أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / فلسفة الدين في المجال التداولي الغربي

فلسفة الدين في المجال التداولي الغربي

بقلم: عثمان أمكور

من المعروف أن العلاقة التي جمعت بين الدين والفلسفة  عرفت صور وأنماط متعددة، كانت تلك الصور في غالب الأحيان تغلب عليها علاقة الهيمنة؛ هيمنة أحد الأطراف على الاخر؛ وخاصة علاقة الدين المسيحي مع الفلسفة؛ وذلك لعدت أسباب من بينها كون الدين في التصور المسيحي قائم أساسا على الإيمان والطمأنينة  متمركز  أساسا على الجواب اليقيني  الذي يتجاهل العقل ويتجاوزه “أطفئ مصباح عقلك واتبعني” (1)، على عكس الفلسفة التي عُرفت بكون أنها قائمة أساسا على مركزية السؤال والبحث عن الدهشة وإدمان التأمل ومداومة الاستفهام  محاولة بذلك  الانتقال من  رؤية تحوم حول جزئيات الوجود إلى صناعة نظرة كلية له، هذه النظرة الشاملة والكلية نجدها مترسخة حتى في المتون الفلسفية القديمة؛ فأفلاطون مثلا يرى   أن الفلسفة هي التي ترمي إلى الحكمة الكلية  (2)، ولذلك لا نستغرب ما أفرزته لنا بعض المحاولات الهادفة إلى  التفلسف في الدين، جاعلة من الدين موضوعاً لقيام الدرس الفلسفي  الساعي لمعرفة طبيعة الدين ومعرفة ماهيته؛  هذه النظرة الفلسفية للدين ساهمت في بناء رؤية نقدية للميراث الديني، هذه النظرة التي تطورت بدورها  حتى اتخذت ظاهرياً شكل القطيعة؛ حيث لم ينحصر دورها في المراجعات النقدية والمعرفية للمفاهيم الدينية، بل تجاوزته لاتخاذ موقف سلبي من الدين نفسه؛ حيث انتقل  الخطاب الناقد للتصور اللاهوتي من الإيمان بالله ومناقشة الممارسات الدينية  والمذاهب إلى محاولة  نفي اللاهوت  نفسه   ملغيا بذلك إمكانية وجود الدين أساسا، أو صناعة أديان ما بعد الدين  (3)، وذلك باعتبار الدين  ليس سوى حالة تعرف سيولة في الميثوس  غير قادر أو مؤهل على مواجهة  اللغوس/العقل، ولذلك كان البديل بالنسبة للذين أنكروا الدين متوسلاً أساسا بالعلم و “المنهج التجريبي”؛ في محاولة لجعل التفسير العلمي يقدم رؤية شمولية وتفسيرية للكون بدل النظر  في الرؤية التفسيرية الشمولية التي يقدمها الدين في تفسيره للكون،  غير أن المحاولات الجذرية في نفي الاعتقاد الديني التي تزعمها كل من ماركس ونيتش وكونت لم تستطع الغاء الرؤية الدينية للكون، بل انتهى هذا المسار الراديكالي إلى عدمية صارخة، أعربت عن وجود أزمة في المعنى، فليس غريباً أن تنتهى دعوة نيتش حينما ادعى  “موت الاله ” إلى موت الإنسان (فوكو) بل موت إنسانية الإنسان نفسها  وإقحامه في حالة مفرغة من القيم والمعنى.

غير أن هذه العلاقة التي جمعت بين الفلسفة والدين في المجال التداولي الغربي لم تقف عند هذه القطيعة المعلنة عن موت الإله؛ بل على العكس تماما؛ حيث أننا نشهد اليوم عملية إحياء  للبراهين اللاهوتية القديمة  بالأدوات الفلسفية الحديثة، بالإضافة إلى الانفتاح  على النظريات التأويلية  المتوسلة بأدوات الفينمولوجيا، كل هذا أكد  حضور سؤال الدين في الفلسفة في المجال التداولي الغربي؛ ولذلك لا نستغرب  موقف   الفيلسوف  هابرماس من الدين، حينما  يدعوا إلى ضرورة  لعب الدين دورا واسعاً في المجال العالم، وذلك لادراكه المعنى العقلاني للتراث اللاهوتي، وقد يبدوا لنا من الوهلة الأولى  أن موقف الفلسفة الغربية انتقل من رغبة لإحداث قطيعة مع الدين (نيتش) إلى تصور يدعوا لزرع  الدين في المجال العام وإتاحة الفرصة له، غير أن الحقيقة غير ذلك تماما حيث إن الدين الذي يدعوا إليه هابرماس ويبشر بضرورة تواجده في المجال العام، ليس هو نفسه الدين الذي نفر منه نيتش وأوصله الى إعلان موت الإله؛ حيث أن الدين في التصور الغربي عرف عمليات متراكبة ساهمت في عقلنته وإخراجه  من حالة ركوده إلى حالات تخدم صالح الفضاء العام .

هذا فيما يخص الدين في مجاله التداولي الغربي، ولكن يبقى السؤال هل الدين في المجال التداولي الإسلامي  يحتاج إلى نفس تلك العمليات من العقلنة التي عرفها الدين عند الغرب؟ هل الدين الإسلامي دين مؤهل للتعامل مع الفلسفة؟ أو أن الفلسفة مؤهلة للتعامل مع الدين الاسلامي؟ وإن كان كذلك أي علاقة تربط الدين الإسلامي بالفلسفة؟ كل هذه الأسئلة وأكثر تجد لنفسها مشروعية في هذا السياق، كل هذه الأسئلة تدفعنا للحذر قبل أن نبشر بوجوب إعطاء الدين مساحة أكبر في الفضاء العام أو إقصائه؛ حيث أن هذا الحكم يجب أن لا يسبق الإجابات عن تلك الأسئلة المحورية الكفيلة في تحديد العلاقة الرابطة بين الدين والفلسفة.

____

(1) : من المقولات المنسوبة للسيد المسيح عليه السلام في المتن المسيحي
(2) : انظر كتاب الجمهمورية لأفلاطون ترجمة فؤاد زكرياء

Luc FERRY ,le religieux après La religion : (3)

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*