أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / كتب ومؤلفات / تجزئة الحق (مسلمون ولكن)

تجزئة الحق (مسلمون ولكن)

كمال سليم

خلق الله الكون قائمًا على التناسق بين المتناقضات والتآلف بين الأضداد؛ فالإنسان مؤلف من روح وجسد لكل منهما احتياجات تبدو من الظاهر متنافرة، ويُظَن للوهلة الأولى أن إشباع متطلبات أي طرف لابد أن يكون على حساب الطرف الآخر. فإشباع متطلبات الروح يظهر فيه تجاهل متطلبات الجسد، وسد حاجات الجسد وتلبية نداء شهواته يتوهم فيه الابتعاد عن النمو الروحاني للإنسان.

ومن هذا التناقض الظاهري قامت كل النظريات الدينية والفلسفات الوضعية محاولة حسم هذا الصراع المتوهم بين التناقضات القائمة في الحياة – والتي من تجلياتها ظاهرة الإنسان المؤلف من عنصرين ظاهرهما التنافر. ففي المسيحية نجد أن الصراع بين الروح والجسد يحسم لصالح الروح، ونجد أن الرهبنة بمعنى العزلة للتأمل وانتظار الفيوضات الإلهية أعلى رتبة من مخالطة الناس، وفي النظام المسيحي يعد عدم الزواج أفضل من الزواج. تأتي الديانة اليهودية على نقيض ذلك، لأنها تحض على بذل الجهد لإقامة الفردوس على الأرض، ولهذا لا نجد أن أخلاقيات الانعزال عن العالم والرهبنة شائعة في اليهودية – خلافًا للمسيحية.

ومن أمثلة محاولة حسم التناقض القائم في الحياة لصالح أحد طرفيه في مجال الفلسفات الوضعية الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية. فالأولى تعلي من الحرية الفردية، وتعطي المنافسة الحرة أولوية في مجال التجارة بينما الأخيرة تجد في النظام والحد من الامتلاك الفردي ضمانة للعدالة الاجتماعية والمساواة بين الطبقات. وبين طرفي النقيض يحتدم الصراع ويكثر الجدل وينقسم الناس ما بين مؤيد ومعارض بل وتندلع الثورات، وتحاك المؤامرات، تقام الحروب في محاولة لفض التناقض وحسمه لصالح أحد طرفيه.

والحقيقة أنه لم تنجح أي ديانة أو فلسفة في هذا الأمر برغم ما بُذِل في هذا المضمار من جهود المفكرين، وما تقاتلت من أجله الأمم والشعوب، وما تناحرت للوصول إليه الأحزاب والجماعات السياسية. والسبب في هذا من البداهات؛ لأن الله أراد أن يخلق الكون على هذا النسق لا بغرض الحسم والصراع بل لغرض التآلف والتعايش معه، فالتناقض في ذاته لا يمثل خللاً يوجب القضاء عليه لأن هذا مُحال لبشر ولكنه يتطلب وحيًا إلهيًا وناموسًا ربانبيًا يبصر به الإنسان ويكدح دومًا في محاولة للعيش والانسجام وسط ما يحسبه تناقضًا يتحتم عليه تصفيته.

ومن هنا تتجلى ربانية المنهج الإسلامي في كونه يشكل “وسطًا جدليًا” بين ما يظن فيه التناقض؛ فمنظومة الكون القائمة على الليل والنهار، والذكر والأنثى، السماوات والأرض…إلخ ومنظومة المعاني التي يتجلى فيها معانٍ في ظاهرها التنافر كالحرية والكبت، والجبر والاختيار، والشجاعة والجبن، والكرم والبخل…إلخ لا تمثل صراعًا في الإسلام لأن الإسلام كمنهج جاء منسجمًا مع منظومة الخلق الإلهية ، ولأن كليهما مصدرهما الله، فلا تعارض بل تآلف وانسجام يتشكل من الوحدة بين “ثنائية القطب”.

ولهذا لا نجد أن الإسلام يحسم الصراع بين الروح والجسد لأحد منهما؛ فلا يقتل الروح لإشباع شهوات الجسد ولا يكبت شهوات الجسد لصالح الروح. ولهذا نجد أيضًا أن الإسلام لا يفرض نمطًا معينًا في تلكم المسألة، فالإسلام – وإن كان يحض على الزواج – لا يفرضه، فالمسلم قد يحيا دون زواج وفي الوقت ذاته أُبيح تعدد الزوجات، فالأنماط المتعددة – وإن كانت مقننة – تسع ظروف واحتياجات البشر المتنوعة. وبالمثل لا نجد أن الإسلام يعطي صورًا ذهنية بعينها للمعاني فالشجاعة مثلاً قد تتجلى في عدم المواجهة في وقت الضعف – كما فعل سيدنا خالد بن الوليد في أحد الغزوات. والكرم قد يكون بالإمساك عن الاستهلاك والإسراف بل وفي عدم إعطاء من لا يستحق أو في مساعدته لكسب العيش بدلاً من إعطائه وتحويله إلى عائل. فالنبي – صلى الله عليه وسلم – قال لأحد السائلين بأن يصنع قادومًا  ثم يذهب ليحتطب وفي هذا تجلي من تجليات معنى الكرم. ولهذا نجد أن أغلب المسائل من تركت في الإسلام للاجتهاد طالما أنها لا تتعارض مع أصول الدين ولا تهدم ثوابته.

ومما ابتليت به الأمة الإسلامية المُعاصرة على مستويات عدة بدءًا من الممارسات الفردية مرورًا بالأنظمة السياسية الحالية ما أسميته “تجزئة الحق” وهو تطبيق المنهج بعيدًا عن تآلفه وكليته أي تمزيقه إربًا على مستوى التطبيق بزعم أن الجزيئات لا تتعارض مع الدين. فإذا حللنا الأمر على صعيد الأفراد نجد أن المسلم أضحى يتعامل مع ما حوله من  المنظومات كمنظومة  التعليم وكأنها بداهات لا تُنَاقش إذا ما كانت لا تخالف الشرع. فالمنظومة التعليمية مثلاً والتفاعل معها أضحت بديهة، وذهاب الأولاد للمدرسة بشكلها الحالي أضحى بداهة، فهل الذهاب للمدرسة حرام؟ لا إذن فلا نقاش في التعامل معه ، مرورًا بالملابس التي أضحت “لافتات إعلانية” تحمل من المفاهيم ما يتعارض مع كثير من المعاني الإيمانية – مثل أحد الإعلانات عن مزيلات العرق يُكتب تحت صورة إنسان في طور تحوله إلى أحد الحيوانات “أخرج الحيوان الذي بداخلك”، وشرب المشروبات الغازية والفاست فوود…إلخ دونما التساؤل إذا ما كان الفعل شرعًا من المباحات.

ومكمن الخطر في تلكم الأمثلة أنها قد تخالف كليات تصور الدين حتى وإن بدت بسيطة والمشكلة الحقيقة في كونها باتت بداهات لا تناقش ولا يعاد التفكر في علاقتها بالدين، وكأنها أفعال حيادية خارج نطاق التعبد والكدح الإنساني في السير إلى الله.  فالعلم مثلاً في الإسلام لابد أن يكون موصولاً بالله أي على المتعلم أن يعي جيدًا ما الدافع الحقيقي له في تعلم ما يتعلم وهذا ما لا يحدث في التعليم النظامي الحالي. فالطالب لا يعلم أصلاً لماذا يذهب إلى المدرسة ولماذا يتعلم ما يتعلم. وبالنسبة للمشروبات الغازية والفاست فوود فكثير من شراكتها تمثل أدوات الاستعمار الجديد في بلادنا لأنها تعمل على شفط رأس المال وتعزز قيم الاستهلاك والإسراف وما إلى ذلك من صفات تتناقض مع رؤية المسلم للدنيا وعلاقة كل حركاته وسكناته في الدنيا بآخرته.

وعلى مستوى الفكر نجد أن الإسلام أصبح النور الشفاف الذي دخل في مخروطة فخرج منه ألوان شتى، ثم تصارعت الألوان، يزعم كل لون أنه هو الدين وما عداه هو الباطل فنجد من يقول إن الإسلام في جوهره ليبراليًا أو اشتراكيًا أو حداثيًا ويعضد كل طرف أقواله ببعض آيات القرآن والأحاديث وأفعال من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام – مبتورة الصلة عن كليات التصور الإسلامي. فنجد من يستدل بعدم قبول سيدنا عمر تقسيم الأراضي على الصحابة الأوائل وتركها أشبه بالوقف لخدمة المسلمين كافة على كونه كان اشتراكيًا. وهناك من يجد في شخصية الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري نموذجًا للاشتراكية الإسلامية ، ويصوره على أنه ماركس الإسلام. في حين نجد أن غالبية مسلمي اليوم الذين لا ينتمون إلى النخبة ولا علاقة لهم بالفكر قد استبطنوا الرؤية الحداثية للحياة وأخذوا معايرها وطوعوا الإسلام للتدليل على صحتها وأنها لا تعارض بين نمطها والإسلام في شيء ومن تجليات ذلك التعامل مع بداهات الحداثة كالاستهلاك والإنتاج والعمل والعلم دون غاية وقبول منظومة البطش والسيطرة الأمنية للدولة…إلخ.

ومثل هذا التعامل مع الإسلام أشبه ببتر جزء من أجزاء جسد الإنسان ثم التدليل وسوق كل ما يمكن من الأدلة على كون الجزء المبتور لا فرق بينه وبين الجسد في كله وتكامله. ومن المعلوم أن الكل لا يساوي مجموع أجزاؤه، والحياة هي التآلف بين العناصر المختلفة في انسجام ووئام – كحالة الإنسان الحي، أما الموت فهو انفصال الروح والجسد عن حالة الانسجام حتى وإن ظل الإنسان حيًا بالمعنى البيولوجي، فإنه بعدم التعامل والتفاعل النابض مع الحياة في ظل الوحي متمثلاً في القرآن والسنة وكليات التصور الإسلامي المنبثق عنهما يكون في طور من أطوار الموت. ولهذا فتجزئة الحق يفقده عامل الحياة فيه ومن ثم فاعليه بل وصلاحيته للتعامل مع الواقع في تركيبه وتناقضه.

والله أعلم

رابط صفحة الكاتب على الفيس بوك:

https://www.facebook.com/kselim86

رابط جلسة نقاش الكتاب بحضور كلا من د. هبة رءوف عزت وأ.عبد المجيد الأسود:

https://www.youtube.com/watch?v=3nEyHlTPe1E&feature=youtu.be

رابط قصة كتاب مسلمون ولكن على موقع يقظة فكر:

http://feker.net/ar/2015/01/15/2589634/

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*