أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / إنشاء التعارض بين إرادة الأمة وإقامة الشرع

إنشاء التعارض بين إرادة الأمة وإقامة الشرع

   شريف محمد جابر

artistic-surreal-photomanipulation-by-sarolta-ban-16من الأزمات التي افتعلتها بعض التيّارات الإسلامية المعاصرة: إنشاء التعارض بين “إقامة الشرع” و”إرادة الأمة”، فإذا أردتَ أن تحكّم الشرع ينبغي أن ترفض إرادة الأمة، وإذا أردتَ الرجوع لإرادة الأمة فأنت مخالف للشرع.

    والعجيب في الموضوع أنّ من يحمل هذا الفهم الإشكاليّ يرى أنّ نجاح مشروعه يكون في التفاف الأمة حول “المشروع”، فهو يقبل إرادة هذه الأمة فقط إذا اختارت مشروعه وأفكاره، ويرفض إرادتها دون ذلك، أو إنْ لم يكن متأكّدا من نواياها. إنّه يسيء – من حيث لا يدري – إلى هذه الأمة؛ فيخاف من إسناد الاختيار لها ولا يثق بها، ويريد منها، مع ذلك، أن تلتفّ حوله!

    جاء في صحيح البخاري في حديث وفد هوازن أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم استشار الناس في ردّ أموال هوازن عليهم: “فقَام في المسلمينَ، فأَثْنَى علَى اللهِ بمَا هوَ أهلُهُ، ثمَّ قالَ:أمَّا بعدُ، فإنَّ إخوانَكُم هؤلاءِ جاؤونَا تائبينَ، وإنِّي رأيتُ أنْ أرُدَّ إليهِم سبيَهمْ، فَمَنْ أحبَّ منكُم أنْ يَطِيبَ ذلكَ فليَفْعَلْ، ومَن أحبَّ أنْ يكونَ على حَظِّهِ حتى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِن أوَّلِ ما يَفِيءُ اللهُ علينَا فلْيَفْعَلْ”. فقالَ الناسُ : “طيَّبنَا يا رسولَ اللهِ لهُم”، فقالَ لهُم : “إنَّا لا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ منكُم فيهِ مِمَّنْ لم يأْذَنْ، فارْجعوا حتى يرفعَ إلينَا عرفَاؤكُم أمرَكُم”. فرجعَ الناسُ، فكَلَّمهُم عرفاؤُهُم، ثم رجَعوا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فأخبَروهُ: أنَّهُم طيَّبُوا وأَذِنُوا”. الشاهد: عبّر الناس عن إرادتهم التي تشملهم من خلال “عرفائهم”، وهم من يمثّلونهم ويَعْرفون رأيهم من أسيادهم وشرفاء قومهم.

    وعن كعب بن مالك في حديث البيعة: “قَالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْكُمْ يَكُونُونَ على قَوْمِهِمْ، فَأَخْرَجُوا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ؛ تِسْعَةٌ من الخَزْرَجِ وثَلَاثَةٌ من الأَوْسِ” (أخرجه الهيثمي ورجاله رجال الصحيح، وصحّحه الألباني في تخريج “فقه السيرة”). الشاهد: النقباء كانوا ممثّلين عن قومهم لتكون إرادتهم في بيعة النبيّ عليه الصلاة والسلام تمثيلًا عن إرادة القوم أهل الشوكة والنصرة من سكّان المدينة، وتعريفًا لهم بتفاصيل هذه البيعة حتى يكونوا على علم بشروطها وحقوقها.

    وجاء في لسان العرب عن معنى العريف: “وعَرِيفُ القوم: سيّدهم. والعَريفُ القيّم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، وبه فسر بعضهم بيت طَرِيف العَنْبري، وقد تقدَّم، وقد عَرَفَ عليهم يَعْرُف عِرافة. والعَريفُ النَّقِيب وهو دون الرئيس، والجمع عُرَفاء، تقول منه: عَرُف فلان، بالضم، عَرافة مثل خَطُب خَطابة أَي صار عريفاً، وإذا أَردت أَنه عَمِلَ ذلك قلت: عَرف فلان علينا سِنين يعرُف عِرافة مثال كتَب يكتُب كِتابة. وفي الحديث: العِرافةُ حَقٌّ والعُرفاء في النار؛ قال ابن الأَثير: العُرفاء جمع عريف وهو القَيِّم بأُمور القبيلة أَو الجماعة من الناس يَلي أُمورهم ويتعرَّف الأَميرُ منه أَحوالَهُم، فَعِيل بمعنى فاعل، والعِرافةُ عَملُه، وقوله العِرافة حقّ أَي فيها مَصلحة للناس ورِفْق في أُمورهم وأَحوالهم، وقوله العرفاء في النار تحذير من التعرُّض للرِّياسة لما ذلك من الفتنة، فإنه إذا لم يقم بحقه أَثمَ واستحق العقوبة” (انتهى من لسان العرب لابن منظور).

    وجاء في لسان العرب أيضًا عن معنى النقيب: “والنَّقيب العَريفُ، وهو شاهدُ القوم وضَمِـينُهم؛ ونَقَبَ عليهم يَنْقُبُ نِقابةً: عَرَف” (انتهى من لسان العرب لابن منظور).

    هذه الروايات الصحيحة وغيرها واضحة الدلالة على اعتبار رأي الأمة وموقفها من الأحداث السياسية على وجه الخصوص[1]، وأنّ موقفها هذا الذي يعرضه العرفاء أو النقباء – وهم بمثابة الممثّلين عن الأمة عند الحاكم وعن الحاكم عند الأمة – له وزنٌ في اتخاذ القرار السياسي، ولا يتعارض ذلك مع إقامة الدين في أمة مسلمة. وهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتعرّف أمرَ الناس ويهمّه موقفهم، بل لم يصبح سيّدا على المدينة إلا بعد بيعة زعماء الأنصار له، فلم يفرض نفسه على شعب لم يرض به، ثم يأتينا في العصر الحاضر زعماء فصائل مِن البشر غير المعصومين يريدون فرض حُكمهم وأيديولوجيّتهم على الأمة، دون أن يكون لها رأيٌ أو أثرٌ في القرارات السياسية المتعلّقة بشؤونها!

    يكمن التناقض في أن تدّعي بأنّك تحارب وتكافح من أجل نصرة شعب مسلم يريد إسقاط طاغية مستبدّ، وأن تتودّد لهذا الشعب من خلال وصفه بكلّ معاني التشريف والتكريم والإباء.. ثمّ إذا تحدّثتَ عن قضية “الحُكم”، جعلتَ مجرّد التفكير بإعطاء هذا الشعب حقّه في اختيار من يحكمه وفي تقرير مصيره؛ جريمةً لا ينبغي الاقتراب منها أو التصريح بها، بل هي “شركٌ” أو قريبٌ منه والعياذ بالله!

    إنّ من يرفض إعطاء الشعوب المسلمة حقّها في اختيار من يحكمها وحقّها في تقرير مصيرها السياسي؛ يريد في المقابل حصر هذا الحقّ بجماعته وحدها، أي إنّ جماعته – بنظره – هي صاحبة الحقّ الحصريّ في تقرير مصير الأمة، وهو في الواقع يعزل أمة بأكملها عن شؤونها السياسية، ويريد لقادة فصيل واحد أن يحتكروا اتخاذ القرار في تنصيب الحاكم وفي مجريات الحكم.

    إنّه يزعم أنّ الأصل هو “تحكيم الشرع” وليس “تحكيم الأمة”، وأنّ الشرع هو الذي يحدّد طبيعة النظام السياسي[2] وليس الأمة، لكن الذي يحدث في الواقع أنّه يريد تحكيم “فهمه” هو للشرع، ويرفض أن تختار الأمة ممثّليها ممّن تثق بهم، ليكون الأمر شورى بينهم وليحدّدوا ملامح النظام السياسي الذي ينبغي أن يكون[3].

    ولمعاينة بعض ظواهر هذا الطرح الإشكالي، الذي يتنكّر للأمة فيما هو حقّ لها، ويستغلّها لتلميع صورته في كلّ فرصة، نطرح بعض المشاهد الواقعية:

    المشهد الأول:

    – يقول المتحدّث باسم إحدى الجماعات: “الأمة باسلة كريمة أبيّة تثور على الطواغيت لإقامة دين الله” (مغازلة).

    – حين يتمّ التلويح بردّ الأمر إلى هذه الأمة (الباسلة الكريمة الأبيّة التي تريد إقامة دين الله)؛ تصبح عبارة عن مجموعة من الفسّاق والجهلة والرعاع الذين لا يمكن إسناد الأمر إليهم!

    المشهد الثاني:

    – تتبجّح إحدى الجماعات مفاخرةً بالتفاف الناس حولها، وكيف أنّ الناس راضون عن عملها ويرحّبون بها؛ للتدليل على “شرعيّتها” في المجتمع وقبول الناس لها (احترام إرادة الأمة والثقة بها حين تكون في صالحهم).

    – حين يتمّ التلويح بإعطاء الأمة حقّها في اختيار من يحكمها وتحديد شكل نظامها السياسي، يصبح ذلك مرفوضًا؛ لأنّ الأصل تحكيم الشرع وليس تحكيم الأمة كما يزعمون! (مصادرة إرادة الأمة والتشكيك بها حين لا يتم ضمانها لصالحهم).

    المشهد الثالث:

     – يطوف مراسل إحدى الجماعات في إحدى المدن ليُتيح للناس التعبير عن رأيهم في تأييد الجماعة ونزاهتها وإخلاصها (حرية التعبير عن الرأي).

    – نفس الجماعة تنظّر كثيرا في نقد “حرية التعبير” باعتبارها أحد أركان الديمقراطية “الشركية”، وأنّ إتاحتها مطلقًا ستؤدّي إلى التعبير عن الكفر والشرك والإباحية والعياذ بالله! (استحضار النماذج المتطرّفة لسلب حرّية الناس في التعبير). مع عدم وجود أي فصيل مخالف أو صوت معارض في ظلّ سيطرة هذه الجماعة على المدينة التي كان المراسل يطوف فيها ويستطلع آراء الناس!

    والخلاصة أنّه لا تناقض بين أن يختار الشعب حكّامه ويقرّر مصيره السياسي، وبين أن تكون السيادة للشرع؛ فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم شرع الله في المدينة ويكون حاكما عليها إلا بمبايعة سادتها له، ولو قُدّر أنهم رفضوا مبايعته لما كان له أن يكون حاكما عليهم، فقد خيّرهم ولم يُجبرهم، وقال لهم في البيعة: “أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْكُمْ يَكُونُونَ على قَوْمِهِمْ”، فكان هؤلاء النقباء (أو العرفاء) ممثّلين عن قومهم، معبّرين عن اختيارهم. وإنّ إنشاء التعارض من قبل بعض المعاصرين بين “إرادة الأمة” و”سيادة الشرع” هو نوع من “الخيال المريض” إنْ صحّ التعبير؛ إذ يفترض هؤلاء خيارًا تقوم فيه الأمة المسلمة برفض شرع الله علانية، فوق ما في ذلك من إهانة للأمة وانعدام للثقة فيها، مع الافتراض المسبق القبيح بأنّ إرادتها ستتجه نحو الكفر ومعاداة الشرع، بل ولا يدري المرء كيف يطمح هؤلاء لإقامة “دولة إسلامية” أو “خلافة راشدة” في مجتمع لا يثقون بما يمكن أن يفرزه خياره؟! وكيف ستستقرّ أمور هذه الدولة “الإسلامية”، التي تطمح نحو الريادة وقيادة الأمة ونشر دين الله، إذا كان يغلب على مجتمعها الكفر والفسوق والعصيان؟!

    من أجل ذلك نقول: إنّ افتراض وجود مجتمع يغلب عليه الكفر والفسوق ومعاداة الشرع؛ يعني أنّ هذا المجتمع ليس أهلا لإقامة نظام “إسلامي” يُراد منه أن يكون نموذجًا هاديًا ونقطة انطلاق لحكم راشد يندفع نحو بناء الحضارة. وإنّ الخطوة الأولى التي تسبق إقامة الدولة حينئذ هي الدعوة إلى الله، وجعل قيم الإسلام هي الغالبة على هذا المجتمع، وهو ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ إذ لم يتعجّل الهجرة للمدينة ليقيم دين الله فيها، بل بعث بمصعب بن عمير ليدعو إلى الله زمنًا ويهيّئ الأجواء هو والصحابة الكرام، حتى دخل الإسلام كلّ بيت في المدينة، وأصبح هو أمرها الغالب، رغم وجود اليهود والمشركين. ولم يدخل المدينة إلا عندما أصبحت الغلبة في مجتمعها لهذا الدين، فمشى فيها آمنًا مُطاعًا كما تقول الروايات: “..فنزل رسولُ اللهِ جانب الحرَّةِ، ثم بعث إلى الأنصارِ فجاؤوا إلى نبيِّ اللهِ وأبي بكرٍ فسلَّموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنَين مطاعَين. فركب نبيُّ اللهِ وأبو بكرٍ، وحفُّوا دونهما بالسلاحِ، فقيل في المدينةِ: جاء نبيُّ اللهِ، جاء نبيُّ اللهِ، فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبيُّ اللهِ، جاء نبيُّ اللهِ..” (صحيح البخاري).

—————————————————————————

[1]  للتفصيل في الشورى ودور الأمة في اختيار من يحكمها يُرجى مراجعة دراسة للكاتب بعنوان “التغلب والشورى والأمة، وشبهات المبطلين”.
[2]  بالطبع هذه المقولة غير دقيقة، راجع مقالنا “بين الديمقراطية والآليات الشرعية الإسلامية: الجزء الأول”، حيث فصّلت مصادر التلقّي في تحديد طبيعة النظام السياسي وشكله.
[3]  للتفصيل في كيفية اختيار الأمة للمثّليها ودورهم في النظام السياسي، راجع “بين الديمقراطية والآليات الشرعية الإسلامية: الجزء الثاني”.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*