أخبار مشروع مجتمعنا
الرئيسية / المرصد الفكري / فن ترويض البشر

فن ترويض البشر

كمال سليم

من شاهد عرض الأسود في السيرك، أو ذهب إلى حديقة الحيوان، وتأمل حالهم، ونظر إلى عيونهم الكسولة، وجفونهم المنسدلة معظم الوقت في حالة من اللامبالاة وسط الضجيج حولهم، من دُهش إلى كون الطعام أضحى الباعث الوحيد لحركة الحيوانات وخطواتهم المتكاسلة لبضع مترات قليلة داخل أقفاصهم في حالة حيوانات الحديقة، أو المحفز الرئيس لأداء الحركات الأكروباتية في حالة أسود و نمور السيرك، من لاحظ فقدان الخصائص الذاتية للحيوانات: فالأسود والنمور والضباع وغيرهم من الحيوانات المفترسة لم يعد يميزهم ميزة، الكل يلهث وراء قطعة من اللحم شهية يعطيها له حارسه أو مدربه بعدما ينهي ما طُلِب منه. يقف الإنسان يتسأل كيف لهذه الضواري أن تقف كالجواري العذراء! كيف للمخالب الحادة والأسنان الضروس والقوة العضلية المفطرة أن تستحيل وسائل لحك الجلد أو شعر الرأس، باختصار كيف نسي الأسد أنه ملك الغابة وبات همه أن يتلمس رضا حارسه أو مدربه عنه! وكيف في الوقت ذاته انحصرت اهتمامته في توفير قطعة لحم مشفاه رقيقة!

عملية الترويض لها فنها وطرائقها حتى ينسى الحيوان ذاته و يفقد خصائصه الموهوبة له من خالقه بل ويعيد صياغة نفسه وفقًا للواقع الجديد – واقع القفص. في البداية يتم حبس الحيوان مدة طويلة في غرفة مظلمة، يثور ويزداد هياجه فلا يكترث له أحد من مدربيه وحراسه، يزأر فلا مجيب، تبدأ بطنه تأكلها عصاراتها الهاضمة، فلا يأتي من يطعمه. وبعدما تطول فتره جوعه ويشعر أنه قارب الهلاك، يُرمى له الطعام دون معرفة من الذي يطعمه في بادئ الأمر ليترسخ داخله أنه يحيا حياة جديدة بقوانين مختلفة عن ذي قبل، ليست تلك أن يشعر فيها بالجوع فيجد رزقه، معتمدًا على سعيه الفطري في محاولات الافتراس، فالآن ليس لزئيره ولا لمخالبه قيمة ولكن هناك معطيات أخرى. وبعدما يتأكد المُروض أن الأسد أو النمر أو الضبع أو أيما كان ممن يريد ترويضه تم تهيأته لاستقبال قوانين الواقع الحالي: أولها أن سيده حاليًا له يعد الخالق، بل من يقدم له الطعام، يظهر له السيد الجديد ويبدأ في إقران وجوده بوجود الطعام دون شرط أو قيد في البداية، ودون أعباء ودون مشقة. في هذه المرحلة يكون الحيوان المرجو ترويضه قد نسي تمامًا كون أن خالقه قد تكفل برعايته، وضمن له رزقه، فالرب قد تسرب من  نفسه ببطئ  كما تتسرب قطرات المياه على جدان حتى ينهار، وفي هذه الحالة تكون علامة انهيار الخالق في نفس هذا الحيوان تقبله للواقع الجديد واستعداده لتقبل الأوامر الصادرة عن مروضه أو حارسه.

وبعد ذوبان الذات في واقعها الجديد يصبح من السهل إعادة برمجة الحيوان المُراد ترويضه بحسب ما يرى المروض، فيقنعه بكونه قطة مُدللة يجب عليها فعل كيت وكيت، ويقرن له دومًا الطعام بالفعل، فنراه وهو يدربه يضع قطع اللحم على الدرجات التي يريد الأسد صعودها ليقفز من خلال الحلقة المشتعلة بالنيران، ويستخدم المروض أساليب الترغيب والترهيب لإنجاح عملية الترويض؛ فإذا نجح الأسد في اجتياز المطلوب منه أعطاه المزيد من اللحم الشهي، وإن لم يستطع يقوم بضربه، ويزداد حدة الضرب بقدر محاولات العصيان والتمرد. وفي بعض الأحيان يستخدم المروض الترغيب بأن يربت على جسد الأسد بعدما حاول ضربه مرارًا ولم يفلح كوسيله لتحفيزه لعمل الحركة البهلوانية المطلوبة، وتتنوع طرق الترويض وصولاً للغاية المطلوبة. وأقصى ما  يمكن للحيوان – في طور الترويض –  فعله  إذا ما اشتعلت نيران فطرته الخامدة بضرب مهين أن يشيح بكفه ذا المخالب الناجزة وأن يزأر مكشرًا عن أنيابه القاتلة لأنه وفقًا لما تم برمجته عليه في واقعه الجديد لا عمل للمخالب والأسنان سوى هذا الفعل.

وتتناسل الحيوانات المروضة وتتفتح عيني الصغار على واقع القفص بمفرداته وآلياته، بأحلامه وطموحاته، بوسائله وغايته. ومع كبر هؤلاء الصغار تبدأ وخزات الفطرة داخلهم في الصراخ مؤكدة لهم أنهم لم يخلقوا لهذا الواقع، هناك الكثير من الإشارات لهذا خاصة بعدما تحتد مخالبهم وتسن أسنانهم، ولكنهم لم يعد لها استخدام مع وجود اللحم الطازج المقطع سلفًا، وتحت ضربات عصيان المروض تخمد جذوة الفطرة إلى أن تنطفئ. ويكون نتاج تلك الحيوانات المروضة – آباء وأشبال – أجيال كسالى نائمة، بعيون زجاجية باردة لا شعور فيها، أخلاقيات متشابه بين أنواع مختلفة من الحيوانات؛ فالأسد والنمر والضبع جميعهم يخاف العصا ويشتهي اللحم، ينشط وقت التدريب بغية قطعة لحم زائدة ويظل بقية الوقت ناعسًا، جميعهم فقد غزيرة الصيد وشهوة القنص، لم يعد شغف الحياة يتقد داخلهم ولا تثيرهم جلبة الحاضرين للفرجة على عروضهم أو رؤيتهم داخل الأقفاص، يرمي لهم المتفرج خارج القفص قطعة من اللحم أخذها من الحارس، فينهض متكاسلاً لالتقاطها إن لم يكن هذا هو ميعاد أكله المعتاد، فعملية الجوع والشبع  لم يعد يحركهما باعث الغريزة في ظل هذا الواقع بل بحسب ما يقرره الحارس أو المروض.

وبالمثل يروض البشر؛ تبدأ عملية الترويض أساسًا من شعور الإنسان الفطري بالافتقار وأول ما يشعل هذه الجذوة في الإنسان شعوره بالجوع. فشهوة البطن أول جرس ينبه الإنسان لافتقاره لغيره ويسلب منه في الوقت ذاته مقام الألوهية ويختم عليه بمقام العبودية. ولهذا نجد أن الله عز وجل في مواضع كثيرة في القرآن ينسب لذاته العلية ألوهيته لكونه “يُطعِم” ولا “يُطعم” ولأنه لا يحتاج إلى أحد في إطعامه في قوله تعالى “ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون” ومما قاله الله جل وعلا في سلبه ألوهية سيدنا عيسى أنه وأمه “كانا يأكلان الطعام”. ومن هذا الشعور بالافتقار إلى الطعام والشراب، يشعر الإنسان بالاضطراب، ويسعى جاهدًا لإيجاد الطمأنينة في سد أول حاجاته الأساسية في المأكل. ومن هنا يبدأ الإله الحق في طمأنة العبد في تأكيد الله على أنه هو الرزاق في قوله “إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين”.

ويسير الإنسان في كون الله المنظور فيجد حقًا أن الله هو الرزاق، وأنه لم يتكفله بإيجاد رزقه من العدم فهذا مُحال في حقه، فيجد الإنسان أن الكون كله مسخرًا لإطعامه: فالبذرة تترعرع إلى شجرة بها من الثمار ما لا يحصى، والحيوانات المباح أكلها كالغنم والأبقار والدواجن تتكاثر، فالزوج يصبح أزواجًا، واللبن يتدفق عن حاجة فصيل الناقة والبقرة والماعز ليكفي العديد من البشر. فسعي الإنسان الفطري – كما في حالة الأسد خارج القفص – يكفل له رزقه بل والكثرة في الإثمار تمده بالطمأنينة بأن خالقه لم ولن يحمله ما لا يُطيق، ومنها تنشأ علاقة العبد بالرب، العبد الذي عرف مقامه ودوره في الحياة – أي عبادة الله وحده، والرب الذي أكد أن من صفاته الرزاق، وتظل هذه العلاقة هي الحبل السُري الوحيد الذي يستقي منه العبد مفاهيمه وقيمه ، والمنظار الذي يرى من خلاله الواقع، والميزان الأوحد الذي يزن مقدار أفعاله.

ولكن لأسباب كثيرة منها أن علاقة العبد بالرب علاقة متجددة بحاجة للرعاية والعناية، والاهتمام والمتابعة أو بتعبير القرآن بحاجة للكدح المستمر والكبد الدؤوب داخل النفس والواقع تشوب هذه العلاقة شوائب كثيرة إذا غفل العبد عنها وأهملها إلى أن تسد قنوات القيم والمفاهيم الواصلة بين العبد وربه وبهذا تضطرب رؤية العبد ويرى الواقع وحشًا مفترسًا يهدد بقائه باستحواذه على لقمة عيشه، وفي حالة الاضطراب تلك يكون العبد في حالة عدم استقرار، ويحاول بشتى السُبل أن يأمن ولكن الخطر أنه بغفلته قد يلجأ للمروض بدل الخالق.

والمروض في هذه الحالة قد يتجلى في منظومة عمل مبتورة الصلة عن الله لمجرد أن العبد يحاول سد احتياجه الفطري للافتقار ولكن بعيدًا عن الله؛ فقد تتجسد في شركة “مالتي ناشيونال” أو أي نظام استبدادي يوهم الناس أن هو رازقهم، وقد يكون في قبول الإنسان لأي من الأوضاع التي لا تضمن له بقائه على حالته الفطرية التي خلقه الله بها كي يعبده وفقًا لكل الملكات والقدرات التي وهبها له، ضمورًا لكثير من المعاني والقيم – كما انعدم استخدام المخالب والأسنان للأسد – لأنه لم يعد له همًا إلا تأمين لقمة العيش – التي ضمنها الله له بالأساس. ويتسرب في وجدان العبد أن المنظومة هي التي تهب وتمنع، فيتعلق القلب بها بصفتها غاية في ذاتها لا وسيلة، ويصبح الواقع بكثير من طرائقه الفاسدة مألوفًا في وجدان العبد وشعوره مثل الإنتاج بلا غاية والاستهلاك دون مبرر – كحالة الأسد الذي لم يعد يأكل بدافع الغريزة بل بدافع الاعتياد. وبهذا الخلل الأولي بين العبد وربه في كون الله هو الرزاق تختل معها القيم الأخرى والمعاني المعينة على السير على طريق الله كالتقوى ليحل محلها المصلحة، والورع يزيح الضرورة، والإنسانية تسحق تحت وطأة المنافسة المحمومة.

والفارق في المثالين بين الحيوان المروض والإنسان المروض أن الأول لا ينفك عما تربى عليه ونشأ فيه من أخلاقيات القفص وواقع العصا وسياسة اللقمة مقابل الحركات البهلوانية دومًا. فالإنسان لكونه إنسانًا لديه القدرة على استعادة علاقته بالله، وفي إمكانة إعادة تنظيف قنوات الاتصال بينه وبين ربه ليعيد صياغة ذاته من جديد ومن ثم صياغة واقعه بما تمليه علاقته بالله من أولويات واهتمامات وما يقتضيه الكدح والكبد لا الواقع وحده من مسئوليات يتعبد بها الله تعالى. وكما كان الأسد لا يجول بخاطره سؤال كيف سأدبر لقمة عيشي قبل ما يتم ترويضه، سيعلم الإنسان بعدما يستعيد العلاقة الحقة بالله كيف ستدبر له أرازقه وقوته وفقًا لرؤيته الجديدة للحياة بعدما اتصل بخالقه الرزاق مرة أخرى.

والله أعلم

Print Friendly, PDF & Email

ما رأيك؟ :)

comments

تعليق واحد

  1. جزاكم الله خيرا .. مقال جميل جدا أتمنى أن يجد له أذان صاغية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*