أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / مسلمون ولكن: تقديم د.مديحة السايح

مسلمون ولكن: تقديم د.مديحة السايح

كنت قد وعدت منذ فترة بأن أفرد يقظة فكر – التي أشرف بالكتابة على موقعها – بمقالات تتناول موضوع كتابي مسلمون ولكن. وبهذا الصدد وجب التنويه أنه بإذن الله تعالى استهل سلسلة مقالاتي بمختصر مقدمة أساتذتي الفاضلة د. مديحة جابر السايح – أستاذ البلاغة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة وواحدة ممن عاصروا الأستاذ محمود شاكر – أبو فهر رحمه الله وتتلمذت عليه.

ولقد حظى الكتاب بشرف تقديم كلا من د. هبة رءوف عزت – أستاذ النظرية السياسية بجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية وأ.عبد المجيد الأسود.

وتباعًا أقوم بنشر مقالات تتناول فصول الكتاب إسبوعيًا في محاولة لتلخيص أطروحته حتى تكون في متناول عدد أكبر من القراء ، ولمن أراد الاستزادة فيمكنه قراءة الكتاب مفصلاً.

كمال سليم

تقديم د.مديحة السايح

1- هذا الكتاب “مسلمون ولكن” وصاحبه الأستاذ كمال سليم يمثلان نموذجًا لجيل النزوع إلى العودة للذات ، ذات المسلم الرباني ، التي حُرم منها جيلهم – وأجيال سابقة عليه – “تنشئة وثقافة” وسياقًا اجتماعيًا. جيل مدارس اللغات والفن الهابط والعشوائية الدينية وتجفيف منابع الإرهاب والخراب الاقتصادي والعمالة السياسية. جيل صبت فيه كل أخطاء الأجيال السابقة وانكساراتها. جيل سُلخ من هويته ومن ثقافته بيد من تولوا تربيته وتعليمه وباختيارهم الحر المحض لما سنه لنا الغرب من سنن التعليم والتربية. “لعمري لو نرتضي ما سنوا” كما يقول الشاعر.

جيل خارج من رحم الانهيار الحضاري الأخير للأمة لكنه خرج ناضجًا ، واعيًا بذاته وبأمته وبالعالم ، لأن يد الله التي تعمل في الخفاء ، ردت إلى هذا الجيل الروح من حيث لا نحتسب. شاهدنا ذلك في ميادين الصمود ، وقوافل الشهداء ، ونماذج البطولات التي لم يقرأوها في كتاب ، مما يؤكد أن المجتمعات المسلمة تحمل ، وهي في أقصى درجات ضعفها ، بذور انبعاثها من جديد.

2- موضوع الكتاب هو رصد بعض الأفكار الفلسفية والدينية الغربية وكيفية انعكاسها على تصورات المسلمين ومعتقدهم وسلوكهم. وقد تعددت الزوايا التي رصد الكاتب من خلالها الخلل الواقع في حياة المسلمين بسبب تأثرهم بالفكر الغربي الفلسفي والديني ، وقد وضعها في اثنى عشر فصلاً هي على التوالي: تجزية الحق – التربية بالقهر – أصنام المجردات – إماتة اللغة – السوبرمان – السببة الآلية- النسبية المطلقة – المادية في ثوب الإسلام – حُملوا ولم يحملوا – الإسلام بطعم المسيحية  – الوجودية – فلسفة الحداثة.

  • تجزئة الحق: ويقصد بها اقتطاع بعض أجزاء المنهج الرباني وتطبيقها منفصلة عن تكامل المنهج ووسطيته التي تعني الاستقامة وتكامل العناصر والجمع بين الأضداد ، لا نقطة الوسط بين طرفين. وقد تمثل تأثير الفكر الديني المسيحي في مقولات مثل “ساعة لقلبك وساعة لربك” وفي تعامل كثير من المسلمين مع دينهم على طريقة مقولة السيد المسيح عليه السلام “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ، ثم تجلي فيمن يصنف نفسه أنه “مسلم يساري” أو “مسلم قومي” مستدلاً بالقرآن الكريم والسنة النبوية على أن الإسلام يدعو إلى الليبرالية والاشتراكية أي الحرية والمساواة بين الناس رغم أن المنطلقات الفكرية التي انطلقت منها هذه التصورات في الغرب لها تاريخها الخاص المُعادي للكنيسة والمتجاوز لفكرة الاعتقاد بالله ومن ثم تأتي تطبيقها في المجتمع المسلم لمعانيها تمامًا.
  • إماتة اللغة: وذلك بانتهاك الفصحى انتهاكًا صارخًا يرصده المؤلف في عدة ظواهر منها استخدام الكلمات خارج معناها الدلالي بشكل منفر (ينفضله و يحلقله للتعبير عن تجاهل شخص ما). ومنها نحت علاقة اعتباطية بين الكلمة وما تشير إليه (مثل: فاكس) وهي صورة لتطبيقات نيتشه ومن بعده جاك دريدا في الستينيات لما يراه علاقة اعتباطية بين الدال والمدلول ، في مقابل ما يسميه المؤلف “العلاقة الربانية” بين الكلمة وما تشير إليه. ومن هذه التطبيقات – وهي الأكثر ترديًا باللغة كما يقول – ظاهرة الفرانكو عربي.

هذه الظواهر وغيرها ، والتي تعد تطبيقًا لفلسفة نيتشه الذي يزعم أن الكون سائر إلى العدم ، وأن حياة خالية من المعنى ومن ثم فاللغة خالية من المعنى لأنها لا تعدو كونها إشارات ؛ لا تؤدي فقط إلى نزع القداسة عن اللغة العربية بل تكسر الجسر الذي يربط الأجيال وبين تراث ضخم من علوم الثقافة العربية الإسلامية لأن اللغة العربية هي الوعاء الذي حمل كل هذا التراث الفكري والعلمي الضخم ، مما يدفع الأمة إلى “تسول” الأفكار والعلوم من الأمم الأخرى مثلما هو حادث الآن.

ومن الأفكار الجزئية اللافتة تفرقة الكاتب الدقيقة والمهمة بين السعي و “الحركة” في سياق حديثه عن السببية الآلية – وهي القوانين التي صاغها نيوتن للحركة- التي أعادت صياغة تصورات المجتمع الأوروبي في مطلع القرن الثامن عشر ورؤيته للخالق والكون والإنسان. فالسعي “حركة واعية متصلة بمراد الله من خلقه وليست “حركة” نابعة من الأهواء والرغبات الذاتية” ص 72.

فالأول منطلق من تصور أن الله خلق الكون ويدبره ويحفظه  ، وأن النفخة الإلهية التي في الإنسان تجعله خارج قوانين المادة الصارمة التي تسري على ما هو جسد وحسب. أما الثاني فمنطلق أن الله خلق هذا الكون المحكم ثم تركه يعمل بقوانين السببية الصارمة التي أودعها فيه دون أن يحتاج إلى هذا الإله بل ودون قدرته على أن يتدخل في هذا الكون مرة أخرى ومن ثم تنتفي ضرورة إرسال الرسل والتوجه إلى الله بالعبادة والدعاء.

ثم أورد في الفصلين الأخيرين ملامح التصور الإسلامي للقضايا التي طرحها في الفصول السابقة وحلاً مقترحًا للإشكالات التي أفرزها هذا النمط من التأثر بالآخر تأثرًا سلبيًا على النحو الذي استعرضه.

وقد سار المؤلف على نسق واضح من عرض لبتصور النظري للفكرة الفلسفية أو الدينية الغربية ثم حلل تجلياتها في تصور بعض المسلمين وممارستهم اليومية ، ويختم كل فصل بعبارة “نحن مسلمون ولكن..” ملخصًا بعد هذا الاستدراك خطأ التصور والسلوك  الذي عليه المسلمون بسبب تأثرهم بالفكرة الغربية موضوع الفصل ، مما ينفي ما قد يتبادر إلى ذهن البعض من أن المؤلف يكفر المجتمع المسلم أو يصفه بالخروج عن دائرة الإسلام. بل يُلمح في هذا الاستدراك شفقة الناصح وحدب الراغب في صلاح مجتمعه وأمته.

3- من ميزات هذا الكتاب أنه ينزع الأغلفة عن الزيف الفكري والفلسفي المغلف بغلاف الإسلام ، ويعري قبحه بلغة بسيطة دون تعقيد مصطلحي أو تقويم فكري. وأنه ينحو منحى عمليًا تحليليًا في كشف هذه الأغلفة المزيفة برصد تجليتها في مواقف مستمدة من الحياة اليومية والخبرة الواقعية الذاتية والتجربة المعاشة ، إما عايشها الكاتب بنفسه أو نقلها عم يثق في روايته أو يذكرها باعتبارها مواقف متكررة في المجتمع ومن ثم لا تكون بعيدة عن ذهن قارئه. هذه القدرة على التقاط المواقف وردها إلى الفكرة التي هي انعكاس وتجلٍ لها ، مع ما تحمله هذه المواقف من مباشرة وواقعية وبساطة ، تجعلها أعمق دلالة على ماضربت له مثلاً. كما يجعل مسارات التأثير التي تسير فيها الأفكار منتقلة من الآخر إلينا مسارات واضحة ، ومن ثم يمكن – مع إدامة النظر والتتبع لهذه القضية – التحرر منها ومقاومتها.

وفي نفس الوقت يساعد الكتاب في تكوين هذه الآلية من آليات التفكير لدى الشباب المسلم ، وهي الربط بين السلوك المشاهد في المجتمع والفكرة الغربية التي كان انعكاسًا لها بشكل مباشر أو غير مباشر- مما يشكل جزءًا من الوعي المطلوب بالذات وبالآخر في هذه المرحلة الفارقة في تاريخ أمتنا. فهو مطلوب ليس لمعرفة هذا الآخر لتجنب الوقوع في دائرة تأثيره فحسب ، بل مطلوب  – وفي خطوة متقدمة للأمام – لدعوته إلى دين الله ، حتى يسترد هذا الجيل وظيفته الربانية في هذه الحياة وهي تعريف الخلق بالحق سبحانه ودعوتهم إليه.

4- يمكن تصنيف موضوع هذا الكتاب ضمن التيار الاحتجاجي ضد العلاقة المرضية بالآخر – وليس ضد ثقافة الآخر أو معرفته أو مطلق العلاقة معه  – الذي ازداد تدفقه في ثقافتنا العربية منذ تسعينيات القرن الماضي ، وتمثل في جهود عدد من المؤسسات والأكادميين والمفكرين ، كما تنوعت ميادينه في المجال السياسي والفكري والاجتماعي  وفي النقد الأدبي والاقتصادي ، وإن لن يتحول هذا التيار بعد كل قوته الفكرية إبى واقع حي بانٍ للمجتمع.

كانت هذه بعض الخواطر دارت حول هذا الكتاب القيم ، أرجو أن تكون حافزة للولوج إلى صفحاته . وأسأل الله العلي القدير أن يتقبل من الأستاذ كمال سليم هذا العمل ، وأن ينفع به وأن يجعله من علامات الطريق يستهدى به شبابنا في طريق الحق الساعية إليه. والحمد لله رب العالمين.

د.مديحة السايح

الاثنين

السابع عشر من فبراير 2014

السابع عشر من ربيع الآخر 1435

رابط صفحة الكاتب على الفيس بوك:

https://www.facebook.com/kselim86

رابط جلسة نقاش الكتاب بحضور كلا من د. هبة رءوف عزت وأ.عبد المجيد الأسود:

https://www.youtube.com/watch?v=3nEyHlTPe1E&feature=youtu.be

رابط قصة كتاب مسلمون ولكن على موقع يقظة فكر:

http://feker.net/ar/2015/01/15/2589634/

 

 

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*