أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / قراءة في كتاب: السلطة المذهبية لوائل حلاق

قراءة في كتاب: السلطة المذهبية لوائل حلاق

downloadقراءة في كتاب: السلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي

تأليف:  د. وائل حلاق

ترجمة: عباس عباس

مراجعة: د . فهد بن عبد الرحمن الحمودي

قراءة: طوسون البديري

الكتاب يعد حلقة من مشروع حفر فقهي  يعمل الكاتب من خلاله الاشتغال بالرد على الخطاب الاستشراقي وزعزعته بل وتقويضه وخصوصا بالشق الادعائي الهام، وهو أسطرة غلق أبواب الاجتهاد التي اشتغل عليها كثيرا الخطاب الاستشراقي طوال العقود الماضية، وهو بجانب ذلك إضافة للمكتبة الإسلامية نسعى من خلاله التعرف على جملة من الأسئلة الهامة بالنسبة  لنا، كيف كان يشتغل الخطاب الفقهي؟ وهل هو على درجة طبقة واحدة أم على عدة طبقات؟  كيف تأسست السلطة المذهبية وترسخت؟ ما حقيقة ادعاء الخطاب الاستشراقي بغلق أبواب الاجتهاد ؟ المصطلحات الإجرائية ودورها، ما مدى مديونية مؤسسي المذاهب للأسلاف والأحقين وكيف ساهم ذلك في ترسيخ المذاهب؟ وما مدى أهمية تكوين سلطة مذهبية؟ وعن التغير الفقهي وكيفيته؟ ومن المخولين بالقيام به؟

  • تعدد طبقات الفقهاء

بداية حاول الكاتب من خلال الاشتغال على ثلاثة نصوص للأئمة المالكي ابن رشد، والشافعي ابن الصلاح، والحنفي ابن كمال الوصول بنا إلى تأطير استيضاحي لطبقات الفقهاء أثبت من خلاله أن الفقهاء لم يكونوا على طبقة واحدة بل على عدة طبقات، ولكل طبقة خطابها الفقهي التي تشتغل عليه، ولكل خطاب أهميته “وقد بدأت العملية بالاجتهاد المطلق مرورا بالاجتهاد المقيد أكثر، نزولا إلى التخريج، ومن ثم إلى الترجيح، وأشكال أخرى من الفعالية التفسيرية” منها التصنيف (الفقيه-المصنف).

وهذه الدرجات الطبقية للخطابات الفقهي كان في مستطاع الفقيه أن يجمع بين أكثر من واحد منها، فبوسع المفتي أن يكون مقلدا ومصنفا ومجتهدا، والمصنف بوسعه أن يكون مقلدا ومجتهدا ومفتيا؛ فالأمر كان به فعالية كبيرة للغاية وليس كما المتصور أن الفقهاء كانوا على طبقة واحدة من العلم والخطاب.

  • سؤال التأسيس والترسيخ للبنى المذهبية

وبالانتقال إلى سؤال التأسيس والترسيخ للمذاهب والمدى الذي حظي به المؤسسين من الأسطرة، ومدى مديونيتهم للأسلاف واللاحقين لكي ترسخ مذاهبهم من مذاهب شخصية إلى مذاهب تأطيرية تنظيمية للعمل الفقهي بكليته لتكون مرجعا وإطارا مثاليا يعمل من خلاله الفقيه لتقرير الأحكام.

الافتراض السائد بخصوص مؤسسي المذاهب هو أنه ليس لأحد منهم أي دين من الأسلاف؛ فهم قاموا باستنباط الأحكام من الاشباك المباشر بالنصوص المقددسة، هذا الافتراض يشتغل عليه الكاتب لنقضه أو بمعنى أدق للتخفيف من حدته من خلال الاشتغال على المؤسسين محاولا التدليل على مدى مديونيتهم للأسلاف واللاحقين سنذكر منهم هنا النموذجان الأبرز.

النموذج الأول: أبي حنيفة فيورد الكاتب قولا لبعض فقهاء الحنفية مفصحا فيه مديونية الأمام أبي حنيفة للأسلاف فقالوا إن الفقه “غرسه عبدالله بن مسعود, وسقاه علقمة, وحصده إبراهيم النخعي, ودرسه حماد, وطحنه أبي حنيفة,  وخبزه محمد بن الحسن الشيباني, والمسلمون يغتذون بخبزه”.

ويدلل عمليا على ذلك بإيراد قول أبي حنيفة بنفس قول إبراهيم النخعي في مسألة ضريبة العشر، ولكن هذه المسائل وفي محاولة الأسطرة لمؤسسي المذاهب تم إلصاق جزء من عمل الاسلاف للمؤسسين على أنهم القائلين الأساسيين به فالسرخسي في مبسوطه أورد أن القائل الأساسي بضريبة العشر هو أبي حنيفة وليس النخعي.

النموذج الثاني: هو الإمام مالك هو نموذج أوضح من السابق بكثير؛ فموطأ مالك يورد فيه عديد المقاطع التي يقول بأنه لم يكن سوى ناقلا لهذه الآراء وهذا دليل جدي على مدى مديونيته للأسلاف، والمقاطع الواردة بالموطأ تشير إلى عرف واتفاق مجهول المرجع ولا تقرن باسم فقيه معين بحسب قول الكاتب، ولكن مع العصور اللاحقة للإمام تم إلصاق عديد هذه المقاطع للإمام مالك نفسه مباشرة دون ذكر أنه ناقل وليس بمستنبط مباشر من النصوص، وعلى أثر اشتغال الكاتب على موطأ مالك قام بعمل إحصائي كانت نتيجته “أن المجموعة الكاملة لآراء مالك الخاصة لابد أن تكون أقل بكثير من 39 بالمائة، وأن الحديث والمادة الفقهية اللذين نقلهما يشكلان أكثر بكثير من 61 بالمائة من محتويات الموطأ”.

وكذلك كان نفس الأمر مع الإمامين الشافعي وابن حنبل، وإن كان الأخير لم يكن له اهتمام كبير بالعمل الفقهي حسبما يورد الكاتب فلولا جهود أصحابه وتلامذته المضنية لما تشكل وترسخ المذهب الحنبلي فاهتمام ابن حنبل الأساسي كان الحديث.

والافتراض بالاجتهاد المطلق للمؤسسين بدون تقليد للأسلاف أو المديونية لهم واضح بأنه ساذج للغاية فالافتراض يورد وكأن المؤسسين لم يكن سالفا عليهم أطرا فقهية يعمل علي أساسها العمل التشريعي اليومي بالدولة الإسلامية إلى أن جاء المؤسسون وبدأوا ذلك فهم وكما يقول الكاتب: “لم ينشئوا مذاهبهم من فراغ فقهي – شرعي اجتماعي لأنهم مؤكد أنهم درسوا الشريعة على الأجيال السابقة”.

أما عن مدى مديونية المؤسسين للاحقين فكما أنه في إطار بناء المذاهب وترسيخها قام المتأخرون بفصل رموز المذاهب عن مساهمات أسلافهم الذين كانوا مدينين لهم فالمسار أيضا استلزم برأي الكاتب زيادة مرجعية المؤسسين خصوصا وأنه بتطورات الحياة لم تعد المرجعية المنسوبة للمؤسس كافية “لتلبية مقتضيات التطبيقات القضائية اللاحقة وعاجزة بمفردها عن إمداد المذهب برمته بأسباب الحياة الكافية” ولذلك كان طريقه “إسنادهم – أي المؤسسين –  بمباديء ربما لم يقولوا بها أبدا” وكانت أحد الطرق الهامة التي عن طريقها تم ذلك إلصاق عمل اللاحقين لأعمالهم  التي قاموا بها عن طريق التخريج – وهو “الاستنباط على أساس المباديء العامة” –  وذلك العزو تم تسويغه وفقًا للافتراض التالي بما أنه تم التوصل إلى هذه الآراء على أساس “منهجية الاستنباط الشرعي” التي بناها المؤسس، وأن المؤسس كان سيتوصل الى هذه الآراء بالذات لو أنه واجه مسائل مثلها،  فعملية عزو هذه الآراء للمؤسس حق له.

بعد ترسخ المرجعية المذهبية  برز التمذهب العقيدي والشخصي وهذا أمر طبيعي جدا ولكن هذا لا يعني في شيء أن باب الاجتهاد قد أغلق كما يحلو للخطاب الاستشراقي الادعاء، أينعم أنه تم التصدي لمحاولات بروز مذاهب جديدة وأصبحت المذاهب بنهايات القرن الرابع بنى رسمية راسخة ولكن الاجتهاد انتقل إلى طور جديد بعد ترسخ هذه البنى الرسمية للمذاهب وبإمكاننا من خلال استقراءنا لعمل الكاتب أن نقسم الاجتهاد على طورين:

  1. الطور الأول: طور الاجتهاد التأسيسي وهو طور يمتد من القرن الأول الهجري إلى بدايات القرن الخامس الهجري وهو طور تميز  بدينامكية فقهية اجتهادية سعت إلى تأسيس نظام اجتماعي جديد بكافة المجالات، وبعد محاولات من التفاعل ومن الإثبات والمحو والإضافة والإلغاء وصلنا إلى نهايات القرن الرابع وبدايات القرن الخامس لنظام اجتماعي وثقافي أرست بنياته تماما، وأصبح هناك نظام وإطار عام تتحرك من خلاله الحياة الإسلامية اجتماعيا وثقافيا وهنا كانت نهاية فترة الدينامكية الأولى وفيها تم مثلا إرساء المذاهب الأربعة.
  2. الطور الثاني: وفيه يتم الادعاء بغلق باب الاجتهاد وهي فكرة غير صحيحة فالاجتهاد لم يخفت أو ينتهي بل انتقل من طور إلى طور آخر من طور الاجتهاد التأسيس إلى طور الاجتهاد داخل إطار ونظام تم تأسيسه بالمرحلة الدينامكية الأولي وأصبح واقعا فعليا ومحل رضا وقبول الجميع؛ ففيه نضجت قواعد ونظريات فقهية لم تكن موجودة بالفترة الأولى وهي قواعد واجتهادات لا نستطيع أن نقرأها مفصولة عن المرحلة الفقهية الأولى فالشاطبي ومقاصده، وابن عابدين واشتغاله على قضية العرف للارتقاء به إلى مصاف المصادر التشريعية الرسمية والأساسية، وهو واقع فى فترة ما يسمى بغلق باب الاجتهاد أنتج فكرة المقاصد والذى عمل العقل النهضوي بالعصر الحديث على استغلالها ومحور جزء مشاريعه الأصلاحية وفق تلك الأفكار، من هنا لا نستطيع أن نقول بأن باب الاجتهاد قد أغلق ولكن نقول أنه انتقل من طور إلى طور آخر.

وعن مدى أهمية ترسخ هذه البنى المذهبية يقول: “بأنه لو قيض للاجتهاد أن يسير بالطريقة المطلقة ذاتها في ظل غياب التقليد، لما كانت هناك في هذه الحال أية مذاهب بل حشد غفير من المجتهدين المستقلين” بل وكان الأمر سيتسبب الأمر في فوضى تشريعية عارمة لا حد لها ولا ضابط مرجعي لها.

  • المصطلحات الإجرائية ودورها

المذهب بعد ترسخه أصبح يساوي المجموع الكلي لآراء المؤسس ومبادءه الواقعية ومنهجيته الشرعية (سواء أكان كل ذلك للمؤسس فعلا أو منسوبا إليه) ومع  ترسخ البنى المذهبية كان هناك حد لا حصر له من الآراء الفقهية  وذلك لأن “النظرية الشرعية قامت بالأساس على المقدمة المنطقية القائلة أن فعالية اكتشاف القانون كانت تأويلية خالصة وفردانية تماما” وهذه الثروة الفقهية  اشتغل عليها فقهاء المذاهب  في محاولات للتنقيح  للوصول إلى أفضل الآراء الصحيحة ما أمكن ذلك لتطبيقها واستخدامها بالإفتاء اليومي، من هذه المصطلحات والخطابات الفقهية التي ظهرت في الأفق الفقهي في محاولة للوصول إلى الآراء الصحيحة كان مصطلح الترجيح أو التصحيح وهو عمل يجوز فقط “في التعامل مع المسائل الاحتمالية التي لا تقوم على شاهد نصي ينظر إلى دلالته اللغوية وأساليب نقله على أنها أكيدة”.

وعملية الترجيح أو التصحيح تم وضع معايير محددة بمجال الحديث والقياس وامتنع ورود معايير ترجيحية في مجال ورود النص القرآني لأنه قطعي الورود، وعلى أساس هذه المعايير كان يتم تصحيح الآراء للوصول الى أصح الآراء هذا بالنسبة للمذاهب الثلاث (الحنفي-الشافعي-الحنبلي) والتي كانت مهمته الأساسية إخضاع المشهور للتصحيح فالمرجعية النهائية لم تكن تأخذ من الآراء المشهورة ولكن من الآراء التي تم إخضاعها لعملية التصحيح وهذا عكس ما ذهب إليه المالكية القليلة الاعتماد على التصحيح حيث كانت تعمل من خلاله على تشهير الصحيح.

أهمية الخطاب الفقهي القائم على الترجيح ليس فقط أنه وسيلة للوصول للآراء الصحيحة بل أيضا دليل قوي على حيوية العملية التشريعية والفقهية وذلك أنه في عملية التصحيح والترجيح كانت أحد أهم الاعتبارات التي فيها يصحح أو يرجح رأي مبدئي “الحاجة والضرورة الاجتماعيتان بوصفهما أساسين للتصحيح وهما بالفعل يذكر أن كأساسين للتخلي عن رأي صحيح لولا ذلك لصالح رأي آخر يصبح على هذه الأسس نفسها هو الصحيح “وهو في إطار ذلك يورد قولا للحنفي المتأخر ابن عابدين ذكره في مؤلفه شرح المنظومة يقول فيه “ليس كل (رأي) صحيح يفتى به لكون غيره أوفق؛ لتغيير الزمان وللضرورة ونحو ذلك. فما فيه لفظ الفتوى يتضمن شيئين: أحدهما: الأذن بالفتوى به، والآخر: صحته؛ لأن الإفتاء به تصحيح له، بخلاف ما فيه لفظ الصحيح أو الأصح مثلا”.

من المصطلحات الفنية الأخرى والتي وجدت لها منفذ بالأفق الفقهي  مصطلح الظاهر وهو في العملية التشريعية والإفتائية كان يعني “الرأي الأقوى أو الأبرز بين رأيين أو أكثر”، أيضا مصطلحات (أوجه وأشبه وأصوب، يفتى به، وبه يعمل) والمصطلحات الإجرائية حدث بها تطور استجابة لتعدد القواعد الشرعية والتباسها، فغاية تلك المصطلحات الإجرائية تحديد الرأي المرجعي في قضية ما مطروحة.

  • التغير الفقهي والقائمين به وإشكالية العرف

ينتقل الكاتب بالفصل الأخير للحديث عن التغير الفقهي أهميته، وكيفيته، ومن المخولين بالقيام بذلك؟ يبتدأ كلامه بالتأكيد على أن التغير الفقهي نابع بالأساس من وعي الفقهاء المسلمين الدقيق بحدوث التغير القانوني وبالحاجة إليه وعبر عن ذلك بالقول المأثور: تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، ودعنا نضيف تغير الحال أيضا حال الفقيه ذاته وضح ذلك الكاتب بإحدى مقالاته من خلال نموذج الغزالي.

في الحديث عن التغير الفقهي يوضح أن هناك أربعة أدوار شرعية سادت الأفق الإسلامي الفقهي (القاضي، الاستاذ، المفتي، الفقيه المصنف)، وهي أدوار قد يجمع الفقيه بين أكثر من دور منهم فقد يجمع  الفقيه بين دورين أو أكثر من هذه الأدوار الشرعية، ولكن ليس كل الأدوار قابلة لإحداث التغير الفقهي فلنتناول سويا شرحا مبسطا عن وظائف الأدوار الشرعية الأربعة ومن هم المخولون بإحداث التغير الفقهي:

  1. القاضي: في فترة ما بعد التكوين – أو ما نسميه ما بعد فترة الاجتهاد التأسيس – كان ذات أهمية هامشية بالتغير الفقهي فوظيفته تنحصر بالأساس في نطاق الاستماع للقضايا والبت فيها بإصدار حكم يستند فيه إلى رأي مفتي أو إلى رأي موثوق داخل مذهبه وبعد إصدار الحكم يتم تسجيله في ديوان القضاء فلم تكن من مسؤولياته مثلا: الانصراف عن صحيح الرأي آراء أضعف أو الارتقاء برأي ضعيف إلى مصاف الآراء الصحيحة.
  2. أستاذ الفقه: عمله تعليم طلابه الفقه أو كتابة أعمال تفيدهم في دراستهم ولكن صياغة التغير الفقهي لم تكن جزءا من دوره كمدرس.
  3. المفتي: أهميته نابعة من أن رأيه في الواقعة المحددة ليست رأي فقهي عابر بل تعتبر بمثابة بيان تشريعي رسمي يتجاوز حدود الواقعة المحددة المنظورة أمامه، ولأهمية ذلك الأمر كان تحفظ تلك الفتاوى في ديوان القاضي لكي تكون مرجعا هاما يستند إليه القاضي عن البت في القضايا المنظورة أمامه، كما أنها كانت تدمج أيضا بكتب المسائل الفقهية (الفروع) وهي كتب تعد أعلى مرجعية شرعية للفقيه لأنها تمثل المذهب الفقهي المعياري للمدارس وتزود الفقيه بتغطية شاملة لأحكام الشريعة الأساسية، ولأهمية دور المفتي كان ثمة اشتراطا جوهريا على القاضي اتباعه وهو ضرورة استفتاء المفتي في الوقائع المنظورة أمامه لمساعدته في البت فيها وذلك لأن المفتي كان يعتبر هو الخبير النهائي في مجال الفقه والفتوى كانت تتم وفق قواعد ومباديء المذهب عبر استخدام المصطلحات الإجرائي كالترجيح والتصحيح والتشهير، وبتحليل الفتاوى يشير الكاتب أن تلك الفتاوى كانت معبرة ومستجيبة لمقتضيات الحياة وتطوراتها الاجتماعية وللفتاوى ملمح مميز منذ نهاية القرن الأول وهو عدم إصدار فتوى لأي مشكلة لم تحدث بعد في الواقع الفعلي.
  4. الفقيه-المصنف: دوره أنه مؤهل لتحديد أيا من الآراء والفتاوى تستحق الإدراج بكتاب الفروع فهو يسعى لإدراج الآراء الموثوقة للمذهب، والتصنيف يعتبر فعالية فقهية وعدم اشتغال الفقيع به كان يعد نقصا فيه ويدلل على ذلك بزين الدين الخزرجي الذي لم يتتلمذ على يديه أيا من التلاميذ النجباء لإخفاقه في كتابة أو تصنيف أي شيء مميز، ما يميز الفقيه-المصنف هو أنه كان أمامه حالة غنى وثراء تشريعي كبير تعطيه فرصة استخدام وصياغة وإعادة إنتاج الموروث ومرجعيته.

وفي إطار الحديث عن التغير الفقهي يتحدث الكاتب عن  أشكال التواصل المكتوب بين القضاة المسمى بأدب القاضي كدليل على حيوي العملية التشريعية داخل الدولة الإسلامية المتسمة بالحركية والاتساع الجغرافي.

نصل ختاما إلى إثارته لقضية العرف ومحاولات بعض من الحنفية المتأخرين الارتقاء به إلى مصاف مصادر التشريع الأساسية، الإشكالية التي قابلت هؤلاء برأي الكاتب وهو: “أن نزعة العرف عملت بالأساس من خلال وتحت عباءة المصادر الرسمية الأخرى مثل: الاستحسان والإجماع” فحاول الحنفي المتأخر ابن نجيم إيجاد صلة بين الفقه وأصوله من جهة والعرف من جهة أخرى وخصص في كتابه الأشباه والنظائر فصلا للعرف “العادة محكمة”، ولكن ابن نجيم لم يوفق بمحاولاته لأنه ارتكن إلى حديث نبوي ضعيف “ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله  حسن” والرفض نابع من أنك لكي تثبت أن هناك عنصرا كالعرف يجب أن يكون في مصاف المصادر الرئيسية للتشريع تحتاج إلى نص قطعي من أجل ذلك فالأمر السائد هو أن الأعراف لا تنتج أحكاما شرعية معيارية وعامة بل أحكام خاصة واستثنائية.

ينتقل الكاتب في الأخير عن تجربة ابن عابدين – بأوائل القرن التاسع عشر وقبل ظهور عصر التنظيمات العثماني –  ومحاولاته للارتقاء بالعرف لمصاف المصادر التشريعية الرسمية ولكن المشكلة ما زالت هي هي وأنه بحاجة لنص قطعي لزحزحة العرف والارتقاء به فالأمر السائد هو أن صريح النص مقدما على ما عداه بما فيهم العرف، في هذه الحالة والتي وجد فيها ابن عابدين المنافذ مسدودة أمامه في الحصول على نص قطعي لجأ ابن عابدين لواقع الممارسات العملي ليستنتج أمرا هاما وهو أن مخالفة المتأخرين من الفقهاء لأئمتهم كان سببه الأساس اختلاف العادات من زمان لآخر ومن مكان لآخر لا وبل لديه افتراض قائم على أن الأئمة لو عاشوا زمن غير زمانهم أو تواجدوا في أماكن غير أماكنهم لكانوا تبنوا آراء غير تلك التي تبنوها ولذلك هو يقرر”أن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله وإلا يضيع حقوقا كثيرة ويكون ضرره أعظم من نفعه”.

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*