أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / مشاركات القرّاء / بكائية لدى الأعتاب النديّة

بكائية لدى الأعتاب النديّة

بقلم: محمد ثابت

كتمام طبع الإنسان في كل زمان ومكان يتفنن البعض، على الأقل، في إظهار المحبة للبشر وانتظار المعروف منهم.. أو الحياة بسعادة بقربهم..

وتبقى الحقيقة الواضحة التي كثيراً ما ننساها، ونُغرقُ في الابتعاد عنها.. إن الوحيد الذي يقبلك بعيبك ولا يمل منك، برغم عدم حاجته على الإطلاق إليك، والتجاوز بالحديث بضمائر اللغة العادية عنه،  وهو ما نستسمح عظمته فيه، ولكنه مع غناه.. وتفرده.. بل عظمته لا يسخط لخطأ أمثالنا المتكرر في حقه مع تمام رفعته وعلاه.. ولا يضج لسوء تصرفاتك وعاداتك.. ويعطيك وإن نسيتَه حتى حين، ولا يغيب عنك أو تفقد وسيلة الاتصال به وإن سافرتْ وارتحلت وتهت.. بل لا تحتاج لرقم ولا “بلوتوث أو روتر” للارتماء لدى أعتابه..

لا يغيب عنك “هنيهة” مهما حدث. .ويرسل الذين يسعدونك في الحياة ممن تعلم، وممن لا تعلم، وإن حزنت ربط على قلبك، وأدخر الخير لك، وإن تحول وجدانك وقلبك إلى غيره.. وشعر ب”تغير” منك غار عليك من تمام تعلقك بمن وما لا يستحقون.. فردك إليه بلطف وإحسان..

إنه الوحيد في الصعاب يناديك أقبل عندي الحل والرحمة والستر..

يقصيك البشر فيدنيك..

يخذلونك فيحتويك..

يشكون فيك.. فيبرؤك بعفوه.. يعاملونك بمقدار مالك وجاهك

يفتئتون.. ويزورن القول والفعل عليك .. فيرد كيدهم إلى نحورهم..

إن أحبك البشر أقبلوا عليك وطمعوا فيك..

وإن أحبك، وحده، أعطاك ما تضيق به خزائن العالمين.. من فيض أمن وطمأنينة قبل مال وأشياء..

إن أحببتَ الأشياء من حولك تعلقتْ بها فجذبتك لأسفل أكثر..

وإن أحببته أخضع لك الأشياء والمراد منها..

كل الذين حولك ينفضون عنك.. ويضيقون بك عند أقرب منحناً في الطريق.. تقل صحتك أو تفتقر.. أو حتى تختلف معهم!

ووحده يقبل زلتك.. ويعفو عن عثرتك.. يحتوي كبوتك.. يهبك الأمن والطمأنينة.. يغسل أحزانك.. يروي عطش روحك إلى الأنس به.. يُبردُ نار غضبك من القساة من الخلق..

إن أقبلت إليه تمشي -والناس تمشي إليهم بالخير فيهربون بعد أن ينالوا منك ما يحبون- هرول لأجلك فاحتواك.. وإن هرولتَ إليه أرسل حفظته يستقبلونك قبل الأبواب..

إن فترت همتك.. أو ابتعدت ناداك بجوف الليل والناس نيام:

ألا تفتقد الإنس بي؟!

ألا تطلب الخير مني؟!

أنيس كل جليس منفرد..

وعون كل مظلوم مضطهد..

إن أنكرتْ قلوب البشر.. وتجافت.. واختزلتْ الغدر والبغضاء.. إن عضوا يد الإحسان طمأنك.. لديّ من الفضل أكثر.. فلا عليك منهم..

تفتر محبتك في قلب الأغيار.. ويتلون عليك جُلّ البشر.. فتجده هناك أقرب من حبل دماء ملتف من أول يدك حتى مفترق جسدك  كله..

إن ضقتْ بالدنيا وتنكرت لك ما ضاق بك..

الآخرون يحبونك لإنهم يريدون الكثير منك.. وهو يحبك لإنه يريد أن  يعطيك..

إن أقبلت الشمس عليك تلفحك بهجيره.. أقبل عليك بالغمامة لتحتويك!

إن عوت عليك “كلاب” الطريق أرسل ملائكته ليردوا غيبتك..

إن أكل الناس حقك المادي.. وغمطوا فضلك المعنوي.. وحده رد الإساءة عنك وادخر لك ما هو أفضل لديه..

تنام في الليل.. فتنام عنك العيون.. ويبقى برحمته إلى جوارك.. يحفظك في جسدك وأجهزتك.. وقلبك وعقلك ومن قبل روحك…

ينصرفون عنك في الملمات والمصائب.. بل يفتعلوا الموبقات محاولين إيقاعك فيها.. فيبلل أطراف قلبك بالشفقة عليهم ويقول لك.. بصوت من أثير وشفاف الروح:

ـ والله ما افقدوك شيئاً أردتُه لك ولن يفقدونك!

تتعثر مادياً وتفتقر فينساك أكثر الناس قرباً إليك ويعاتبونك.. فيقول لك بملء روحك.. يرسلها لتهتف من داخلك بك:

خزائني ملىء.. يا هذا.. فلا تقلق!

في المواقف الصعبة.. وإن كنت مظلوماً.. الكل يتبرأ منك ويلوم عليك.. لإنك حاولت الوقوف أمام الذين “يرونهم” أقوياء من البشر فيما هو يقول لك:

ـ لو تعرف ما أعددتُ لللمظلوم لتمنيتَ الرحمة مني وحدي!

حال مرضك.. حال ألمك الكل يتخفى منك.. ووحده يقول لك:

ـ لا تقلق..

تبكي بدموع القلب يارب أصون أموالهم وأعراضهم فيخطئون فيّ  فيقول لك:

ـ ذلك طبع البشر وما تقدمه من خير تجده لدي لا لديهم!

تطلب منه فإن لم يلبِ لك.. لم يفعل مثل البشر ويتهمك بالطمع بل يهتف بك.. لدي أدخرت لك أكثر مما طلبت..

كل علاقاتك بالبشر تنتهي فور انتهاء “المعرفة” وعلاقتك به تتعمق فور انتهاء حياتك..

حينما يغلق عليك من القبر باب ينتفخ جسدك.. وتئن ذراته وخلاياه.. ويقصيك ويتخلى تخلياً تاماً الجميع.. ويحكمون وضعك في التراب.. ووحده يقبل عليك.. يأخذ روحك إليه.. ينظفها من قاذروات الدنيا ويطمئك اليوم يوم المرحمة!

ما الدنيا كلها إن افتقدتَه ستفيدك..

وإن وجدته وعاداك كل البشر والأشياء فما قيمة الجميع إن أقبل عليك وحدك هو؟!

سبحانك يارب..

فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك تصفو والأنام غضاب

إذا صح منك الود فالكل هيّنٌ

وكل الذي فوق التراب تراب

وكل الذي فوق التراب يارب

تراب..

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين

أضف رد على على إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*