أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مختارات / الدماغ يتعلم..

الدماغ يتعلم..

حميد بن خيبش                                         

68c0eeb3056f0a46f77f51a765730f4bلم يخل مسار الفكر البشري من إشارات دالة بشأن قابلية الدماغ للنمو والتعديل والإثراء, وإن ظلت هذه الإشارات حبيسة التخمين والحدس الذي تعوزه وسائل التحقق المخبري. لقد دافع سقراط عن فكرة أن الإنسان يمكنه أن يدرب عقله كما يدرب الرياضي عضلاته, وهو ينطلق من التصور السائد لدى الإغريق آنذاك بأن الطبيعة كائن حي ضخم.

وفي سنة 1762 تصدى الفيلسوف السويسري جان جاك روسو للنزعة الميكانيكية التي اعتبرت أجهزتنا العصبية آلات رائعة تقوم بوظائف استثنائية لكنها غير قابلة للتغيير أو الاستبدال, وتمسك بمقولة أن الطبيعة حية وتتغير مع الزمن, وأن بالإمكان تمرين حواسنا وقدراتنا العقلية, تماما كما نفعل بالنسبة لعضلاتنا: “ينبغي علينا أن نعنى برياضة جميع الحواس التي توجه قوانا وتهديها, ويجب أن نستخلص من كل حاسة من حواسنا أقصى ما تستطيعه, ثم نُقوّم تأثير كل حاسة في الحواس الأخرى. ولا ينبغي أن نستخدم قوة من قوانا من غير حساب دقيق للمقاومة وللمجهود, وليكن رائدنا أن يسبق تقدير الأثر استخدام الوسيلة”(1). غير أن العلماء, متأثرين باكتشافات غاليليو (1642-1564), سيعممون تصوره بشأن القوى الميكانيكية التي تحرك الكواكب على الطبيعة والكائنات الحية, بل حتى على أعضائنا الجسدية. وعلى امتداد حقبة طويلة ستصبح العدمية العصبية مقاربة وحيدة لعمل الدماغ والجهاز العصبي, وسيردد التلاميذ حتى أوائل الستينات أن رحلة الدماغ من الميلاد إلى الوفاة تتلخص في فقدانه يوميا لمائة ألف خلية عصبية غير قابلة للتعويض أو الاستبدال, وأن الذكاء محدد منذ الولادة ولا سبيل لتعديله خلال مراحل الحياة!

في عام 1964 نشر فريق من الباحثين (دياموند- كريش- روزينفيج) نتائج أبحاث مضنية على القشرة المخية للفئران تحت عنوان “أثر البيئة الإثرائية على بناء أنسجة القشرة المخية” وشكلت هذه النتائج المبنية على أساس تشريحي قفزة نوعية في التفكير العلمي حول الدماغ, إذ بدا للكثيرين أن مقولة الطبيعة اللدنية للدماغ وقابليته للنمو والتعديل تصمد اليوم أمام العلم, وتدعمها متتالية من الأبحاث الفسيولوجية حول إمكانية علاج المشاكل الدماغية وتعويض أجزائه المتلفة! إن الدماغ لم يعد مجرد حاسوب عالي الكفاءة يؤدي كل جزء منه مهمة غير قابلة للاستبدال, بل هو كائن حي ينمو ويتكيف مع خبرات البيئة. من هذا المنطلق أصبح حل مشاكل التعلم وتطويرالقدرات والمهارات مرتبطا بسبر أغوار الدماغ البشري, وتسليط الضوء على الأسس الجينية التي تحكم وظائف الذهن المعرفية.

في كتابها (العقل وأشجاره السحرية) تقدم رائدة علم التشريح العصبي, الدكتورة ماريان دياموند رؤية مختلفة وإيجابية عن الإمكانات غيرالمحدودة للدماغ, وعن خاصية التغير المستمر التي يتمتع بها والتي تتشكل بفعل خبرات الطفولة وتستمر حتى الوفاة, خلافا للمزاعم السائدة حول دماغ يوصد أبوابه في سن معينة! تقول دياموند “إن المخ الطبيعي يستطيع أن يمتص كل أنواع المعلومات, ويستطيع أن يكتسب كل أنواع المهارات والخبرات في كل الأعمار. إذا كانت هذه هي القاعدة فإن لها بعض الاستثناءات, فمن يبدأ تعلم التنس في السابعة والثلاثين سوف يبذل جهدا أكبر مما لو كان بدأه في السابعة.. ولكننا نرى جميعا زملاء وأقارب بدأوا ممارسة هوايات جديدة أو وظائف مختلفة أو لغات جديدة أو رياضات جديدة في سن الرشد و تميزوا فيها. فالمخ لا يغلق أبوابه أوتمتليء جعبته, وأن ما يقال بأن الإمكانات تفقد صلاحيتها في سن معينة, فاللغة التي لم تكتسب في سن الثامنة لا يمكن أن تكتسب بعد ذلك والموهبة الفنية إذا لم تظهر في سن الثانية عشرة فلن تظهر… كل هذا غير صحيح, بل إنه يثبط العزائم ويهدد الطاقات البشرية. إن من يتأخر ظهور إمكاناته قد لا يصل إلى الذروة, ولكن هل يصل كل من تظهر إمكاناته في الطفولة إلى الذروة؟ المهم هو أن يستمتع الإنسان بما لديه من إمكانات, ويحقق ما لديه من طاقات لأقصى ما يستطيع”(2).

كيف يسترد الدماغ قدراته على التعلم والفهم والتذكر؟

إنه السؤال الذي توقف عنده عدد من رواد الفسيولوجيا العصبية في سعيهم لعلاج بعض حالات التلف الدماغي و العجز التعلمي. وخلال رحلة مضنية من التجارب على الجرذان و فحوص ما بعد الوفاة سيتضح الطريق الملكي لأحد الاكتشافات المذهلة في تاريخ البشرية: إن الآلية العقلية للدماغ يمكن تحسينها و تغييرها لزيادة قدراته على التعلم, لذا حين تكون الاستثارة مناسبة فإن حرب أعصاب تجري داخل الدماغ لاستعادة حيز خريطة دماغية للمهارة المراد تعلمها. لا شك أن هناك تحديات  تُطرح بشأن وتيرة التعلم التي تزداد صعوبة مع التقدم في السن, فتعلم لغة جديدة يبدو أيسر لدى الطفل منه لدى الراشدين, لكن الأمر يعود إلى الطبيعة الديناميكية للخرائط الدماغية, وتنافسها المحتدم حول وعاء عقاري اسمه “القشرة الدماغية ” عملا بمبدأ (استعمله أو اخسره). ومما خلص إليه الدكتور مايكل ميرزنيتش, أحد ألمع الباحثين في حقل لدونة الدماغ, أن التوقف عن تدريب المهارات العقلية بواسطة التعلم و الممارسة يمنح الخرائط النشطة فرصة الاستحواذ على حيز إضافي من العقار القشري. فالاستخدام المتزايد, على سبيل المثال, للغتنا الأم يجعلها تهيمن على حيز خريطتنا اللغوية مما يضفي على تعلم لغة جديدة طابع الصراع على مستوى القشرة الدماغية لإنهاء طغيان اللغة الأم, وهو الأمر الذي لا يحدث عادة عندما يتم تعلم لغتين معا في مرحلة الطفولة, لأن اللغتين معا تتشاركان في خريطة لغوية واحدة. نفس الشيء يحدث حين نحاول الإقلاع عن عادة سيئة أو نسيانها, فطول أمد تكرارها يُحكم سيطرتها على تلك الخريطة ويمنع استعمال حيز للعادة الجيدة. لهذا يبدو النسيان أصعب من التعلم مما يؤكد أفضلية تلقي العادات الجيدة وتعلم الأشياء بشكل صحيح في الصغر قبل أن تحظى العادات السيئة بميزة تنافسية!(3)

لا شك أن الخطوات المتقدمة في كشف إمكانات الدماغ قد أحدثت انقلابا في تصور العملية التعليمية التعلمية, وهيأت للمربين ممرا سحريا لتحسين القدرات والمهارات, والتصدي بإيجابية لصعوبات التعلم. تعرض ماريان دياموند في ثنايا كتابها لمبادرة الطبيب الأمريكي رين فون دي كار لابتكار تدريبات خاصة بتدريس الجنين قبل الميلاد تتخذ من دراسات الدماغ أساسا لها. فالتفاوت المهول بين الطبقات في المجتمع الأمريكي ينذر بعواقب خطيرة على استقراره, والأبحاث التي أجريت حول الدماغ تتيح تكنيكات هائلة لتقليص هذه الفجوة عبر الرفع من ذكاء الأجنة بمقدار 10 إلى 15 نقطة. إن كل ما علينا أن نعمله, يقول دي كار, هو أن نعلم أطفالنا الرضع الانتباه من خلال تنبيههم وهم أجنة في بطون أمهاتهم, وسوف يقومون بكل المهام اللاحقة. فكل ما نتحدث عنه هو تنبيه ذاتي المصدر لا يتطلب مصاريف باهظة, فأي شخص يتكلم أي لغة ولا يحتاج لتجهيزات ليقوم بالتدريبات في منزله يستطيع أن يرفع من ذكاء وليده.(4)

وتصدى الدكتور ميرزنيتش للانحدار المعرفي المرتبط بالتقدم في السن, حين تبدأ معالجة الجهاز العصبي للأحداث والمعطيات بالتباطؤ, فطوّر بمعية ستة وثلاثين عالما سلسة من البرامج وتمارين الاستماع وألعاب كومبيوتر تزيد سرعة المعالجة, وتسترجع المهارات اللغوية وقدرات حل المسائل. غير أن أهم ما يُستفاد من قائمة تداريبه هو كون حيوية الدماغ مرتبطة بتعلم شيء جديد لا بإعادة استعمال المهارات المكتسبة. فنشاط مثل القراءة أواستدعاء قدرات متقنة لا يشغل منهجيا أنظمة الدماغ التي تبقيه في حالة جيدة وتحفظ سجل الذكريات, بل ينبغي تعلم لغة جديدة والتدرب على مهارات تتطلب التحدي بشكل مستمر.

ومن بين الحقائق الأكثر إثارة برأيي والتي خلصت إليها بحوث الدماغ, ولم تستوعبها للأسف منظومتنا التعليمية بعد, هي أن الفروقات بين الجنسين, وإن كانت تغذيها المواقف والخبرات الاجتماعية, إلا أن ما ما يتحكم فيها, في المقام الأول, هو الاختلافات البنيوية والوظيفية على مستوى الدماغ, وبالتالي فإن المساواة الحقيقية ستحدث حين يعاد بناء تصوراتنا وأساليبنا التعليمية وفق ما تقتضيه هذه الفروقات.

بعد أن يعرض لقوائم تفصيلية حول فئات الاختلاف بين الجنسين, والتي تبدو برأيه أساسية في استراتيجية التعلم, يحدد مايكل غوريان عشرة مجالات استطاع البحث المرتكز على الدماغ من تحديد اختلاف أسلوب التعلم فيها بين الصبية والفتيات. ويبدو الوقوف ولو بإيجاز على هذه الفروق في المواقف التعليمية  كفيلا بأن يستحث المعلمين على مراجعة بعض تمثلاتهم وأدائهم داخل الفصل:

     ـ يميل الصبية إلى الاستنتاج من مبدأ عام ثم تطبيقه, وإلى القيام بالمنطق الاستدلالي الاستنتاجي أسرع من الفتيات مما يجعلهم يبلون بشكل أفضل منهن في الاختبارات المتعددة الخيارات. بينما تفضل الفتيات التفكير الاستقرائي الذي ينطلق من أمثلة ملموسة كأساس لتشكيل المفاهيم, لذا فهن الأقدر في المرحلة الأولى من عملية تكوين المفهوم على بناء النظرية العامة بدءا من أمثلة معينة.

     ـ يتفاعل الصبية على نحو أفضل في المواقف التعليمية التي تعتمد الاستدلال المجرد, ففي حصة للرياضيات يتمكنون من حساب شيء تتعذر رؤيته أولمسه, لكن في حالة استخدام الأشياء اليدوية والأغراض المدركة بالحواس, أي حين يُنتزع النشاط التعليمي من السبورة ويوضع في عالم محسوس زاخر بالإشارات والدلالات فإن دماغ الأنثى يتفاعل بشكل أسرع و أسهل.

     ـ فيما يتعلق باللغة فإن الإناث في مجموعات التعلم يستخدمن الكلمات أكثر من الذكور, فهن يفضلن تكوين فكرة عن الأشياء بلغة بسيطة يومية ومكتظة بالتفاصيل, بينما غالبا ما يجد الصبية اللغة الاصطلاحية المشفرة أكثر متعة وهذا ما يفسر ميلهم إلى تضمين عملية إدراكهم الخاصة شيفرات ورموز من أجل التواصل.

     ـ الفتيات مستمعات جيدات ومتلقيات بشكل أفضل للتفاصيل الكثيرة في درس أو محادثة, في حين ينصت الصبية بمقدار أقل وغالبا ما يطلبون برهانا و بينة واضحة تدعم ما يلقيه المعلم.

     ـ يبدي الصبية احتمالا قويا للشعور بالسأم عكس الفتيات, مما يستلزم تنويع المحفزات لإبقائهم منتبهين. ولأمر كهذا أثر كبير على سيرورة التعلم داخل الفصل لأن التعبير عن السأم لا يتوقف فقط عند الإعراض عن التعلم بل يمتد إلى إحداث الفوضى, فيُصنف الصبي على أنه يعاني من مشكلة سلوكية!

     ـ ينزع الصبية إلى احتلال مساحة مكانية أكبر من تلك التي تشغلها الفتاة أثناء تعلمهم وخاصة في الأعمار الصغيرة, لذا حين يتم وضع صبي وفتاة على طاولة واحدة فإن بعض المدرسين يظنون أن الأولاد غير مهذبين وخارجين عن السيطرة, لكن الحقيقة هي أنهم يتصرفون وفقا للطريقة التي تتعلم بها أدمغتهم المكانية.

     ـ لا تحتاج الفتيات إلى الحركة كثيرا أثناء التعلم في حين تساعد الحركة الصبيان على تحفيز أدمغتهم وإدارة السلوك المندفع. إن تكليف صبي لا يتوقف عن الحركة ببعض المهام داخل الفصل, أوالسماح له بالعبث بكرة صغيرة بين أصابعه أثناء التعلم سيكون مفيدا لتحفيز دماغه وشعوره بالراحة وتفادي إزعاج الآخرين!

     ـ تتقن الفتيات التعلم التعاوني نظرا لاهتمامهن بنظم التفاعل الاجتماعي على نحو أفضل مما يفعل الصبية. إنهن يبدين دوما قدرا من الحساسية إزاء مشاعر الآخرين من حولهن في الوقت الذي ينشغل الصبي بأداء المهمة على نحو جيد.

     ـ الصبية أكثر ميلا للنصوص الرمزية والمخططات والرسوم البيانية خاصة في مراحل الدراسة العليا, في حين تفضل الفتيات النصوص المكتوبة. إن ما يثير الصبي أثناء تناول نص قرائي في الفصل هو نماذج الكاتب الرمزية والمجازية, بينما تطيل الفتاة التفكير بالأعمال العاطفية للشخصية.

     ـ في العمل الجماعي يميل الصبية إلى تشكيل فرق منظمة بينما تشكل الفتيات تنظيمات مفككة, ويقضي الصبية وقتا أقل مما تفعل الفتيات في إدارة عمليات الفريق والاختيار السريع للقيادة والتركيز الفوري على الاتجاه نحو الهدف.(5)

إن هذه التباينات التي يجدر استيعابها لخلق صف دراسي أمثل لا ينبغي أن تحجب عنا حقيقة أنها ميول فقط وليست فروقا حتمية, وأن الاستثناء حاضر وبقوة في تبادل المواقع بين الجنسين, كما أن للعوامل النفسية والخبرات الاجتماعية تأثيرها الواضح على سيرورة التعلم. إن من ضمن ما تطمح إليه البحوث المرتكزة حول الدماغ هو إرساء استراتيجيات تعلم أكثر فاعلية وتساوقا مع الكشوف المذهلة لأثر السياقات الدماغية على الإدراك و الذكاء والتعلم, فهذا الكون الصغير والمعقد الذي نحمله داخل الجمجمة يشكل اليوم, وأكثر من أي وقت مضى, طريقنا الملكي صوب الأداء المتميز داخل المنظومة التعليمية أو خارجها في عصر يحتدم فيه التنافس لصناعة العقول الرائدة وامتلاك مفاتيح المستقبل!

ــــــــ

1ـ جان جاك روسو : إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد.الشركة العربية للطباعة و النشر. القاهرة 1958.ص 134

2ـ د.ماريان دياموند : العقل و أشجاره السحرية.دار الفكر العربي.القاهرة 2005 . ص 7

3ـ د.نورمان دويدج : الدماغ وكيف يطور بنيته وأداءه .الدار العربية للعلوم . لبنان 2009 . ص 73-74

4 ـ مرجع سابق .ص 334

5 – مايكل غوريان : الصبية و الفتيات يتعلمون بشكل مختلف.مكتبة العبيكان. الرياض 2008 . ص 80 وما بعدها

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*