أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / في مفتتح الوحي.. نحو نموذج إنساني رشيد

في مفتتح الوحي.. نحو نموذج إنساني رشيد

د. مجدي سعيد

Islamic_Wallpaper_Quran_001-1366x768كانت الآيات الواردة في أول سورة العلق “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”، هي الآيات التي افتتحت توالي نزول الوحي منجما على رسول الله بحسب الأحوال والمناسبات. وكما هو معلوم فإن آيات كتاب الله كما أنها تفهم في ضوء علوم اللغة العربية، فإنها تفهم أيضا في ضوء معارف وخبرات البشر والتي تراكمت عبر تاريخ البشرية على الأرض. ولأن كتاب الله لا يخلق على كثرة الرد، فقد تأملت في ظلال تلك الآيات (في سياق مجمل النص القرآني)، وفي ضوء ما طالعت وتعلمت، أن تلك الآيات صالحة لأن تكون هادية لأهل كل مجتمع محلي في وضع أسس تنمية محلية شاملة وهو ما سأقوم بطرحه هنا، راجيا ألا أكون قد جانبني الصواب.

في البداية دعونا نحلل ما تتضمنه تلك الآيات من عناصر:

القراءة بالمعنى الضيق والمعنى الواسع – القراءة باسم رب الناس ورب محمد وربنا جميعا على وجه التحديد – الله عز وجل بصفاته وأفعاله الربوبية – الخلق كفعل من أفعال الله، وبالتالي كمفعولات متجلية في مخلوقاته سبحانه – خلق الإنسان على وجه الخصوص – والعلق كمرحلة من مراحل ذلك الخلق – التأكيد على القراءة ثانية – التأكيد على صفة الربوبية – ذكر صفة الكرم في صيغة أفعل التفضيل (الأكرم)، العلم والتعلم والتعليم والقلم، ما يعلمه الإنسان كأفق رحب يسعى الإنسان فيه ولا يدرك نهايته.

عناصر التنمية المستوحاة إذا هي: عنصر الإيمان، عنصر العلم والتعلم، عنصر الطبيعة (الخلق)، عنصر الإنسان

تفاعل العناصر من أجل تنمية شاملة:

دعونا نتخيل مجتمعا محليا صغيرا، يعيش على بقعة من الأرض، كيف يمكنه أن يعيش في ظلال تلك الآيات “حياة طيبة” تحقق له سعادة مستدامة (ما بقي المجتمع مستمسكا بعناصر التنمية المذكورة).

لتحقيق الحياة الطيبة والسعادة المستدامة في ظلال الوحي، يحتاج الناس أول ما يحتاج إلى منظومة قيم تضبط حياته وحركته وعلاقاته في الحياة، وليس أفعل لذلك من الإيمان بالله بوجه عام كمصدر لكل قيمة فاضلة، نسبية من أسمائه وصفاته المطلقة، والإيمان بربوبية الله على وجه خاص، والتي نفهمها بإيجاز في ظل آية أخرى من الكتاب العزيز “قالا ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى”، والإيمان بربوبية الله هنا مرتبطة بالخلق والمخلوقات وخلق الإنسان ومرتبط بالقراءة في كل هذا “باسم الله” وهنا مدخل تربوي إيماني تفكري، يجعل من السير والنظر في خلق الله جميعا، أساسا لتحصيل الإيمان، وليس تلقين الآباء والمربين للإيمان كمحفوظات، ولكن بين الإنسان والمتكفل بخلقه ورزقه وتربيته، وهنا يترسخ الإيمان حبا وعشقا في الوجدان، ويترسخ الإيمان تفكرا وتدبرا في العقول، كمدخل لسلامة علاقة الإنسان مع كل ما حوله ومن حوله.

إذا وقفت في قضية الإيمان على الارتباط وجدانا وعقلا بما خلقه الله ورباه، وبنيت نظامك التربوي على أساس ذلك، استحققت أن تنطلق بعد ذلك إلى مقام القراءة والعلم والتعلم والتدوين والتوثيق وآفاقك الرحبة “ما لم تعلم”، ومن ثم تؤسس نظام تعليمك ونشاطك في الحياة على نظرتك إلى ذاتك وإلى عناصر الطبيعة من حولك على أساس من اشتراككما في المخلوقية والمربوبية من قبل الله تعالى بجلاله وجماله وكماله، ومن ثم تنطلق دراسة لكل ما يحيط بك مما يطلق عليه “خلق الله”: أرضا وسماءا، نباتا وحيوانا، وكل ما يحيط بك في مقر مجتمعك المحلي فهو مناط التسخير، والاستخلاف، والاستعمار، “باسم ربك” ، لا باسم شهواتك ومطامعك.

ولأن الإنسان هو المخاطب، وهو المخلوق، وهو المربوب، وهو المسخر له الأرض وما عليها باسم الله، وهو المستخلف عليها باسم الله، وهو المستعمر فيها باسم الله، اقتضى منه ذلك أن يبنى نظم نشاطه الاجتماعي والاقتصادي، على مشاركة كل فرد في المجتمع بدوره في كل ذلك وفق إيمانه وعلمه وتعلمه، ووفق تراكم خبراته ومعارفه عبر التدوين بالقلم، ووفق ما هدى الله إليه البشرية من الحكمة من الإصلاح في الأرض وعدم الإفساد في برها أو بحرها، ومن ثم يحقق استدامة النماء في أرضه.

ولأن الإنسان مخاطب هنا وفي القرآن عموما كفرد وأسرة ومجتمع، على نحو ما هو مفصل في الكتاب العزيز، ولأن الأصل في قيام الإنسان بواجبات الاستخلاف والاستعمار يقتضي حفظ تماسك المجتمع ومنع كل ما يتهدد سلامه الاجتماعي على نحو ما بينا في مقالات سابقة، فإن الإنسان مخاطب بالالتزام بكل ما يحقق ذلك والانتهاء عما يتهدده.

ولأن المجتمعات حيث هي قد توارثت نظما اجتماعية وعناصر ثقافية، فيها ما فيها من إيجابيات يبنى عليها، وسلبيات تعالج، يقتضي ذلك من أهل المجتمع دراسة الذات الفردية والمجتمعية والبناء على ما يمكن البناء عليه ومعالجة وإصلاح ما يحتاج إلى ذلك، ثم تأسيس علاقات ذلك المجتمع على مقتضى إيمانهم وتربيتهم وفق ما يرضي الله، رحمة وعدلا ومعروفا وفضلا إلى غير ذلك.

ولأن القراءة والعلم والتعلم يتراكم ويرتقي بالتدوين جاء ذكر القلم هنا، إشارة لكل أدوات توريث ومراكمة العلم عبر تدوين المعارف والتجارب والخبرات.

ولعمري لو أن ذلك المجتمع المذكور فعل منظومته الإيمانية والتربوية والعلمية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ودرس موارده الطبيعية والبشرية ونماها باسم الله، دون إفساد ودون وراكم علومه ومعارفه وتجاربه وخبراته، ثم نظر إلى مناط الحكمة في علوم ومعارف وتجارب وخبرات البشر فيمن حوله، عبر الجغرافيا والتاريخ، فإننا بصدد الحديث عن مدينة فاضلة، وعن نموذج إنساني يستحق التقليد والمحاكاة، وعن مناط دعوة لدين الله عبر تقديم النموذج العملي، لا عبر الكلام.

هذا مجمل خواطر تنموية في ظلال الآيات التي افتتح بها رب العزة الوحي، أسأل الله أن يكون ملهما لغيري كتابة وتنفيذا وتفعيلا على الأرض، فإن الإنسانية باتت في شوق وتشوق إلى نماذج بديلة تحقق لهم الحياة الطيبة والسعادة المستدامة.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*