على تحقيقه بكل ما أوتي من قوة وعزم وإصرار وشجاعة، وكل ما أوتي من علم وثقافة، وبكل ما أوتي من انفتاح على الآخرين.

ربما نحتاج في يومنا هذا نموذجا كنموذج الشيخ آق شمس الدين الذي لم يدخر جهدا ًفي زرع قيم الإنجاز والوصول إلى تحقيق الأهداف بكل السبل المتاحة والممكنة، وتحفيز صاحب الهدف في كل وقت وحين دون السخرية من حجم هذه الأهداف.

ربما نحن بحاجة إلى ثقافة الاحتواء التي مارسها والد الفاتح معه، فأحاطه بالعلماء ليصقلوا شخصيته.

ربما نحن بحاجة اليوم الى إتاحة الفرصة للانخراط بالعمل على أرض الواقع، وإعطاء الفرصة للشباب على اختلاف أفكارهم للممارسة العملية في إدارة الحكم.

ربما نحن بحاجة إلى مرونة التفكير، والسعي الى إيجاد البدائل الممكنة لتحقيق الأهداف، والحزم في التعامل مع الأمور التي نظنها قد تحيد بنا عن طريق رسمناه لأنفسنا.

ربما نحن بحاجة إلى “نموذج إنجاز”،،

——————————————————————————————

المراجع

  1. د. علي الصلابي: “فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح”
  2. http://goo.gl/UBOJFE
  3. http://goo.gl/DwdTp9
Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*